ينتابني أحيانا شعور بالذنب تجاه القراء من فرط تقليب المواجع وتحريك الهواجس ونبش الجراح.. حتى أني أكاد اشتم رائحة شواء الأعصاب...أقلّب الصحف بالطول والعرض ولا أجد غير العناوين التي توجع القلب... هذه الأمة تتلحّف بالغم ولا تلبس السواد.. ولا تعلن الحداد ولا تقبل حتى مجرّد العزاء... اشتمّوا رائحة شواء.. شواء الأعصاب... عناوين.. عناوين... هل يعني «التعبير» افراز العبرات.. دمار وقتل في فلسطين... احتلال وقصف ومداهمات في الرافدين.. قمة مغاربية تؤجل الى حين والحين يمتد من دقيقة الى أربعين سنة... تهديد لسوريا وتفتيت للسودان.. ابتزاز لليبيا واتهام للسعودية.. والعربي المسلم مشبوه في كل مطارات الدنيا... عناوين مثل الزّفت ولكنها لا تصلح حتى لتبليط الطرقات.. هل لي بوكالة لا تبث الا الأخبار السعيدة حتى نروّح عن أنفسنا ونستعمل الخبر السعيد كفاصل قصير ثم نعود إثره الى برامجنا الحزينة... ومن أين يأتي الفرح؟ من عدد الأميين في هذه الأمة.. من أرقام الاقتصاد التي تقول إننا نسير بخطى ثابتة وحثيثة.. نحو الفقر رغم الثروات الكبيرة التي ينام عليها العرب... هل يأتي الفرح من رقم السجون أم من رقم المساجين... هل يأتي من حجم البطالة وهروب الأدمغة الى الشمال البارد؟ هل يأتي من حجم الديون أم من حجم الفضائيات التي تبث ثقافة «هزّ الوسط»... هل يأتي الفرح مع الخونة الذين يغادرون بلادهم بالطائرة ويعودون اليها بالدبابة... هل يأتي من مبشرين يقولون إنهم من أصل عربي والواقع أنهم بلا أصل أصلا.. هل يأتي من حدود تسمح بعبور البقر ولا تسمح بعبور البشر... هل يأتي من دول صديقة كانت قبل قليل استعمارية ثم استبدلت الاستعمار بالاستثمار وها هي باسم العولمة تطلب حصّتها من السوق والبيدر والدار... عناوين عناوين.. أقلب الصحف لأجد خبرا سعيدا.. خبرا واحدا أتناوله في بطاقتي... وأخيرا حصلت على الخبر.. شد عندك: الأردن يحقق رقما قياسيا عالميا في صناعة أكبر علبة مناديل ورقية (كلينكس) في العالم حسب كتاب «غينيس» للأرقام القياسية لعام 2004...» كيف لا.. فبعد كل هذه المآسي التي سردتها لا بد للعرب من هذا الاختراع العظيم ليمسحوا دموعهم... وكل «كلينكس» وأنتم بخير.