اذا تأكد أن قوات الاحتلال استعملت «الكيمياوي» للقبض على صدام واستعملته لشل حركته وإظهاره مستسلما مشدوها غائبا فان هذا لا يثير الاستغراب... لأن من قام بمائة وعشرة آلاف غارة جوية وردم العراق بأكثر من خمسة وثمانين ألف طن من القنابل واستعمل القذائف المشبعة باليورانيوم المشع والقنابل العنقودية لن يتردد في استعمال كل الأساليب بما فيها الكذب لتبرير عدوانه وتحقيق استراتيجيته في المنطقة وما العراق الا مقدمة لهذه الاستراتيجية... هذه هي المرة الثالثة التي «يقتل» فيها صدام حسين على أيدي قوات الاحتلال... الاولى كانت عندما سقطت بغداد فجأة وقيل ان الرجل انتهى. والثانية عندما اسقطوا التمثال في ساحة الفردوس باخراج هوليودي فاضح. والثالثة عندما اطلقوا على رأسه «صورة الرحمة» لدى اعتقاله والبحث عن القمل في رأسه. ولكن يبدو ان الرجل صنعوا منه اسطورة «بسبعة أرواح»... لقد تجمعت كل القدرات السينمائية والاستخباراتية والدعائية والمختصة في الحرب النفسية لقتل صدام معنويا... ولكن هذا ليس بالأمر اليسير لان القتل المعنوي يستوجب قتل الرمز واجتثاث المخيال من كل مواطن عربي رأى فيه عنوانا للوطنية ورفض الهيمنة والصهيونية... ومادامت حرب امريكا على العراق غير شرعية (في القانون الدولي) ومادامت اسباب الحرب (سلاح الدمار الشامل) واهية وكاذبة فان الشعور بالظلم يضيف هالة للرّمز ويغسله حتى من ذنوبه السابقة... وهنا ارتكب الامريكان خطأ فادحا لما أساؤوا قراءة المخيال العربي وتقاليده الموروثة... لم يتعلموا الدرس عندما عرضوا جسدين مشوهين لابني صدام حتى يشبعوا نهم الانتقام والكبر وانقلبت الصورة عليهم لان التقاليد تمنع التنكيل ولو كان القتيل عدوّا لدودا... وأعادوا الكرة مع الرئيس صدام حسين واعادنا بول بريمر حاكم بغداد المحتلة الى زمن ليس بعيد في امريكا حتى خلت انه سيعلق حبلا في شجرة وينادي الناس ليتفرجوا على حفلة شنق المارق على القانون... ليست هذه عقلية من يريد ان يسود العالم انها عقلية الغريزة والغوغاء واذا انزلق السياسيون في هذه الحفرة فلا تسألوا عن الارهاب... ما أقرب روما الامبراطورية الى امبراطورية العصر الحديث... احرار وعبيد متحضرون وبربر... شرفاء وهمج... واستعراض للمقاومين في اقفاص من حديد... شيئا فشيئا ستهدأ النفوس وستأتي احداث تطرد حكاية صدام من الصفحات الاولى وهو ما لا ترغب فيه الادارة الامريكية ولكن حتما ستنتهي مأدبة الضباع ليواجه العرب مصيرهم الحقيقي اذا تمادوا في هذه الغيبوبة... فلسطين... سوريا... السعودية... ليبيا... وغيرها كلها عناوين تحت المجهر... هل اكتشف العرب أخيرا ان «السبّ» و»الشّتم» لا يحل القضايا... وأن الشعوب وحدها قادرة على حماية سيادتها وقادتها وتاريخها ومستقبلها... وقتها فقط تموت الضباع لانها لا تجد مأدبة تقتات منها...