*حلقات يكتبها: عبد الرؤوف المقدمي يحتاج مريض الحب الى نقاهة،كما وقفنا عند ذلك في حلقة الامس، يحتاج الى القدرة ثانية على زجر نفسه، وعلى حب المعاني كاستلطاف مظاهر الطبيعة، خصوصا انه اصيب خلال رحلته الشاقة بمرض جمود الضمير. لن هذه المرحلة بدورها خطيرة. وأخطر ما في هذه المرحلة، هو الشعور احيانا بالفراغ الرهيب الذي يداهمه بلا استئذان. وقتها يتخذ قرارا بملء ذلك الفراغ بشيء آخر وليس بالمعشوق. ويجب عليه تذكّر ما عانى من اجله، وما يمكن ان يعانيه لو ترك ذلك الفراغ يخدعه. كما يجب عليه تصوّر حب جديد سيقدم لا محالة لحياته فيملؤها بهجة وراحة واستقرارا. إن هذا التصوّر سيملأ الواحد اساسا بالحرية، والانطلاق والنشاط، ولعلّه شعر كم أنه قوي، عندما تجاوز تجربة كبيرة، وتعدّى محنة لا يقدر عليها غيره. كما سيعيد له حبّه لذاته، وتقبّله لها، وسيمكّنه من التعامل العادي مع الاخرين. إن العلاج، هو عمليّة مصالحة مع الذات بالاساس، الذات القادرة المبدعة، المميّزة بين الاشياء. هو عودة لممارسة الحياة بمسؤولية، وبقدرة، وبتوازن، واعتدال، وعملية لضبط النفس واستعمال البصيرة. ولعلّه وقتها فقط يشعّ نور الحب الصافي من جديد، فيصبح الحب هو ذلك الملاك المقدّس، الذي يغذّي الناس نضرة وسرورا، ويحميهم باجنحته الدافئة الحنونة، ويلفّهم بالسعادة والهناء والأمان. ولم يكن الشاعر يبالغ عندما قرّر كل ذلك، موجّها كلامه لحبيبه: أأنت الذي يا حبيبي، نقلت لزرق العصافير أخبارنا؟ فجاءت جموعا، جموعا تدق مناقيرها الحمر شباكنا! وتغرق مضجعنا زقزقات، وتغمر بالقشّ أبوابنا! ومن أخبر النحل عن دارنا فجاء يقاسمنا دارنا؟ وهل قلت للورد حتى تدلّى، يزركش بالنور جدراننا؟ ومن قص قصّتنا للفراش، فراح يلاحق اثارنا؟ سيفضحنا يا حبيبي العبير، فقد عرف الطيب ميعادنا. إن الحب يظل دائما، حقيقة أزلية خالدة. فالحب هو الخير في أجلى معانيه. والخير هو الله رغم أنه خلق الشر. وقد أراد بحكمته أن تحمل الحياة هذا وذاك، وأن يذوق الانسان من هذا ومن ذاك. عساه يختار في الاخير وتأنس نفسه للجمال المطلق، وللخير المطلق. ولم يحرّم الله على الانسان ان يخطأ، ولم يمنعه ان يجرّب. لكن حرّم عليه، أن يظل على اخطائه، فيدمّر نفسه العزيزة، التي نفخ فيها القدّوس من روحه. هكذا أراد الله، وهكذا سيتواصل الوجود الى حين. فليكن الحب الصافي زاد الوصول، وراحلة الرحلة فإن الشيء الوحيد الذي اذا احببته لم تستطع خيانته هو الله... لأنك ما احببته الا بحبه لك... ولأنه عندما احبك فقد عصمك من غيره... وجعلك له وحده... وأذاقك ما لم يستطع أي بشر أن يُذيقك إياه... إن الشيء الوحيد الذي إذا أحببته لم تستطع خيانته هو الله... لأنه ببساطة هو خالق الحب، وهو المطّلع الوحيد على كل أسراره وفنونه... ويالها من اسرار ويالها من فنون!