من أول الدروس التي يتلقاها الطالب بكلية الحقوق هي التفرقة بين الأخلاق والقانون،فاذا كانت الأخلاق تعيش في ضمير المجموعة وفي ضمير الفرد فان الالتزام بها هوفعل ارادي يقوم على القناعة والاعتقاد، وجزاء مخالفتها قد يكون الاستنكار من المجموعة التي تحتضن تلك القاعدة الأخلاقية. في حين أن القاعدة القانونية تتميز بأنها معلومة أو يفترض العلم بها بموجب النشر والتطبيق من خلال المؤسسات التابعة للسلطة، وهي أيضا عامة ومجردة لأنها تطبق على جميع المواطنين دون تمييز حسب الأفراد أوحسب الحالات.
كما أن القاعدة الأخلاقية قد تصبح قاعدة قانونية ويتم تشريعها لتصبح ملزمة لكافة أفراد أي مجموعة بشرية فوضت أمرها لسلطة معينة تتولى السهر على تطبيق القانون، فمثلا السرقة مرفوضة أخلاقيا داخل جميع المجتمعات منذ القدم ثم أصبحت قاعدة قانونية أيضا داخل جميع دول العالم.
وفي حقيقة الأمر فان القانون أشمل من الأخلاق لأن مجالاته أوسع ولا يرتبط بالعقوبات فقط، فالقانون ينظم العلاقات بين الأفراد فيما بينهم وكذلك بين الأفراد والسلطة، غير أن القانون مهما كان متطورا لا يمكنه أن يشمل جميع العلاقات الممكنة بين الأفراد والمجموعات لذا فان القوانين في جميع دول العالم تفتح مجال الاتفاقات والالتزامات غير المنظمة بالنصوص لارادة الأطراف في التعاقد ما دامت غير مخالفة للقوانين الجاري بها العمل.
وقد جاء في الفصل 62 من مجلة الالتزامات والعقود التونسية أنه «ما لم تصرح القوانين بمنع التعاقد فيه يصح التعامل فيه».وكذلك الفصل 242 من نفس المجلة: «ما انعقد على الوجه الصحيح يقوم مقام القانون فيما بين المتعاقدين ولا ينقض الا برضائهما أوفي الصور المقررة في القانون».
وفي هذا السياق يندرج اتفاق الأحزاب السياسية المؤرخ في 15 سبتمبر 2011 والذي أبرم قبيل الانتخابات لتفادي اللجوء الى الاستفتاء حول مدة عمل المجلس التأسيسي وقد كان ذلك الاتفاق تدعيما وتأكيدا للأمر الصادر بتاريخ 3 أوت 2011 والذي دعا الناخبين لانتخابات 23 أكتوبر 2011 وحدد مدة المجلس التأسيسي بعام واحد.
وقد جاء اتفاق الأحزاب وعددها 11 حزبا أن كل الأحزاب ملتزمة باتمام الدستور في أجل أقصاه عام واحد من تاريخ الانتخابات المحدد بالأمر في 23/10/2012،اضافة الى الالتزام بانتخاب رئيس للمجلس التأسيسي ورئيسا للدولة وكذلك منح الثقة للحكومة.
وعندما بدأ النقاش داخل المجلس التأسيسي حول القانون المنظم للسلطات العمومية تنكر حزبان وهما حركة النهضة والتكتل لما سبق أن التزما به حول المدة المحددة لاتمام الدستور مستغلين الأغلبية لتمرير نص يمنح المجلس التأسيسي أجلا غير محدد بل معلقا على نتيجة وهي اتمام الدستور والمصادقة عليه واجراء انتخابات بناء على الدستور الجديد،وقد بررا الحزبان ذلك بأن الالتزام السابق هومجرد التزام أخلاقي وليس له قوة القانون متناسين ما ورد بالفصل 242 من مجلة الالزامات والعقود «ما انعقد على الوجه الصحيح يقوم مقام القانون».
كما أن حالة التنكر للالتزامات قد نظمها القانون واعتبرها غير جائزة بل فرض على الملتزم الوفاء بالتزاماته وما يترتب عنها اذ جاء بالفصل 243 من مجلة الالتزامات والعقود: «يجب الوفاء بالالتزامات مع تمام الأمانة ولا يلزم ما صرح به فقط بل يلزم كل ما ترتب على الالتزام من حيث القانون أوالعرف أوالانصاف حسب طبيعته». وفي حقيقة الأمر فنحن نعلم أن تنكر حزبي النهضة والتكتل لالتزاماتهما أدى الى اصدار قانون يجيز للمجلس التأسيسي الاستمرار في عمله الى حين الانتهاء من الدستور واجراء انتخابات جديدة وبدأ الحديث على علوية القانون الجديد على الأمر الذي دعا الى الانتخابات،غير أنه في اعتقادي أن المسألة مرتبطة بالتزام الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخاب والتي التزمت بالأمر المذكور من حيث المدة مما يعني أنها تقبل به،وقد أصبح بذلك أجل العام محددا مسبقا أي قبل الدخول في الانتخابات وهووضع طبيعي أن يعلم الجميع أي الأحزاب والشعب بالمدة النيابية مسبقا والتي على ضوئها يتولى المواطنون انتخاب ممثلين عنهم لتلك المدة.
الا أن التنكر لتلك المدة من قبل الأغلبية داخل المجلس التأسيسي لا يعني أن ما تمت المصادقة عليه له العلوية على باقي النصوص والاتفاقات،لأنه يعتبر انقلابا على الشرعية النيابية الحقيقية المحددة مسبقا بسنة واحدة،فالأغلبية داخل المجلس ليس لها تغيير ما سبق الاتفاق حوله كأن يغير الطرف القوي في مباراة رياضية قواعد اللعبة أثناء المباراة، وهو ما تناوله الفصل 547 من مجلة الالتزامات والعقود: «من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه...» مما يعني أن سعي حزبي النهضة والتكتل داخل الحزب التأسيسي بغاية نقض الالتزام السابق غير مقبول وغير مبرر وهوعمل باطل قانونا وان صادق المجلس التأسيسي على عدم تحديد المدة فلا قيمة قانونية له لأنه مبني على باطل متمثل في السعي المخالف للقانون من قبل حزبي النهضة والتكتل لأنه تنكر لألتزام قانوني بين الأحزاب وأمام الشعب.
واذا كان الأصل في كل انسان الاستقامة وسلامة النية حتى يثبت خلاف ذلك حسبما نص الفصل 588 من مجلة الالتزامات والعقود،وقد ثبت خلاف ذلك من عدم استقامة ومن سوء نية فانه يتجه ابطال العمل المخالف للالتزام والمتمثل في التنكر لأجل العام الواحد وقد أيدت المجلة سابقة الذكر هذا التوجه من خلال الفصل 276 الذي نص على: «اذا كان موضوع الالتزام النهي عن عمل شيء فالملتزم مطلوب بالخسارة بمجرد مخالفته لذلك وحينئذ يسوغ للملتزم له أن يطلب اذن الحاكم بازالة ما أجراه الملتزم المذكور ومصروف ذلك من مال المخالف».
ونتبين مما سبق بسطه أن النصوص القانونية واضحة وجلية فيما يتعلق بالالتزامات وقيمتها القانونية مخالفة الطرح السائد بأن اتفاق الأحزاب قبيل الانتخابات هومجرد التزام أخلاقي لا قيمة له.
وقد يحز في نفسي أن استمع الى هذا القول من سياسيين يمثلون أحزابا ممثلة داخل المجلس التأسيسي وتتولى تسيير شؤون البلاد،لأن الدفع بعدم إلزامية الاتفاق المبرم بين الأحزاب لكونه التزاما أخلاقيا يؤدي الى الاعتراف من هؤلاء السياسيين بأن لا أخلاق لهم بل أكثر من ذلك فهم لا يمانعون في التصريح بذلك أمام الشعب الذي انتخبهم ومنحهم الثقة ليتولوا شؤونه بالنيابة.
وقد يدفع هؤلاء السياسيين في مواجهة أي طرف يطرح مسألة الشرعية بأنه يطرح الفراغ في السلطة،في حين أن المسألة بسيطة وليست معقدة فالالتزام يمكن تنقيحه بالتزام آخر يكون ممضى من جميع الأطراف السياسية يحدد فيه أجل آخر لاتمام الدستور وهذا معناه الحوار الوطني من أجل تحديد روزنامة جديدة لكافة المواعيد السياسية القادمة،أما التمسك بالشرعية الانتخابية والأغلبية داخل المجلس التأسيسي فلن تؤدي الى توافق وطني أصبح منشودا أكثر من أي وقت مضى.