عنْون الاستاذ عبد الحميد الرياحي افتتاحية «الشروق» ليوم 5 ديسمبر الماضي صبيحة انطلاق قمة 5 + 5 ب «شمس المتوسط... تشرق من تونس» ولا اجد افضل من هذا العنوان للحديث عن هذا الحدث المتوسطي الذي استقطب اهتماما دوليا كبيرا اعتبارا لخصوصية الظرف العالمي الذي انعقد فيه حيث تعددت بؤر التوتر والتهبت بقاع كثيرة.. وبالموازاة مع هذا الوضع المتوتر، برزت تونس الألفية الثالثة بالدعوة الى التئام شمل «الأسرة المتوسطية» وهي دعوة تنبع من الحرص الدائم لتونس على حوار الحضارات وخصوصا في هذا الحوض الدافئ ذي المميزات العديدة، وقد بادر سيادة الرئىس زين العابدين بن علي منذ سنة 1993 بالمناداة الى الاسراع في بناء حوار اوروبي متوسطي والانتقال به من مرحلة التشاور الى التنفيذ وذلك استشرافا من سيادته للواقع المغاير الذي ستصبح فيه اوروبا بالانضمام المنتظر لأعضاء جدد الى الاتحاد القاري القوي، ومن هنا سعى الرئيس بن علي الى التأسيس لتعاون ينبني على خصوصيات تستجيب للراهن فعمل في المقام الاول على تصحيح مفهوم هذا التعاون بين دول ضفتيْ المتوسط وذلك بتجميع الجهود شمالا وجنوبا في سبيل تصوّر وتجسيد شراكة فعلية ومتوازنة لا مجال فيها لشراكة قويّ وضعيف، وقد شجعه في سعيه الدؤوب هذا ما تشترك فيه دول الحوض من ارتباط تاريخي وحضاري واقتصادي مما يؤهلها لخوض مستقبل واحد يتوفر فيه الامن والاستقرار وتتشابك المصالح لتفرز مكاسب وافرة للجميع دون حيف او انفراد شقّ بجني الثمار على حساب الآخر، وهي صورة كانت بارزة العلامات في ازمان مضت. وانطلاقا من ان تونسقرطاج القديمة وتونسقرطاج اليوم هي بلد المحافظة على الاصالة والمراهنة على التفتح في الآن ذاته فقد جاء خطاب سيادة الرئىس زين العابدين بن علي في افتتاح قمة 5 + 5 في مستوى انتظارات شعوب المغرب العربي الكبير اذ دعا سيادته الى تنظيم الهجرة من الضفة الجنوبية الى الاخرى الشمالية بما يستجيب للمصالح المتبادلة، وشدد كذلك على ضرورة تحديد حقوق وواجبات الجاليات المغاربية في اوروبا، وهاتان النقطتان تؤكدان الوعي العميق للرئىس بن علي بالمشاغل الحالية للجاليات وتفكيره المجدي في الحلول الطلوبة حتى يعود ذلك المستوى المرموق من التعاون الذي كان سمة مشرقة بين دول المتوسط إبان قرطاج القديمة ولاشك ان انبثاق «عهد قرطاج للتسامح» سنة 1995 هو بمثابة تجديد اللقاء مع التاريخ والعمل بصدق من اجل تحقيق اهداف سامية أخرى يأتي في طليعتها ترسيخ ثقافة التسامح والتآخي بين البشر وهو ما تجلى بوضوح منذ انبلاج فجر التحول في تونس حيث كان بيان السابع من نوفمبر نابذا للحقد والبغضاء وموجها الى التسامح وهذا ما صارت عليه تونس العهد الجديد في تناولها لسياستها الخارجية ايضا حيث تركّزت هذه السياسة على نبذ العنف ومحاربة الارهاب، اما البديل فهو: التسامح. وفي هذا السياق تعرّض خطاب الرئىس بن علي يوم 5 ديسمبر الماضي الى الخلط في العلاقة بين الدين والارهاب فدحض هذا الادعاء المشين ونادى بتحبير مدوّنة سلوك دولية باشراف اممي لمكافحة الارهاب، وفي ذلك تنقية لعلاقات دول الحوض المتوسطي فيما بينها لان الشكوك سيطرت كثيرا بعد تنامي هذه الظاهرة الخطيرة واضحت الريبة طاغية في العلاقات الثنائية بين دول شمال المتوسط ودول جنوبه، وقد وضع سيادته الإصبع على مكمن الداء الذي عطّل التعاون المشترك طويلا ودحرج الثقة المتبادلة، وبالانتباه الى وجوب القضاء على داء الارهاب واسبابه تشرع الشعوب المتوسطية وخصوصا المعنية بقمة 5+5 في التعاون البنّاء والتضامن الضروري اللذين يشكلان خيار هذه الشعوب الوحيد كما قال الرئىس بن علي والذي اضاف ان «أمن واستقرار الفضاء المتوسطي مسؤولية مشتركة بيننا» بما يعني عدم القاء هذه المسؤولية على جانب دون آخر بل هي تُلزم كل طرف ينتمي الى هذه «الرقعة المائية» العزيزة بالاضطلاع بها. بقلم: محمد جمال الدين صاية (رئيس جمعية الخليدية الرياضية)