* محمد الهادي المرنيصي مسرحي ملتقى الشعر التونسي الحديث الذي تحتضنه سنويا مدينة بنزرت ويشرف على تنظيمه المندوبية الجهوية للثقافة والمحافظة على التراث انجز دورته العاشرة خلال الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر 2004 وقد كان موضوع «التجديد في الشعر التونسي الحديث، تجديد في الشكل أم في المضمون؟» القضية الفكرية التي طرحت على بساط الجلسات العلمية إلى جانب القراءات الشعرية بمشاركة 25 بين محاضرين وشعراء. وان ما يلفت الانتباه هو أن هذه الدورة العاشرة قد أثارت أكثر من الدورات السابقة العديد من الأسئلة المشحونة بعلامات الدهشة والاستغراب مثل ما أثارت عند البعض الرغبة الملحة في الوقوف عند هذه التظاهرة وتسليط نظرة فاحصة على البعض من جوانبها على الأقل، والاجابة عن الأسئلة المهمة. وذلك باعتبار الأهمية البالغة التي يكتسبها هذا اللقاء السنوي الثقافي الشعري «من حيث المبدإ» والذي يحاول أن يحمل مثل غيره من اللقاءات المماثلة راية الشعر التونسي الحديث ويحاول أن يكون كذلك من أ هم وأوكد محاور الحركة والفعل الثقافي في تونس القرن الحادي والعشرين. وكذلك باعتبار أن الدورة العاشرة زرعت الكثير من الشكوك في قدرة هذا الملتقى على تحقيق طموحات المثقفين بأن يكون ظاهرة متوهجة يمتد اشعاعها عبر آفاق الفعل والابداع الثقافي. ملتقى أم «لمّة» والآن، وبعد أن اجتاز الملتقى عتبة المرحلة التمهيدية وتخطى أكثر ما يمكن من التجارب التحسيسية وما يعتريها عادة من هفوات وكبوات وبلغ المرحلة التي تمكنه «من الناحية المنطقية على الأقل» من الوقوف على قدميه بثبات والتأهب للانطلاق بقوة، يبرز في أذهاننا سؤال مهم وملح. هل ان ملتقى الشعر التونسي الحديث ببنزرت أصبح له شخصيته المتميزة ؟ انه من باب الأمانة، ومن منطق الواقع الذي تجلى بوضوح في الدورة العاشرة بالذات، التأكيد بأن كلمة «لا» هي الأكثر صدقا، والأقرب بكثير من كلمة «نعم» للاجابة عن هذا السؤال وذلك لأمر بديهي، هو أن هذا الملتقى، بقي منذ انبعاثه، قابعا في مكانه دون أن تغمر كيانه روح النما والتطور والتحرك الدؤوب مثل ما هو الشأن لكل الأنماط الثقافية الحية التي لا يعرف الخمول إليها سبيلا. بحيث يمكن القول بأنه تجمد في شكل «لمّة» تتكرر في كل سنة، بنفس المشهد ونفس الأسلوب حتى أصبحت كل دورة نسخة مطابقة للأصل من الدورات السابقة لا يضاف اليها سوى عنوان الموضوع الجديد لكل دورة جديدة، لكن الشيء الثابت الذي أكدته كل الدورات هو أن اختيار الموضوع لا يحقق وحده الديناميكية التي ينبغي أن تكون عليها فعاليات الملتقى أما سطحية الكثير من المداخلات وأمام الغياب الكلي للمثقفين. وبذلك بقي الملتقى دون مستوى التحرك الفاعل ودون مستوى القيمة الابداعية المنشودة ودون الأهداف التي تبرر تنظيمه وتبرر المصاريف و»الكاشيات» التي تبذل من أجله. وهنا لا بد من القول بأن ذكر «الكاشيات» ليس معناه أن ننكر على الشعراء وعلى كافة المبدعين هذا الحق المادي الذي لا مناص منه، والذي بدونه لا يكون هناك ابداع ولا مثابرة ولا تنافس لكن ما ننكره هو أن يصبح الملتقى مصطبغا بطابع «الكاشي» الذي لا يحمل دلالات الابداع ولا بصمات التطور والتألق. ملتقى بلا قاعدة وهناك عامل آخر من العوامل التي لها تأثير سلبي كبير والذي لازم الملتقى في جل دوراته ان لم نقل كلها، هو الفراغ الناتج عن غياب المثقفين تماما، مما جعل هذه التظاهرة بدون قاعدة، تقيها من العزلة وتمنحها أكثر ما يمكن من حظوظ الناجح. في حين أن ولاية بنزرت وخاصة عاصمتها تزخر بمنشآت التربية والتعليم من الابتدائي الى العالي، وبالتالي تزخر بعدد وافر من الأساتذة والمعلمين والشباب الطالبي والمدرسي، وغيرهم من عموم المثقفين وكذلك بعدد هام من النوادي والجمعيات الثقافية. فلا ندري كيف يعجز المشرف الجهوي المباشر على الملتقى في جلب جانب مهم من جمهور المثقفين ببنزرت، ليكونوا قاعدة حية متحركة، تلعب دورا كبيرا في اذكاء جدوة التفاعل والتكامل وفي تفجير شحنات الابداع والتألق والاشعاع. وفي نفس الوقت جبر الشعراء والمحاضرين على تغيير طرائف وأساليب تعاملهم مع الملتقى بأن يتوخوا منهم الابتكار والتجديد والابداع، دون الجنوح إلى السهولة والسطحية. كما تجبر المشرف الجهوي المباشر على التخلي نهائيا عن نزعة التفرد المطبق في الاعداد والتنظيم والتأطير وعن نزعة التمسك بنفس الوجوه في كل الدورات كما تجبره على ضرورة التحري والتمييز بين الغث والسمين، واعتبار أن قيمة الملتقى والمحافظة عليه واثرائه بالجديد المبتكر في كل دورة تأتي قبل الاعتبارات والعلاقات الشخصية. سلبيات كثيرة ومجمل القول، اننا اذا سلطنا هذه النظرة الفاحصة على الدورة العاشرة لهذا الملتقى بغية التقويم النصوح نجد أن السلبيات المؤثرة هي العنصر الطاغي أكثر من غيره على فعاليات هذه الدورة وردهاتها وهي التي تدفعنا الى التساؤل : ما هي الفائدة من ملتقى يدعى اليه 21 شاعرا، ولا يقدم إلا القليل منهم قصائد جديدة وجيدة؟ ما هي الفائدة من ملتقى يظهر بعض المدعوين اليه من شعراء، ومحاضرين عدم الاهتمام بفاعلياته لذا فإنهم بمجرد قراءة المداخلة أو القصيدة يلح كل واحد منهم على قبض «الكاشي» على الفور ثم ينسحب نهائيا. ما هي الفائدة من ملتقى تقدم على منبر جلساته العلمية مداخلات تطغى على البعض منها السطحية، وعدم التعمق في جوهر الموضوع اضافة الى غياب النقاش الذي يمكن أن يضع النقاط على الحروف. ما هي الفائدة، من ملتقى لا يفرق بين الغث والسمين، ويستضيف بعض الطفيليين الذين لا ينتسبون الى الشعر إلا بالاسم، وان تشريككم يعتبر خطا من قيمة الحدث. ما هي الفائدة من ملتقى لا يدعو الجيل الجديد من الشعراء الشبان بالجهة للمشاركة ليتمكنوا من صقل مواهبهم والاحتكاك بكبار الشعراء. ما هي الفائدة من ملتقى لا يسود فعالياته الانضباط والتقيد بالنواميس والقيم الواجب احترامها، حتى يكون القول الفصل من البداية الى النهاية للنظام والالتزام والاحترام المتبادل بين الجميع... الخ... الخ... الخ. لا بد من مراجعة جذرية وازاء هذه الوضعية الشائكة وأمام ضرورة المحافظة على هذا المكسب الثقافي الثمين، بتصحيح مساره، فلا بد من القيام بمراجعة جذرية عميقة وشاملة لاعادة بعث ملتقى الشعر التونسي الحديث ببنزرت من جديد على أسس ومنهجية جديدة وهذا ممكن. نعم ممكن اذا توفر شرط واحد، وهو أن يتخلى السيد المندوب الجهوي للثقافة والمحافظة على التراث عن العقلية الادارية المحنطة وعقلية التفرد بالعمل داخل مكتبه الاداري وأن يقتنع بأن الثقافة باعتبارها عمل فكري وحرية وابداع ترفض القيود الادارية بالنسبة لمسيرتها الابداعية وتقتضي وجوبا العمل الجماعي «وهذا ما نادى به وأكده المثقفون ببنزرت علانية، وفي أكثر من مرة». خاصة أن ولاية بنزرت يوجد بها نخبة كبيرة من المثقفين والمبدعين ومن الطاقات «التطوعية» النشيطة في الحقل الثقافي يمكنها أن تضطلع بدور كبير وفاعل في هذا المجال اذا دعيت لذلك. بحيث أن بادرة من هذا القبيل كفيلة بأن تخلص هذا الملتقى من الشوائب التي علقت به وتبعث فيه روحا ونفسا جديدين يوجهانه صوب المسار السوي.