بين الهند وباكستان حربان مدمرتان.. وبينهما معضلة سببها الخلاف حول اقليم كشمير.. وهي معضلة ظلت ولعقود طويلة تغذي الضغائن والأحقاد وتضع البلدين النوويين في حالة حرب غير معلنة.. حرب تخلف القتلى والجرحى ودمارا كثيرا وتستنزف من قدرات وامكانات البلدين الشيء الكثير.. وعديدة هي المناسبات التي كاد فيها صراع المصالح والنفوذ وحرب الارادات بين الطرفين أن يتحول إلى مواجهة شاملة وصلت حدّ التهديد النووي.. مع ما يمكن أن يحدثه صراع من هذا القبيل من دمار بالطرفين. ورغم هذا الصراع الذي يعتبره الكثيرون في الشقين صراع وجود وليس مجرد صراع حدود، ورغم احقاد الماضي ودماء وجراحات الحاضر، فإن الطرفين ظلا متمسكين بذلك الخيط الرفيع الذي حال حتى الآن دون حدوث المحظور.. كما ان الطرفين ظلا على الدوام يختصمان، ويقتتلان بالوكالة، لكنهما يحرصان من فترة إلى أخرى على الالتقاء.. حتى وان لم يمرّ التيار، وحتى ان لم ينجحا حتى الآن في ايجاد حل نهائي لمعضلة كشمير يتيح لهما التفرغ إلى أمور أخرى تعد حيوية للشعبين وفي طليعتها توظيف كل الموارد والامكانات لصنع التنمية ولتأمين مستقبل زاهر للشعبين الهندي والباكستاني. وهذا لعمري كان درسا أولا بليغا إلى كل دول المعمورة وإلى الدول العربية خاصة.. لكنه لم يكن الدرس الوحيد.. حيث حرص الطرفان وبمناسبة قمة دول جنوب آسيا على اعطاء المجموعة الدولية درسا ثانيا.. تمثل في ذلك اللقاء المباشر بين الرئيس الباكستاني ورئيس الوزراء الهندي.. ذلك اللقاء الذي جعل المجتمع الدولي يتنفس الصعداء ويأمل في أن ينجح في كسر الحاجز النفسي وفي ايجاد أرضية ملائمة لحوار عميق وبناء يفضي إلى فتح كل الملفات وإلى حلّ كل الاشكالات والقضايا العالقة.. والأكيد ان لقاء دام 65 دقيقة لن يفلح في حل مشاكل تراكمت على مدى عشرات السنين.. لكنه سوف يسمح بالتأكيد ببروز روح جديدة يمكن ان تذهب بالبلدين بعيدا على درب طي صفحات الماضي متى توفرت الارادة الصادقة والوعي الحقيقي بالتحولات العالمية.. وما تتطلبه المصلحة الوطنية والاقليمية من إدراك حقيقي لحدودها وأبعادها ومن المام بضروراتها. وبالتأكيد فإن الهند والباكستان وبقطع النظر عن الضغوط التي قد تكون مورست عليهما من هذا الطرف أو ذاك باتجاه التهدئة، ادركا في اللحظة التاريخية المناسبة أن حاضر شعبيهما ومستقبلهما في ضوء الرياح الدولية والاستحقاقات التي باتت تقرع بالحاح على أبواب المنطقة لم تعد تسمح لهما بالتمادي في صراع يستنزف قدراتهما ويلهيهما عن معركتهما الحقيقية.. الهند وباكستان أدركتا انه من العبثي رهن المستقبل أو تدميره بسبب أزمة هي بالتأكيد من الماضي وزرعت خصيصا لاستنزافهما ودفعهما في صراع نحو التسلح يأكل امكانات جبارة كان بالامكان توظيفها لصنع التنمية ولبناء اقتصادات قوية.. كما أدركتا أنه سوف يكون من قبيل الانتحار التمادي في التنافس والتصارع والعالم يعيد التشكل من حولهما.. كما ان هذا الصراع يحكم على فرص إقامة تجمع اقتصادي وفضاء للتجارة الحرة بالفشل والاجهاض وبالتالي يحكم على دول تجمع جنوب آسيا بالبقاء على الهامش. ما يعنينا نحن العرب من هذه الدروس الباكستانية الهندية هو قدرة هذين البلدين رغم الحروب الدامية ورغم الاحقاد وما بنته من حواجز نفسية بينهما على الارتفاع إلى مستوى التحدي.. متسلحين بقدرة فائقة على التمسك بالثوابت وفي نفس الوقت على ابداء المرونة اللازمة والتسلح بالبراغماتية المطلوبة التي تجعل قيادتي البلدين تلتقيان على الدوام وتحضران القمم الاقليمية والدولية.. وتتصافحان وتفتحان كل الملفات بما يساعد على تجاوز خلافات الماضي والتأسيس لالتقاط فرص المستقبل. فلماذا لا نتسلح نحن في الاتحاد المغاربي مثلا بهذه الروح الايجابية البناءة؟.. ولماذا تكبلنا خلافات وتشلنا صراعات لا تكاد تذكر إذا ما قورنت بحجم الخلافات والصراعات والأحقاد الموجودة بين الهند وباكستان؟ ولماذا تنجح قيادتا الهند وباكستان وبينهما ما بينهما في الارتفاع إلى مستوى التحدي في حين تغرق بلدان مغاربية في صراعات تمنع عقد القمة المغاربية منذ سنوات؟ وكيف تدرك الهند وباكستان أن الصراع الثنائي مهما كبر يبقى ثانويا أمام استحقاقات الاقليم وأمام متطلبات المستقبل فيما ننحر نحن المستقبل على عتبات الماضي؟ لقد فرحنا كثيرا لذلك اللقاء التاريخي بين مشرف وفاجبايي لأنه يؤسس لمرحلة بين البلدين وبين دول جنوب آسيا.. لكننا نتألم لما يصيب اتحادنا المغاربي من شلل لا أحد يستفيد منه بالتأكيد.. شلل يفوت علينا جميعا فرصا قد لا تتكرر للاندماج والانصهار في فضاء واحد وتأمين مكانة لائقة لشعوبنا في عالم الغد.. الذي لم يعد يعترف بالكيانات الصغيرة المشتتة.. ولم يعد يرحم دولا تصرّ على الغياب والتقوقع في زمن الحضور الفاعل. انه درس آخر قادم من جنوب آسيا.. درس كم نتمنى أن تهبّ رياحه على شمال افريقيا.. فتعيد الروح للاتحاد المغاربي وتضعنا على سكة تدارك ما فات.. وهو كثير وكثير جدا.