بقلم: عبد الرحمان مجيد الربيعي مازلنا نتذكر وجوه ساسة أمريكا الحاليين عندما كانوا يعدّون لاجتياح العراق وهم يطلّون من تلفزات العرب والعالم مؤكدين انهم سيدخلون العراق ليكسروا ويدمروا أسلحة (الدمار الشامل) التي يمتلكها، وتشكل تهديدا لأمن أمريكا. كهم رددوا النغمة الواحدة هذه وان اختلفت الصيغ بدءا من الرئيس ونائبه ووزير دفاعه وما تبعه من جنرالات، ومن ثم مستشارته فوزير خارجيته الذي عرض (الوثائق) في اجتماع أمي، ولم تسلم حتى سيارات الحمولة فأصبحت قواعد متحركة لاطلاق الصواريخ المحملة بالرؤوس المزودة بالأسلحة النووية والبيولوجية والغازات السامة... الخ. وفي لندن وجدوا السند الكبير من رئيس الوزراء بلير ووزيري خارجيته ودفاعه، حيث رددوا الكلام نفسه بل زادوا عليه أن النظام العراقي قادر على تجهيز هذه الرؤوس خلل (45 دقيقة) فقط. الكلام يتبعه كلام، والحرب تقترب وغايتها المعلنة القضاء على ما يملكه العراق من (أسلحة دمار شامل). لم يعلق أحد من المعنيين ان أمريكا أو بريطانيا نفسيهما لا تستطيعان أن تجهزا أسلحتهما المتطورة جدا خلال هذا الوقت القصير فكيف يستطيع العراق البلد المنتمي للعالم الثالث وإمكاناته محدودة ومحاصر منذ سنوات. وانطلت الكذبة المفتراة لا بل وجدنا من يصدقها حتى من بين العرب الذين أرهبتهم امريكا بأن هذا السلاح العراقي المدمر موجّه لهم، وفتحت ملفات العراق كلها بما فيها ملفات الداخل (القضية الكردية بشكل خاص) الشمّاعة الجاهزة دائما للاستعانة بها. ونسي الجميع ان الحصار وحده حصد اكثر من مليون طفل وشيخ وشاب بحيث اصبحت مغادرة العراق حلم كل مواطن عله يجد ما يأكله ويشربه بعد ان باع كل ما يملك. وحصل ما حصل واحتل العراق وجيء بحكام سماهم المندوب الامريكي بول بريمر (مجلس الحكم) وجلهم من المستوردين من خارج العراق ولم يخفوا تعاونهم وعلاقاتهم بالبنتاغون والسي آي أي. اذ كان كل شيء علنيا وواضحا. ولكن لا أسلحة دمار شامل هذا ما توصلوا اليه وشكلت استقالة ديفيد كاي رئيس المفتشين الذين أرسلتهم أمريكا بنفسها بديلا عن اللجنة الأممية معلنا في استقالته أكذوبة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، ومن أي نوع كانت. واختبط (الماء الصافي) وتعالت الاصوات وظهرت الكتابات والتصريحات التي تصب كلها في جواب واحد هو ان كلا من الدولتين الغازيتين امريكا وبريطانيا قد ضلّلتا شعبيهما وأوهمتاهما بأكاذيب ومزاعم. لعل المرء يقول عندما يسمع ما يصرح به السيد بوش الآن وبعد خراب البصرة من أنه يريد معرفة حقيقة أسلحة الدمار الشامل العراقية التي وردت في تقارير مخابرات بلده وكذلك تقارير مخابرات بريطانيا، المرء عندما يسمع هذا سيردد بأسى: (صحّ النوم). ثم لماذا يشكل كل من بوش الابن وبلير لجنة لتقصي الحقائق بعد فوات الأوان. ألم يقضي نائب بوش (ديك تشيني) وقتا طويلا مع ال CIA ليخرج التقرير كما يريده حكام امريكا وليس كما هو في حقيقته؟! توني بلير ما أن يخرج من استجواب حتى يدخل في آخر، وساسة أمريكا انقلبت تصريحاتهم الى النقيض، بما فيهم كونداليزا رايس، ولعل من يسمع التصريحات الجديدة سيقول (يا سبحان الله، اذن كيف اجتحتم بلدا ودمرتموه وحولتم سكانه الذين عاشوا متوحدين الى ملل وشيع وأعراق وطوائف؟! وبدأتم بشراء الذمم وأصبح البلد على (كف عفريت) كما يقال وهو مهدد بحرب طائفية وعرقية لن تبقي ولن تذر؟! من يدفع ثمن خراب العراق وتمزيقه؟ من المؤكد ان من اشعلوا الحرب وفق مسوغات واهية هم أول من يدفع ثمنها فشعبية بوش الابن هبطت الى أقل من 50 في آخر استطلاع ومعنى هذا لو أن الانتخابات جرت في هذه الفترة لخسرها. وفي الجهة الأخرى لن يكون مصير بلير أفضل. لكن من يعيد للعراق وحدته، من يبعد عنه الوجوه الغريبة الدخيلة التي تنطق باسمه في عراق بريمر الذي يلذّ لهؤلاء، تسميته ب(العراق الجديد).