في بداية صيف 2001 اقتنت بلدية تونس مائة (100) نسخة من روايتي «في انتظار الحياة» وقيل لي أيامها أني سأحصل على مقابلها النقدي (800 دينار) مع نهاية تلك السنة على أقصى تقدير. انقضت السنة المذكورة وكذلك اللتان تلتاها وها نحن نمتطي صهوة السنة الادارية 2004 (أم إنها هي التي تمتطي صهوة أعمارنا لتقضمها وتبددها عبثا؟) ولم أر مليما أحمر! كانت قد حدثت في الأثناء أشياء كثيرة : تهاوى البرجان العملاقان في عاصمة العالم المعولم، أعلن الرائيليون «اختراع» أول «طفل» مستنسخ، استشهد الرفيق أبو علي مصطفى، أبدع الفاضل الجعايبي وجليلة بكار رائعتهما جنون فاز السينغال على فرنسا في المونديال الآسيوي، سقطت بغداد ليجلس على عرش حكمها الزائف كمشة من الخونة ومن المطلوبين للعدالة، أعلنت 2003 سنة وطنية للكتاب لم أصدر خلالها كتابا، رفض صنع الله ابراهيم جائزة الرواية العربية، ارتفعت أسعار الغالبية العظمى من المواد الأساسية و»الثانوية»، مات محمد شكري قبل أن يدرك السن التي اختارها، كبر شادي واستقبل معي بدهشة مبدعة اطلالة أخيه شهدي على عالمنا، فرضت الحركات العولمية البديلة حضورها الفكري والسياسي في أغلب أرجاء الكون، نفذت النسخ الألف من روايتي (التي طبعتها بفضل قرض بنكي لم أستوف بعد تسديد أقساطه) ولم أتمكن من طبعها ثانية رغم الحاح الكثير من الأصدقاء والمكتبيين. في الأثناء أيضا هاتفت البلدية عشرات المرات وتنقلت اليها مرارا. وكانت الردود (في المرات النادرة التي أمكنني خلالها تلقي ردود، اذ غالبا ما كانت تتم احالتي على الصوت الخاطىء أو الباب الخاطىء، أي على مسؤول ليس موجودا أو ليس مسؤولا). تتراوح بين : «لن يتأخر الأمر كثيرا» و»تعاني البلدية الآن من أزمة مالية خانقة وحالما ينفرج كربها وييسر الله عليها فإنها ستبادر إلى خلاصك وخلاص أمثالك من الكتاب»! لدى آخر زيارة (بتاريخ 27 ديسمبر 2003 أي أربعة أيام قبل انقضاء سنة الكتاب) تمكنت بعد جهود مضنية وصحبة كاتب صديق يعيش ذات الوضعية الكافكوية في مقابلة موظفة قيل لنا أنها كاتبة شيخ المدينة (والحقيقة أننا لم نقرأ على بابها سوى ورقة صغرة مكتوب عليها «ممنوع الدخول») وبعد أن أعلمتنا أن شيخ المدينة لم يكن موجودا وقتها (وقد صدقناها) وعدتنا (بلطف يشكر لها) أنها ستحاول الحصول لنا على موعد في أقرب الآجال حتى نعرض الأمر على صاحب الأمر... ما زلت طبعا في انتظار حلول موعد هذا الموعد الموعود وإن كان خيالي الأدبي يسوّل لي من وقت لآخر أن أخشى اصابتي بلعنة بعض شخوص روايتي الذين هجم عليهم هادم اللذات وهم «في انتظار الحياة»!! لكنّ ما يحيرني ويهدم لذاتي حقا هو الأسئلة : 1 ما الذي زيّن للبلدية المقامرة حتى تقتني «بضاعة» هي غير قادرة على دفع مقابلها في أجل معقول ومعلوم، فما بالك عندما تكون هذه «البضاعة» أثرا ابداعيا أفنى فيه صاحبه من كيانه أعزّ وأندر ما فيه؟!! 2 ما تفسير هذه المفارقة العجيبة في سلوك البلدية تجاهي كلما حاولت «التواصل» معها للمطالبة بحقي : كثرة الموظفين والمسؤولين والأقسام والمكاتب الفخمة (اللهم لا حسد) من جهة، وعدم توفقي من جهة ثانية إلى سماع شخص واحد يواجهني بوضوح وجرأة قائلا «بلى أيها المواطن المزعج، أنا المسؤول هيكليا بمقتضى توزيع الاختصاصات داخل هذه المؤسسة العريقة عن ملفك هذا وبصفتي تلك أقول لك كذا وكذا أوكيت وكيت؟! فالذي كان يحدث دائما هو أن يعصر كل مخه ولسانه في رمي الكرة (أي رميي شخصيا) الى مرمى موظف آخر لا يكون له من همّ سوى رد تلك الحركة (الرياضية جدا) بمثلها أو بأحسن منها؟! 3 مَنْ بعد كل هذا الانتظار الممل بمقدوره التعويض لي عن الأضرار المادية والمعنوية البالغة التي ألحقتها بي البلدية دون أن يكون قد سبق مني تجاهها أي قول أو فعل أو قصد عدائي؟ وما هي الجهة (إن وجدت) المخوّل لها النظر في هذا الموضوع (على أن لا يكون منطق اشتغالها مماثلا لذلك الذي يحكم البلدية)؟ أخيرا، حتى لا أطيل أكثر، وحتى أعود إلى الدراسة المقارنة التي أنا بصدد اجرائها بين روايتي «المحاكمة» لصديقي فرانز كافكا واللجنة لصنع الله إبراهيم فانني أعلن توصلي إلى ما يشبه «المخرج المشرّف» نسبيا من هذا المأزق وأتمنى على رئيس البلدية النظر فيه بعين ثاقبة : بما أن الله، على ما يبدو، لم يفرج بعد أزمة البلدية ولم يوسع رزقها في الأرض، وبما أنه حتى لو كان ذلك كذلك فإن المبلغ الأصلي للدّين لم يعد مطابقا لما يقابله (بفعل الخسائر التي تكبدتها وبفعل تأثر العملة الطبيعي بعامل الزمن) فإني اقترح على البلدية (ممثلة في شخص رئيسها شيخ المدينة) الاختبار بين حلين : أ تسدد لي البلدية ما عليها من دين مالي أصلي وتضيف إليه مبلغا (تقدره بمعرفتها وتستشيريني بخصوصه) ليكون دفعه لي جزءا من تسديد دينها الأخلاقي تجاهي. ب ترجع لي البلدية النسخ المائة وواحدة (باعتبار النسخة الأولى التي سلمتها اياها صحبة مطلبة الاقتناء) وتتحمل مصاريف نقلها الى مقر سكناي الذي سأورده في نهاية هذه الرسالة. * كمال الزغباني نهج المنجي بلخير (فيلا السيدة) المهدية 5100