قد تختلف معه الى حد يجعلك ويجعله على طرفي نقيض من الموقف او من الحدث... وقد تأخذك قصته مع السياسة والديبلوماسية الى حد اصدار أحكام مضمرة في حقه، عندما تتفطن بعد زمن ان ذاك «الفعل» السياسي الذي اتاه، انما هو فعل مخطط له ومبرمج وليس فعلا عفويا او هو وليد لحظة... لكن ما لا يمكن ان تتوقعه من الرجل هو انه متشبث بالموقف الذي يكون اخذه في ردهة ما من هذا الزمن العربي... فهو لا يتراجع حتى وان بيّنت النتائج ان فعله السياسي الذي اتاه يصنّف في الباب الخطأ.. الدكتور عصمت عبد المجيد، صاحب فكرة الديبلوماسية الهادئة في نظر البعض وصاحب فكرة التحاور وربما التطبيع مع اسرائىل بالنسبة للبعض الآخر... الامين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، د. عصمت عبد المجيد والذي قد يبدو للبعض انه من اصحاب الرأي القائل بمسك العصا من الوسط، هو اليوم رئىس لجمعية المحكمين العرب والأفارقة، له مكتب في القاهرة وعلاقات عربية ودولية تفوق بكثير علاقات رجل قانون عادي او سياسي تقلّد مناصب متعددة وغادرها نحو التقاعد... في هذا اللقاء «حديث الأحد» ومشاغل الأمة ومشاكلها في اطراد، ما عسى ان يقول د. عصمت عبد المجيد عن وضع خبره كأمين عام لجامعة الدول العربية في شموليته وخبره كمفاوض مصري مع البريطانيين في بداية الخمسينات ومع الاسرائىليين في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات..كيف يتصوّر المشهد العربي في تحدياته وتداعياته في ذهن هذا الرجل الذي خبر الاوروبيين جيدا ونهل من القانون علما بفرنسا، وترأس لجنة ادخال اللغة العربية الى الاممالمتحدة كلغة رسمية سنة 74 ..؟ تحدّث الدكتور عصمت عبد المجيد طوال اللقاء، وكان لي ان اصنّف المتحدث من خلال كلامه فقرة بفقرة، استنادا الى سيرته الذاتية الغنية بالعلاقات والتوجهات.. في البداية قلت لمحدثي وفي ذهني صورة الأمين العام لجامعة الدول العربية، الخطة التي شغلها في توقيت عربي لا يفرح عدوّا ولا يسرّ صديقا... قلت له: ان الوضع العربي على ما هو عليه الآن، لا يحتمل الحديث عن المصالحة والمصارحة التي طالما تلهّى بها النظام العربي الرسمي، والأعداء يخططون ما توصلوا الى تنفيذه اليوم: بلد عربي جديد يسلب من السيادة ويدخل تحت نيّر الاستعمار... فما تقييمك حضرة الامين العام؟ قال د. عصمت عبد المجيد دون تردد، «اننا نواجه اليوم تحديات حقيقية... الامة العربية تعيش منذ فترة حالة من التحديات المصيرية التي قد تهدد وجودها وتعمل على اقصاء دورها في صياغة وجه العالم الجديد وكل هذا يحتّم على الامة العربية اعادة تماسك صفوفها وتعزيز العمل العربي المشترك وتطويره وتوفير العوامل الموضوعية التي تساعد على تجاوز الخلافات الهامشية الصغيرة والانطلاق نحو بناء التضامن الحقيقي والفعّال الذي يتيح النهوض من كبوتها وامتلاك الوسائل تتسبب في تعرض امتنا لهذا المصير. ان الغرض في كل هذا يجب ان يكون الدفع نحو صحوة قومية شاملة تقي الامة العربية من الاخطار وتحفز على وضع سياسة استراتيجية متكاملة حتى يتم التعامل مع القضايا المحيطة وفي مقدمتها المخططات التي «ينفثها» شارون... فليس هناك شك في ان شارون استفاد من الاجواء التي سادت وتبعت أحداث 11 سبتمبر 2001 وقد استفاد شارون ايضا من الهجمة الامريكية الشرسة على افغانستان والعراق وذلك بالادعاء بمكافحة الارهاب واستغل الوضع والمشهد والخطاب المستجد، لينقضّ على الانتفاضة ومحاولة تصفيتها من اجل القضاء نهائيا على آمال الشعب العربي والفلسطيني وتطلعاته للحرية والاستقلال والخلاص من الاحتلال. نحن امام صراع لا نعلم متى ينتهي لأننا لا نعلم كعرب، لماذا بدأ اصلا... لا نعلم من الضحية غدا... فشارون يشنّ حربا ضد الفلسطينيين العزل بحماية امريكية دون ان يخشى اي ردّ فعل دولي ودون ان يقيم وزنا للقرارات الدولية. انطلاقا من توضيحاتك التي قدّمت الآن، يحدث ان يجد العرب انفسهم متهمين بعد ان كانوا اصحاب حق ولم يعوا معنى ان تكون صاحب حق في زمن تبطل فيه الحقوق وتعطل فيه الشرعية... فها ان العرب اليوم «ارهابيون» الى ان يثبتوا هم عكس ذلك. فهل هذا ايضا وضع خارج عن مسؤولية العرب؟ كما اسلفت في الاول، نحن نواجه اليوم تحديات حقيقية نحن ضد الارهاب ولكن نطالب بالآن نفسه، القيادات العربية بالمضي قدما نحو احترام حقوق الانسان والديمقراطية. ولو رجعنا الى تاريخنا وما عشناه لكنا ربما اعدنا النظر في الكثير من القرارات التي اتخذنا... لكن من جهتي اقول مجددا: انه لا يصحّ الا الصحيح... لكن اقول هنا واشدد وحتى نتجاوز هذه النقطة ان كل احتلال مرفوض، وهذا مبدأ عام انطلق منه في قراءتي للواقع المعاش عربيا ودوليا... لقد عانينا طويلا من صنوف احتلالات ما انزل بها الله من سلطان... سواء كان فرنسيا عندكم او انقليزيا عندنا... وقد انتهى الاحتلال بثمن باهظ وكان لنا النصر في الاخير... ولكن نودّ ان نعيد فتح الصفحة التي طويناها من اجل ان نتجاوز ونتقدّم خطوات الى الأمام. لكن علينا ان نقرّ وهذا رأيي الخاص طبعا، بأن الفترة الحالية من حياة الأمة هي الاسوأ مقارنة بكل الفترات السابقة لأننا مكنا العدو من خلال ضعفنا بأن يكون قويا. لكن رغم هذا فالامل مازال قائما. المتتبع للتشخيص الذي ذكرته الآن، لا يقول ان د.عصمت عبد المجيد مازال مؤمنا بأهداف ومخططات وتداعيات مفاوضات «كامب دايفد» التي تعدّ انت احد كبار مهندسيها؟ قلت منذ قليل انه لا يصحّ الا الصحيح، وباعتقادي فإن مفاوضات «كامب دايفد» تدخل في باب «الصحيح» اقول هذا، وفي ذهني الاقلام التي ثارت ولاتزال ضد «كامب دايفد» لكن رغم هذا مازالت مؤمنا ان «كامب دايفد» كمفاوضات، تدخل تحت باب «لا يصحّ الا الصحيح»... اما بالنسبة للوضع الحالي فقلت انه الاسوأ ان تاريخ الأمة، لكني رغم هذا لم افقد الامل ولا القناعة ابدا في امكانياتنا بأن ننهض وان نتحمّل مسؤولياتنا في النهوض. فأمتنا تمتلك عناصر هامة ومقوّمات كبرى للنهوض.. .فلأمة عناصر قوة يمكن استنهاضها منها او استدعاؤها قصد النهوض، ومنها الحضارة العربية التي تجاوزت في وقت معين فضاء البحر الابيض المتوسط ووصلت الى اوروبا وكافة اصقاع العالم. ولو استطعنا ان نواجه هذه التحديات بشكل فيه مكاشفة وصراحة لسوف نستطيع تحقيق النهوض المنشود. عندما وصل محدثي الى نقطة التوسع الحضاري والانتشار الحضاري العربي الذي تجاوز البحر الابيض المتوسط، وكان في ذهنه الأندلس اسبانيا، توقف عند تونس ليكشف الرجل تقاسمه مع بعض المثقفين السياسيين التونسيين بعضا من الآراء والأفكار، التي ربما كانت تبعده شيئا ما من دائرة الفعل الناصري زمن الخمسينات والستينات رغم ان الرجل كلف من قبل النظام الناصري بأن يكون رئيسا للهيئة العامة للاستعلامات ومتحدثا رسميا باسم الحكومة المصرية بدرجة نائب وزير سنة 1969 . عند هذه النقطة، قال محدثي انني اعتزّ بلقاءاتي بالرئىس زين العابدين بن علي واعتزّ بتونس حكومة وشعبا ولدي في الخضراء الكثير من الاصدقاء.. وكشف الرجل النقاب، عن انه استطاع مع الطرف التونسي وبفضل الديبلوماسية الهادئة ان يعالج الكثير من القضايا العربية... الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، ولما تحدّث عن التاريخ الحديث للمنطقة المغاربية، ربط أحداث التحرر الوطني بوجوده في فرنسا لنيل شهادة الدكتوراه في القانون اواخر النصف الاول من القرن الماضي، حين عرف بن بلاّ وبورقيبة ومحمد الخامس، سواء معرفة مباشرة او من خلال متابعة اخبار الاقطار الثلاثة زمن التحرر من الاستعمار.. الشيء بالشيء يذكر... ومن خلال مثل هذه العلاقات والعمل المشترك مع شخصيات في منتدى معيّن، يمكن للواحد ان يفهم بعض المحطات السياسية التي عرفتها المنطقة وكان لك باع فيها فمثلا عملت سفيرا للقاهرة في نيويورك بداية السبعينات وقد تزامن وجودك مع بوش الاب الذي كان ايضا يشغل لبلاده مثل منصبك... ثم بعد سنوات يعود د. عصمت عبد المجيد ويقود مفاوضات «كامب دايفد» و»طابا».. فهل يمكن القول انك صاحب «رأس الفتلة» «بداية الخيط» الذي اقحم مصر كلها في بوتقة كامب دايفد»؟ ضحك محدّثي، وقد تملكه بالتأكيد شعور مزدوج او متقاسم بين الاعتزاز وضدّه... فمفاوضات «كامب دايفد» لا يمكن اخذها في شقها الاقليمي الضيّق الخاص بمصر... فما كان يمكن تصوّر ان القضية الفلسطينية هي قضية شعب فلسطين بعيدة عن محيطها العربي، اذن بعد ابتسامة فيها من التاريخ ومن الحاضر ما يجعلها ابتسامة فيها تريث في الجواب قال محدثي: «نعم عملت سفيرا لبلدي في الاممالمتحدة من 1972 الى 1983 وكان بوش الاب بداية السبعينات سفيرا لواشنطن لدى الاممالمتحدة ايضا... كانت فترة ثرية جدا. وقد كان «كامب دايفد» كمسار وكفكرة، نتيجة «نضال» من 77 الى 78 ... لم يكن المشوار سهلا، ولا تأمين مفاوضات «كامب دايفد» اسهل... لكن بهذه المناسبة، لابدّ ان نكشف ان البيت الابيض والإدارة الامريكية عرفت سياسيين مرموقين لهم كلمتهم ولهم مواقفهم تجاه ما يحدث في الشرق الأوسط فمثلا جيمس بيكر وزير الخارجية الاسبق للولايات المتحدة كان يرفض ان يدخل «نتانياهو» مبنى وزارة الخارجية الامريكية طالما بيكر وزيرا فيها. وهذا يعني ان الديبلوماسية الامريكية بها رموز وأقطاب، ولها توجهات مختلفة ومتضاربة بل ومتناقضة في بعض الاحيان مع الاسرائىلي: ولأعود الى مسألة «كامب دايفد» اقول ان مهمتي لم تكن سهلة في المسألة. لقد تصرفت ولازلت بطريقة تميلها عليّ ضميري وقناعتي انطلاقا من الجوانب التي تربيت عليها.. فهناك من يتصوّر ان توخي الديبلوماسية الهادئة، هي ديبلوماسية مستسلمة وهذا غير صحيح بالمرة... فهناك اكثر من موقف تعرّضت له خلال مشواري الديبلوماسي سواء عندما كنت بالخارجية المصرية او بالجامعة العربية، وقد اتخذت خلالها مواقف حازمة وحاسمة، وانتصرت خلالها الفكرة التي توخيت... وهذه الديبلوماسية الهادئة، هي التي احرجت بها بيغين ذات مرة وبحضور الرئىس السادات، خلال المفاوضات... وأثناء انعقاد القمة الاقتصادية بالمغرب الأقصى سنة 1994 حول الشرق الأوسط اذكر انني دعيت من الملك الراحل الحسن الثاني، وفي كلمتي اوضحت موقف الجامعة العربية من الاوضاع السائدة في ذلك الوقت وحذرت من استمرار وضع العربة امام الحصان على نحو ما تفعله اسرائىل تجاه حقوق الشعب الفلسطيني وفي حفل عشاء ضيّق جدا دعا اليه الملك الحسن الثاني وشارك فيه عدد محدود من رؤساء الوفود، اقترب مني «شيمون بيريز» وبعد ان بادرني بالتحية سألني قائلا: «متى ستدخل اسرائيل جامعة الدول العربية؟» فقلت له: عندما تتكلم اسرائىل اللغة العربية فتجهّم وجهه وانصرف. لهذا اقول انني لم اندم على شيء فعلته بما فيه «كامب دايفد» محاورة الاسرائىليين على حقوقنا. الان لو نعود الى واقع الحال ونشخّص هذا الاحتلال الذي حلّ بالعراق ألا تعتقد ان الذي حصل للعراق يتجاوز الفعل وردّ الفعل العربي ليصل حدّ الكارثة؟ كان غزو العراق واحتلاله كارثة عربية اصابت الامة العربية في مقتل خاصة وإنها قضت تماما على كل مساعي المصالحة العربية التي بادرنا بها في مارس 1993 واجتزنا خلالها اشواطا كبيرة في تحقيقها من اجل طي صفحة الخلافات وإعادة العراق الى الشمل العربي ولكن احداث 11 سبتمبر قلبت الاوضاع رأسا على عقب وجعلت الولاياتالمتحدةالامريكية تضع في قائمة اولوياتها ضرورة التخلص من صدام حسين وللأسف الشديد كان الشعب العراقي هو الضحية. واعتقد ان الفترة القادمة ستشهد احداثا ساخنة فلن يسكت العراقيون على الاحتلال واعتقد ان الرئىس بوش متأكد انه تورط في مستنقع العراق ولذلك اعلن مؤخرا عن ضرورة نقل السلطة للعراقيين واعتقد ان هذا هو الحل الوحيد في الفترة الحالية وهي ان ينتهي الوجود العسكري الانقلو أمريكي من العراق وان تسرع واشنطن في تسليم العراقيين مقاليد السلطة وان يصبح للجامعة العربية والأمم المتحدة دور فعال في العراق وفي حالة استمرار الاحتلال فتستمر المقاومة وتتكبد القوات الامريكية خسائر فادحة واعتقد ان الرئىس الامريكي بوش يعتقد ان الفترة القادمة حرجة خاصة وان الانتخابات الامريكية على الابواب وهناك هجوم من قبل الديمقراطيين على الاسلوب الذي تتبعه إدارة بوش. ألست مع القول ان احتلال العراق اسقط ورقة التوت على الجامعة العربية وكافة التنظيمات والتحالفات العربية فقد دفع بها دفعا نحو العراء واللا فعل؟ اعرف بوجود عيوب كثيرة في التحالفات العربية القائمة الا ان تلك العيوب ليست بسبب طبيعة تلك التنظيمات والتحالفات فحسب بل بسبب انعدام الثقة وغياب المصارحة والشفافية في العلاقات العربية لذا اصبحت القمم العربية والتنظيمات العربية لا تسفر سوى عن توصيات ومناشدات لذا فالحل يكمن في انفسنا وفي تحسين النوايا وتعديل المواثيق العربية بما يحقق احلام الشعوب العربية وتطلعاتها.