بقلم: عبد الرحمان مجيد الربيعي دخلت جلسات لجنة التحقيق البريطانية حول غزو العراق ثم احتلاله أسبوعها الثاني، واستمعت إلى شهادات شخصيات مؤثرة في السياسة البريطانية، وكان المتهم الأول في الجانب البريطاني رئيس الوزراء السابق توني بلير هو المحرك وهو في الآن نفسه التابع المطيع لسيد البيت الأبيض الأمريكي آنذاك جورج بوش الابن الذي شحنته جوقة المحافظين الجدد بأفكارهم وآرائهم وخاصة نائبة ديك تشيني، أحلام خليطة من الثراء البترولي إلى الوحي الالهي، نعم، هكذا ظن بوش ولم يخف ظنونه بل أعلنها بالفم الملآن أن الهه أوحى له!! ويبدو لكل متابع ما زالت ذاكرته يقظة فالأحداث قريبة ولم يردمها تراكم السنوات انه لا يتوقع سماع الجديد إلا في التفاصيل فجوهر الجريمة معروف، والقتلة كلهم معرفون، ومع هذا فإن القيمة الأساسية لجلسات التحقيق هذه هي في علنيتها التي من خلالها يجري توثيقها وحفظها لا ندري إلى متى ولكن ما نعرفه انها لا تترتب عليها أية تتبعات عدلية في الوقت الحاضر، ولكن ربما يكون هذا مستقبلا. فالجرائم التاريخية الثقيلة التي حلت بأكثر من بلد عربي لن تسقط بالتقادم أذكر مثالا أزليا جريمة وعد بلفور حيث منحت بريطانيا ما لا تملك ليهود العالم، منحتهم النسبة الكبيرة من أرض فلسطين العربية ليقيموا عليها دولتهم مع أن هذا ترتب عليه تشريد شعب كامل واجتثاثه من مدنه وقراه التي سلمت للوافدين اليهود من أنحاء الدنيا، وزودت هذه الدولة الوليدة بأحدث المعدات الحربية بما فيها الأسلحة النووية فتحولت الى دولة معسكر كل سكانها من الجنود والجنود الاحتياط. ثم جاءت جريمة احتلال العراق بكل بشاعتها واستهانتها بالقوانين والأعراف وحقوق الإنسان إلى آخر هذه المقولات التي كانت تتشدق بها أمريكا والدول الغربية التي نفذت العدوان. لقد تم كل هذا خارج الشرعية الدولية، احتلوا البلد وعاثوا فيه وأسقطوا كيان الدولة، واعتقلوا القادة السياسيين والعسكريين وقدموهم لمحاكمات خرافية، وأعدم من أعدم وقتل من قتل وهرب من هرب. ووفدت على المشهد السياسي وجوه لم يعرفها العراقيون ولا أشقاؤهم العرب، وجوه يرتاب المرء لمرآها ولا يشعر بالاطمئنان على بلد لا همّ لها إلاّ أن تستولي على مقاليده رغم أن من يحرك الدمى الملونة هذه معروف لكل العالم. إن الذين ذاقوا طعم الحكم يعيشون جنونه، ويحلقون في فضائه بكل ما يحمل من مجهول، حتى إن همّ الكتل الحاكمة اليوم هو كيفية البقاء وبأي ثمن، وليس همها حل المشاكل المستعصية التي يصطلي بها من بقي حيا، فلا ماء، ولا كهرباء ولا رعاية صحية والأنكى من هذا كله، ولا كرامة، فمن يصون كرامة شعب تحولت نساؤه إلى أرامل وأطفاله إلى أيتام، وكرام أبنائه إلى مشردين في العراء أو في دول الجوار العربي التي تحركت حميتها وأكرمت وفادة هؤلاء الأشقاء الذين امتحنوا بتجربة أكبر منهم، وحلت بهم مصائب لا قدرة لهم على تحملها، ولا يدرون لماذا العراق؟ لماذا حلّ به ما حلّ، ولماذا وجّه جورج بوش جيوشه الجرارة المزودة بأعتى الأسلحة التي كانت تتململ في مخازنها، استعدادا لحرب عالمية ثالثة، ولكن الاتحاد السوفياتي انتهى، وتشرذمت دوله وحل حلف الناتو بديلا عن حلف وارشو المندثر. ذهبت الأسلحة إلى العراق مفرغة كل خزينتها من الحقد والكراهية على شعب كريم، أعزل، لم يطلب غير العيش الآمن. سيأتي الدور على المتهم الأول في بريطانيا توني بلير الذي يترأس من الآن اللجنة الرباعية التي لن تجد حلا مؤكدا للقضية الفلسطينية فهو طرف وليس صاحب حل، هو بريطانيا، وبريطانيا صاحبة وعد الشؤم، وعد بلفور الذي خرّب التاريخ وجرح صفاء السلام وحول شعبا آمنا إلى لاجئين! يأتي توني بلير ويعطي أجوبته ثم يغادر، لا أحد يلاحقه رغم أنه شريك في الجريمة. أما هناك، في أمريكا، فالملف ما زال مغلقا، ونفوذ المحافظين الجدد لا أحد يجرؤ على مسه أو النيل منه، ولا ندري إلى متى فنحن نؤمن بالشعوب، وأن ما هو مؤجل اليوم سيفتح حتما في الغد. ها هو العالم كله يدرك أن أجهزة الإعلام الغربية قد ضللت الكثيرين بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية، وأنه لا شيء منها في العراق، ولا حتى رائحة أي سلاح محرم عدا الأسلحة التي كانت لدى الجيش العراقي وهي أسلحة لم يجر تجديدها بعد حرب الثماني سنوات مع إيران ثم أحداث الكويت فالحصار الطويل المرّ الذي «أنضج» فكرة الاحتلال بالشكل المريع الذي رآه العالم. ها هو العراق خراب في خراب ، فلا ديمقراطية بل صراع ديكة ونقر دجاجات، صراع على وهم نفوذ وخرائب سلطة ليس إلاّ. وليس هناك من ينطق باسم الوطن إلا الندرة من الشرفاء، صارت الطائفة والعرق بديلا، وانتزع الخطاب الرسمي الهوية القومية للمواطن العراقي فصار يسمى باسم طائفة، وما يظنونه مكاسب لمصلحة الطائفة وليس للانتماء الوطني والقومي. وتأتينا الأيام بحكايات أخرى غير تحقيقات بريطانيا الحالية، ولكن أنقاض وطن كان إسمه العراق لا أحد يفكر في تحويلها إلى كيان سامق في الوقت الحاضر على الأقل.