بقلم: الاستاذ جمال الدين بوغلاّب أعود مرة أخرى الى المذيع البريطاني «روبرت كيلروي سيلك» وشيء من فجور قوله: «الدول العربية لا تُعدّ امثلة للحضارة ولا تقدّم شيئا على صعيد سعادة الانسانية باستثناء النفط الذي يعود الفضل فيه للغرب فهو المكتشف وهو المنتج ودافع الثمن». والعودة ليست جزافا ولا غرغرة حلق ورجع صدى، وليس شماتة من شعوب عرب فقر الموارد فالمسألة اعمق من ذلك بكثير، فنحن جيل نشأ على أدبيات مدارس التنوير في شمال المتوسط، ومدارس التأصيل الذهني للوعي الجمعي في مزاوجة بين التاريخ والجغرافيا، فكان وعينا ما بين «شرق المتوسط» و»مدن الملح» حينا و»شقة الحرية» و»ذاكرة الجسد» و»الكرنك» و»الشحاذ» و»أهل الكهف» و»السد» و»صخب الامواج» وأحلام امومة منهكة وطفولة لا يسع مدى بصيرتها جنبات هذا الكون المترامي الأبعاد من حولنا. وحيث كانت تعوزنا التجربة اسرنا بريق الفكرة ورحلنا عن «امكنتنا» فضيّعنا مفاتيح فهمها. ولما كان «اليوم» عنوان المكان ومركبة العبور الى المستقبل. ولما عجز القطار عن المسير بدون «مسلكه الخاص» كان ما كان وتحتم الرجوع الى المكان والوقوف على الأقدام. فالمسيرة تخطها العقول ولكن انطلاقتها تبدؤها «خطوة» بأرجل لا تحليق بأجنحة تمنينا لو كنا من فصيل ذوات الأجنحة لأننا اكتفينا بالتحليق دون المسير. ولأن الموائد لا تنصب الا بعد «الاستواء» لا قبل القنص وإشغال الموقد، عجبت لبعض ماضينا القريب كيف تُصنع الفكرة ثم يكسى هيكلها بلحم وشحم وتستجلب لها آخر صيحات الموضة من «برّا». والحال ان الصانع بلا مخبر ولا يقدر حتى على أسواق الأرصفة! وكان لابدّ للحلم من يقضة والغيبة من صحوة ولحظة يقين. لكن السؤال المؤرق هل ادرك مشرق العرب انه للعبور لابدّ من الوصول وملامسة الحقيق ومعايشة الواقع؟! خمسون عاما بمقياس زمن الشمس والارض مرت على آخر فاجعة قاصمة، والكلّ يحكي وينظر ويتولى ويستولى والعنوان واحد «دحر العدوان» والوسيلة من ذات الفصيلة «نزال بالوكالة» على الشعوب ان تبقى بأسفل السهل وليذهبوا هم للغرف المظلمة وداخل أسوار عالية يخططون ونكتفي بدور «الخوالف» و»المتلقي» قرّرنا اصالة ونيابة «الالقاء بالعدو في البحر» و»تحقيق التوازن الاستراتيجي». وما علينا لإظهار الولاء وحسن النوايا إلاّ الدعاء. ومضت السنين فإذا بالعرب «هجيج» وإذا ببحارنا قسمت قسمة ضيزى لم يشهدها أحد ممن توكلوا عنا وكنا شهود زور عن اعلان وفاة غائب ما بين «خليج فارسي» ذات 1975 مع شاه ايران اما باقي مياهنا فلا تسألن عن حلوها ومالحها فكلها إما وقعت في دائرة تنفيذ مخططات العدو او في مجال رؤيته وطول يده ينالها متى شاء. ولما سأل احد الصبية «شيخ الحي» لعلمه وطول عمره عن علة ما جرى ويجري قيل انه نقل رأيا متواترا اكتفى فيه بدور الراوي رغم انه شهد الواقعة وعاصر اركان القبيلة. بأن اصل المسألة خلافي لأن نص التصريح ورد بلغة اعجمية فيها رطانة نطق تدل على ان السامع ليس من اهل البلد. مفاده ان «الوكيل» لم يكن يحسن السباحة ولم يكن قادرا على التمييز في الماء ما بين حلوه واجاجه ولا غرابة لأن الشيخ «كناية عن الوقار والوجاهة لا الطعن في السن» لم يكن من ابناء السواحل بل «الجبل» مولده والبادية حياته. لذلك خسر معركة «المياه وتخومها اليابسة ولأننا بطبعنا أهل تفاؤل يحرّم علينا اليأس فلازالت فيافينا فسيحة وما ضرّ لو انكفأنا الى الرمال الصفر وتجمهرنا في ارض «مدين» و»خلف» البحر الميت والحلم الحارق يجتاح الصدور علنا نبعث من مرقدنا من جديد لكن حذاري من ولاية فقيه فإما ان تكون المبادرة شخصية وإما الرضاء بالكهف الحادث فأن ينسانا الزمان وينكرنا المكان اجدى وأهون من لعنة الاجيال. حينها فقط نستطيع ان نجيب «الحورية» عن اسم المولود لا نعته. وليكن ما تشاء حينما تكون في وضع احدى الجملتين اسمية أم فعلية الأصل فيها ان تكون فاعلا لا غير. فلا يقبل نائب الفاعل فما بالكم بالمفعول به. رحم الله «الشرق والمتوسط» عله يجد للنبوغ من وسيلة.