حتى يتطهر المرء من أدرانه العالقة بجسده، فإنه يسعى، كلما اتيحت له الفرصة، لأن يترك له العنان للانزياح نحو نداء ما، قد يكون نداء الطبيعة، نداء الحبيب، نداء الموسيقى هكذا يشرع في الحلم، يغيب فيه. بل يطير الى اجواء اخرى، أليست الموسيقى لغة كونية؟ ليلة نوفمبرية تلك... ليلة باردة كانت تحتاج الى مناخ حراري، وليس الاعلان التلفزيوني، شبه اليومي، وملصقات الشارع، الا اغراء لاراحة الذات والهروب من اعبائها اليومية والانخراط في ذوات الآخرين المفعمة بالرومانسية وبالطبيعة وبالاحاسيس، ولم لا؟ فالموسيقى اولا والموسيقى اخيرا وليكن ما يكون، انت «بورجوازي» لأنك نسمتع الى بيتهوفن او فيفالدي، الى موزارت وشوبان وموريس رافيل، لكن لندع التصنيفات الجوفاء جانبا ولنذهب توا الى الحفل، فعما قريب سيمتلئ بهو المسرح، قبل الدخول وتمتلئ المقاعد عن آخرها وانت وحدك بلا رفيقة تبدد وحدتك القاتلة، اذهب اذن. ليلة باردة جدا بحاجة الى حطب انثوي للتدفئة، أليس كذلك؟ وفي هذا المكان المكتظ بالبشر سيشعّ الدفء وسط الصمت المطبق وتنشد الاعين الكحيلة والغمّازات الى فضاء المسرح حيث الكراسي مصفوفة بتقنية اوركسترالية كأننا في كنيسة يونانية، كأننا في حلم، هل تستطيع ان تصمد الى ما بعد منتصف هذا اليل القارس في الخارج والدافئ في الداخل؟ قوم آخرون اتوا الى هنا للاستماع الى هذه المومسيقى الكلاسيكية اللذيذة التي «قدمت» اليهم من باريس. يمتلئ المكان بالاجساد البضة المخملية وبالروائح العطرة، معاطف وشالات، ابتسامات وتحيات قبل ان يبدأ الحفل، باقات الورد تفصل المقاعد الامامية عن الخشبة حيث كراسي الموسيقيين، وحده كرسي رئيس الاوركسترا مستقل ب «ذاته» لأنه هو الربان الذي سيقود سفينة الألحان الى ما لا نهاية، همسات ووشوشات، دخل افراد الجوق ثم تبعهم رئىسهم ألان لومبارد، حاملا جسده المريض فوق عكازين خشبيين، تصفيق حاد ثم بدأ العزف: في القسم الاول سنستمع الى سامفونية جورج بيزيت (18751838) فكاميل سان سانس (الكونشرتو الثالث 18351921) ثم عزف منفرد على الكمان صحبة الجوق، اما القسم الثاني فكان «بول دوكا» (18651935) ثم موريس رافيل (19371975). بين القسم الاول والثاني مسافة من التقارب والتباعد النسبيين يتخلله صعود ونزول نحو منحدرات النفس والعواطف والأحاسيس المعلنة والمبطّنة والانزياحات، هنا كنا، نحن الحضور، وقد انسلخنا عن انفسنا وذبْنا في الصمت، ثمة ايقاع سريع وعنيف، بطيء وسريع وتعال يا بوليرو «رافيل» كأن على رؤوسهم الطير، هذا هو «قانون» الموسيقى الابدي: الانصات ثم الانصات ثم الخشوع فالانسلاخ عن العالم الآن. امرأة فرنسية بجانبي تسعل بشكل مسترسل الى درجة الازعاج، رئتها منخورة، ترى لو كان الساعل مغربيا؟ هؤلاء العرب البدو لا يجيدون الاستماع الى الموسيقى، تقول في صمتها، ومع ذلك فقد اجهض الجمهور الفرنسي، نفسه، لحظتين جميلتين اثناء العزف دون ان ينتبه الى ان المقطوعة الموسيقية ماتزال بعد لم تنته، غير ان رئىس الأوركسترا، ألان لومبارد، لم يأبه بهذا التشويش الذي يصدر عن ابناء جلدته الذين يستمعون الى موسيقييهم الفرنسيين. اكيد ان جوق الاذاعة الفرنسية، الذي احيى هذا الحفل، لا يمثل الموسيقى الفرنسية كلها، فثمة بيير بوليز الذي يجدد ويطور هذه الموسيقى انطلاقا من البحث في التراث الموسيقي العالمي. لقد كانت قيادة ألان لومبارد فعلا مدهشة كان يستغني، احيانا، عن عصاه وهو جالس فوق الكرسي، وتلك إشارة رمزية الى نهوض الفقرة النغمية كي تندمج في مجموع النغمات والأصوات الأخرى المتداخلة (يُسمع سُعال من بعيد يشوش على العزف)، لكن عازف الكمان الشاب، جاك برات، الواقف وحده فوق الخشبة أمام الجوق «يشوش» هو الآخر، عليه ب «هروبه» ورجوعه اليه، انه عزف منفرد وعنيف، يتداخلان ويتقاطعان، «يجرّ» كل منهما الآخر اليه ليمتزجا في لحظة موسيقية جميلة. في هذه المقطوعة لبول دوكا، يبدو للسامع ان لا غالب ولا مغلوب، فالكل يعزف من اجل الموسيقى وحدها. يبقى «بوليرو» موريس رافيل مسك الختام، هنا سندخل في متاهة شاعرية دائرية تتكرر عبر الآلات الوترية والنحاسية المختلفة وتستدير صعودا صعودا من شكل لآخر، موريس رافيل مثل شجرة في هذه المقطوعة: فروع متعرشة متباعدة عن بعضها لكنها ذات خيوط دفينة. ينهض البوليرو ببطء ثم يكرر نفسه ثم يتصاعد ويسمو الى ان يبلغ ذروة النشوة النفسية.