كثر الكلام هذه الايام عن ولادة «عراق جديد»... وذلك رغم ان الانتخابات التي شهدها العراق لم تأت في كتب الاولين ولا الاخرين... فهي انتخابات جرت كما تجري مقابلة في كرة القدم بدون حضور الجمهور... وفوق هذا فإن من تسللوا في بعض المدن الشيعية ومدن كردستان العراق صوتوا لاشباح في قوائم غير معروفة... اما المراقبون فقد طبقوا هذه المرّة وتأسيا بالصواريخ العابرة للقارات التي امطرت العراق ب «الحرية والديمقراطية» اصول مراقبة فريدة في التاريخ... وهي «المراقبة العابرة للدول»... بحيث قبع المراقبون في مكاتب مريحة في العاصمة الاردنية عمان ليتابعوا فعاليات انتخابات جرت وسط الدم والدمار والتفجيرات... ليعطوها في الاخير شهادة في حسن السلوك والسيرة لتصبح انتخابات العراق انموذجا وجب تعميمه في «الشرق الاوسط الكبير». ومع احتراز الشعوب العربية بما فيها شعب العراق، بل اعتراضها على انتخابات تجري تحت حراب الاحتلال وتفضي الى «تشريع» وضعه بدليل ان الادارة الامريكية رفضت تحديد جدول زمني للانسحاب كما كانت توحي بذلك، فإن تسمية العراق ما بعد الثلاثين من جانفي الماضي ب «العراق الجديد» لا تجانب الصواب كثيرا رغم ما فيها من تجن ومن استفزاز لكل الشرفاء من مراكش الى البحرين. ذلك ان ما يجري منذ بدايات الغزو والاحتلال كان يوحي بولادة «عراق جديد»... عراق نشأ في رحم الاحتلال ورضع حليبه المغشوش ليأتي كائنا عجيبا يستحق فعلا صفة «الجديد»... ويصبح نموذجا لتمرير الاحتلال في قالب «تحرير»... ولتصوير انتخابات تجري تحت حراب المحتل على انها انظف انتخابات واكثرها ديمقراطية وشفافية... وانها تصلح نموذجا يحتذى. واذا كان مطلوبا أن نستوي على رؤوسنا لندرك طبيعة المنطق المقلوب الذي يسوس العالم ويحدد «المفاهيم الجديدة»، فإننا وقتها سوف نرى الاحتلال تحريرا وسوف نشرب حليب الديمقراطية من حمم القنابل والصواريخ... وحين نشرب حد الثمالة سنرى فعلا «عراقا جديدا» غير العراق الذي عرفناه... فقط وجب علينا ان نتحول الى بهلوانات تجيد السير على اليدين... لنتأقلم مع هذا المنطق الجديد الذي يصور الاحتلال تحريرا ويجعل شارون رجل سلام ويجعل المقاومين من اجل الحرية «ارهابيين»... وهو بالضبط المنطق الذي يستند اليه المروجون ل «عراق جديد»... لا يعرفه شرفاء العراق والأمة والانسانية جمعاء.