إلى عبد الرزاق نزار في موته: المأساة ليست في أنهم يسرقون أشياءك الصغيرة بالحياة. المأساة أنهم يسرقون موتك أيضا. وبرغم أن موتك كان بسيطا، تماما مثلما كنت في الأيام التي ذرعت فيها الحياة بالقدر البسيط الذي استطعته، برغم كل هذه البساطة، فإنهم كانوا الأسرع في إنشاب مخالبهم كضباع شرهة، كانوا الأسرع في دلق دموعهم مثلما يتقيأ السكران وجبته الدسمة. لم أكن لك بصديق، ولم نتشابه إلا بالقدر الذي كنا فيه خارج المؤسسة الثقافية، أنت بصيغة المهزوم في معركة لم تكن تملك المخالب الضرورية لها، بينما كنت أمد خطايا في أرض أخرى. نفس هذا المسؤول الثقافي الذي لايزال يتدرب على قوالب النعي «الشعرية» الجاهزة هو نفسه الذي التقيته ذات موسم ثقافي اسمه مهرجان محمد البقلوطي كان ذلك في دار الثقافة باب البحر. قدّم لي استدعاء شخصيا للمهرجان (كتبه بالمناسبة وبسرعته واتقانه المعهودين) ثم قال لي بالحرف الواحد «تشوفش عبد الرزاق.. وصلوها لاستدعاء»...! (كتبه بالمناسبة وبنفس السرعة والاتقان المعهودين). أذكر أيضا اليوم الذي قدّمت فيه إصدارك الثاني في نادي الشعر (بعد أن يئست من وعودهم بتقديمك في منابر أكثر شهرة...) وأذكر جيدا أن هذا السيد المسؤول الثقافي بامتياز، والشاعر لم يكلف نفسه عناء الحضور. كيف لي أن أصدّق بعد ذلك أنه كان الثالث في صحبتكم المزعومة: أنت، هو، ومحمد البقلوطي أو الأسطورة الضرورية لمؤسسة ثقافية كانت في طور النشوء. أستطيع أن أجزم ان هؤلاء النائحين المحترفين لم تكن لهم صلة شخصية بك منذ أعوام. بل إنك قد صرت هامشيا، رغما عنك، ولعل هذا هو الشيء الوحيد الذي جمعنا، كلّ برهاناته الخاصة: أنت في أثر مجد ثقافي ضائع، بكل مكبلاتك الشخصية منها والصحية. وأنا في مواجهة مشروع لم يبدأ بعد، بكل عاهاتي القديمة منها والمستحدثة. أنا لا أبرّئك من مدّعيك، ذلك أنك ظللت، قبل أن يذهب بك المرض بعيدا، تحاول الاتكاء على عروشهم الأكاديمية للنهوض وكانوا كعادتهم لا يفلتون فرصة استثمار واحدة حتى وإن كانت هزيلة من نوع «حكايات دار ديجا» (1)... أنت تقايض بكل شيء (أصدقاءك خاصة (2)) مقابل اعتراف جامعي لم يأت، وهم يقايضون بالكليشهات النقدية وتكديس ركام المصطلحات بفجاجة غير مسبوقة مقابل إبداع هارب دائما. الآن وقد صرت، فجأة، وبلا مفتحات «سيد الكلمات». أيقنت للمرة الأخيرة أن كل شيء قابل للسرقة، لذلك، ونحن في عصر الحروب الاستباقية، رأيت أن أقدم احترازا (لعلّة قابل للسرقة هو أيضا (3)) ضد كل ما من شأنه أن يجعل موتي القادم غنيمة لهؤلاء: إنني المسمى محمد الزواوي صاحب بعض القصائد المنشورة هنا وهناك وبعض النثر، والقليل من الأصدقاء، أعلن أنني ما كنت ولست بكائن ولن أكون صديقا لأحد من هؤلاء المسؤولين الثقافيين الدائمي العضوية... وذلك تكذيبا لما سيزعمونه في المستقبل... كما أنني اعتزم بحول اللّه أن لا «أهدي حياتي» لشيء أو أحد ما عدى كلّ تلك القيم البالية من نوع: شرف، عزة، كرامة، صدق... الخ. في الأخير دمت في سلام، ولتهدأ روحك يا أخي، يكفيك أنك، كيفما كنت، فأنت لا محالة مجلبة للطمع..! الهوامش: 1) مجموعة سردية أصدرها عبد الرزاق وذيلها أهم أساتذة صفاقس بملاحظاتهم الأكثر مجاملة: الأكثر نفاقا 2) المقطع الوحيد الذي يمكن تصنيفه ضمن دائرة الأدب في «حكايات دارديجا» هو ذاك الذي وجه فيه عبد الرزاق خنجره نحو صديقه الحقيقي، وربما الوحيد: يوسف خديم الله 3) تناص مضمر لمن يهمه الأمر كثيرا