تونس سبقت دولا غربية متقدمة في الغاء الرّق والميز العنصري... وتونس عهد الأمان التي منحت الأقليات حقوقهم... تونس كانت سبّاقة في وضع دستور قبل الدول المتقدمة... تونس سبقت دولا غربية في تمكين المرأة من التصويت... هذه هي تونس التاريخ... وهذا بعض من مساهمتها في الإرث الحضاري الإنساني... منذ قرطاج حيث كان حكماء منارة المتوسط يحلون شؤون العالم في مجلس شيوخ مهيب... وتونس المنارة الإسلامية التي أشعت غربا وشمالا باتجاه أوروبا... إسلام المعرفة والعلوم وقيم التسامح... وتونس الحديثة التي اختزلت الزمن وسبقت العصر ولم تنتظر الإعصار لتشرع في التغيير. قد تسألوني ما المناسبة للحديث في هذا! ليس عندي جواب... احسبوها مجرد صدفة... هكذا. كان المتوسط في قديم الزمان صرة المتوسط، وكان ماء المتوسط يختلط أحيانا بدماء الغازين والمقاومين للغزو... لم تكن فيه حيتان كبيرة ولكن كان فيه سمك القرش الآدميين وهم القراصنة... وعبر المتوسط جاء الاحتلال... غزو الشمال للجنوب بعساكره ومعمرّيه الاستيطانيين ومبشريه... ثم كانت حرب التحرير ببطولاتها ومآسيها وبعدها بدأت إعادة تأهيل المتوسط ليتحول الحوض إلى واحة سلام وجسر تعاون... ولأن الصراعات الدولية تحولت إلى مناطق أخرى في الكرة الأرضية فإن المتوسط صار البحر الوحيد من بين البحور والمحيطات الذي لا يشهد ضغطا أو نقطة تماس أو مجمّعا لقوى متعادية... تعبر منه السفن الحربية والأساطيل لكنها لا تشعل النار على شاطئيه... حتى التحديات التي تواجهها الضفة الشمالية هي نفسها التي تواجه ضفته الجنوبية وصار كل منهما عمقا استراتيجيا للآخر... وزالت فكرة «المطمورة» التي تعني الاستفادة باتجاه واحد... هناك شراكة... هناك ندية... هناك تكامل... هناك فهم أعمق لحضارة الآخر واحترام أكبر إذا تباينت المقاربات وما يحدث الآن في الشرق الأوسط أو العراق يؤلمنا في حين أن شركاءنا يحسبون بالأرقام... ومتى فقدت القضايا وجهها الانساني ضيع المتوسط هويته التي نريدها ونحبها... ونحن نريده كما كان دوما منبع الحكمة ومنارة الفكر الانساني ولو كان ذلك بملاحظة متوسط جدا....