في مثل هذا اليوم من عام 1952 اندلعت الثورة التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي والتي ستظل رغم مرور 60 عاما منارة مضيئة في تاريخ تونس المعاصر لاسيما وهي تتزامن هذا العام مع انقضاء عام على اندلاع ثورة الكرامة والحرية في جانفي 2011. اليوم تفتح «الشروق» الذاكرة والتاريخ برفقة المناضل أحمد قلالة ابن المناضل الشاذلي قلالة. يقول ضيفنا مستحضرا ما حدث : سافر الزعيم الحبيب بورقيبة في فيفري 1951 إلى الشرق من جديد ثم إلى أوروبا وأمريكا للتعريف بقضية تونس المشروعة لأنه كان يتوقع فشل التجرية التي خاضها مع الجانب الاستعماري حين قدمت إلى الحكومة الفرنسية في أفريل 1950 مشروع إصلاحات في سبع نقاط يجسم مجموعها ومضمونها الاستقلال الداخلي وشرح مقاصدها إلى الرأي العام في فرنسا ووجد صداها هناك وقد أبدت الحكومة الفرنسية شيئا من التفهم لمطالبنا مشوبا بالحذر من جانبها وببعض التشاؤم من جانبي فتألفت وزارة برئاسة محمد شنيق شارك فيها الحزب الحر الدستوري الجديد، على أساس أنها ستؤول إلى التفاوض مع فرنسا في انجاز الحكم الذاتي بما فيه بعث حكومة وطنية مسؤولة على جميع شؤون البلاد الداخلية وقد كان تشاؤم بورقيبة في محله لما وجدت مطالبنا من معارضة واحتجاج من جانب الجالية الفرنسية المقيمة بتونس وعلى هذا الأساس كان متأكدا من كسب نقاط على الجانب المقابل ، فإما الوصول إلى تحقيق المراد، وإما الانتهاء إلى مأزق يورط الجانب الفرنسي. ثم ماذا كانت تداعيات هذا التجاذب بين الإدارة التونسية وألاعيب المستعمر الفرنسي؟ فعلا حدث ما توقعه بورقيبة فقد تعثرت المفاوضات واشتدت الأزمة مما جعل الحكومة التفاوضية. توجه رسالة إلى الحكومة الفرنسية تذكرها بالغاية التي بدأت من أجلها المفاوضات وتطالبها بتحديد موقفها النهائي حول وعدها بمنح تونس استقلالها الداخلي، وفي الأثناء رفع وفد من أفراد الجالية الفرنسية إلى الحكومة الفرنسية وذلك بتاريخ 26 نوفمبر 1951 مذكرة يحتجون فيها على قبول اللهجة التونسية ويحذرون فرنسا من خطر تسليم بعض السلطة لأنصار بورقيبة. وهكذا جاء رد الحكومة الفرنسية على رسالة الوزارة التفاوضية في مذكرة شهيرة يوم 15 ديسمبر 1951، وبذلك أخلفت فرنسا وعدها، وتراجعت ففشلت بذلك مرة أخرى محاولة الحوار التونسي الفرنسي، وقطعت المذكرة مع كل تفاهم، وتأزمت العلاقات بيننا وبينهم، وكنت في ذلك اليوم بالذات قد وصلت إلى القاهرة، عائدا من باريس، وما أن علمت بالخبر واطلعت على محتوى المذكرة حتى أعلنت موقف الحزب في تصريح للصحافة العالمية يوم 16 ديسمبر 1951 ، فاعتبرت أن رد الحكومة الفرنسية قد وضع حدا لمحاولة التوفيق بين طموح الشعب التونسي إلى الإستقلال وبين المصالح العليا لفرنسابتونس، في كنف السلم والوئام، وهو رد قام دليلا على سوء النية وعلى عجز فرنسا عن تطوير نظام الحماية وأبان عن تهاونها بصداقة الشعب التونسي، ولهذا فقد أعلن بورقيبة على رؤوس الملإ، أنه اليوم تطوى صفحة من التاريخ التونسي، وتبدأ صفحة أخرى. لكن ماهي الخطوة التي تلت هذه التطورات على المستويين الوطني والدولي؟ يجيب الأستاذ أحمد قلالة قائلا : لقد بدأ التفكير الجدي والعمل السري استعدادا للمقاومة وللكفاح المسلح، مع العلم المسبق بأن المستعمر سيتورط عند نشوب حرب العصابات، وأن المقاومة الوطنية يمكن أن تستمر ستة أشهر أو عاما في البداية حيث كان بورقيبة بين صفوف الشعب يبث الوعي والحماس ويذكي في المقاومين جذوة الكفاح للصمود ريثما يتم التدخل من الخارج لأنه كان يفكر في ضغط أمريكي على فرنسا، ناهيك عن التهديد بتدخل روسي لا تحمد عواقبه. وفي اجتماع عقده بورقيبة بالمنستير يوم 9 جانفي 1952 بين للشعب أننا سنرفع القضية إلى هيئة الأممالمتحدة لحسم الخلاف بيننا وبين فرنسا رغبة منه في تدويل القضية التونسية وبذلك نخرج من العزلة التي أبقت تونس وجها لوجه مع فرنسا وتعزيز الكفاح في الداخل ومنع أعدائنا من التمادي في قمعنا واضطهادنا في غفلة عن أنظار العالم ثم توجهت إلى بنزرت وخاطبت الشعب بصريح العبارة إلى الكفاح المسلح وإلى الثبات في النضال حتى النصر. وفي 14 جانفي 1952 انعقدت دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي صادف التئامها ببارس، وكانت تونس قد تقدمت بشكواها، فاهتزت فرنسا وارتبك مسؤولوها، ووجدت نفسها وهي إحدى الدول العظمى، تقف فجأة موقف المتهم ليحاسبها الضمير العالمي على ما اقترفته من أعمال ضد الشعب التونسي. وما ان حل يوم 18 جانفي وأذكر أن الساعة كانت تشير إلى الثالثة صباحا في ذلك اليوم القاسي ببرد شتائه داهم البوليس السياسي الزعيم بورقيبة في عقر داره بمعقل الزعيم برشاشاتهم ومصفحاتهم وحاصروا المنطقة حيث كان يسكن بنهج جامع الهواء بالعاصمة فما كان منه إلا أن قال لهم : «لقد كنت أنتظركم وارتديت ملابسي وخرجب معهم وقد قلت لزوجتي ماتيلدا مفيدة سوف لن يطول غيابي هذه المرة. وانتزعو من بيته وأخذوا معه المناضل المنجي سليم إلى طبرقة وفي نفس الوقت تم نفي كثير من اخواننا ورفاق النضال إلى الجنوب التونسي. وأنتم تستحضرون هذه الذكرى الخالدة ماذا بقي منها في ذاكرتهم؟ إن أهم ما رسخ في ذهني أن الزعيم بورقيبة تمكن من تحريك الشعب في الداخل والرأي العام في الخارج لمساندة القضية التونسية المشروعة واستعداده لدعمها حيث أن بورقيبة لم يطمئن إلى الوعود إذ بدأ في إعداد العدة للمعركة المسلحة قبل حلولها بسنة ونصف في الوقت الذي كان فيه الجميع منهمكين في تجربة الاتجاه الفرنسي الجديد ومقتنعين بالحل السلمي وفي ذلك الظرف بالذات كان بورقيبة يعد قائمات شراء الأسلحة وجمع الأموال لشرائها وضبط أماكن إنزالها وتوزيعها وتنظيم هياكل المقاومة السرية في مختلف أنحاء البلاد.