بقلم الأستاذ جمال الدين بوغلاب الشرعية التي أكسبها القرار 242 لوعد بلفور كانت مختلسة وموهومة لأن الشرعية لا تمليها المواقع والجهات ولا تلزمها الظروف. ففي اللاوعي استقرت قاعدة أصولية (كناية الى أصول العقل والحق) قوامها أن «المعروف عرفا كالمشروط شرطا». ومع الأيام وتراكم الهزائم والدمار على الواقع والإنسان العربي وما واكب ذلك من أزمة عقل ووجود وجمود نقل. وما بين «نكبة» و»نكسة» و»خيبات تجارب» وفكر سياسي موصول بالغير ووسائل انقلابية عسكرية استشرت عدوى «سايكس بيكو» من الأرض الى «العقل» وأضحى الفكر يبحث عن جواز عبور وأضحت القومية قطرية، والهوية لعنة ووصمة لا بد من السعي لانتزاع «شرعية» وجودها وبراءة صاحبها حتى أدركتنا أحداث «أيلول» وما أتعسه من «رمز» عبر الثلث الأخير من القرن الماضي وانتهاء بسنة 2001. فكانت «نقطة» اعلان «جوهر الأزمة». وكان السؤال وغابت الإجابة. هل كان على العالم أن ينتظر ما حصل حتى يفصح كل عن نواياه؟ هل كان ما حصل مآل حتمي لتراكم «أزمة» نوعي غير قابل للحل؟ هل كان ما حصل مصادرة لرأي وقرارات العقلاء المحتشمة والخافتة الصوت، العديمة الوسيلة؟ هل أن ما حصل كان يجب أن يحصل؟ تساؤلات لا يهم بشأنها في هذا الموضع البحث عن اجابة قطعية بقدر التأمل في أحوال عالم اليوم، وحسن قراءته. لأننا كنخبة عربية غير صانعة للحدث، محكوم علينا على الأقل بفك رموزه وتراكماته والنجاح قدر المتاح في قراءة ما حولنا وما بنا. علّنا ننفذ يوما بواسطة الى مرحلة تكون فيها ناصية الأحداث رهن إرادتنا وأدواتنا!! وأخشى ما نخشاه أن نظل حيث نحن نعيد «تجاربنا» المشروعاتية والعقائدية والنمطية على عواهلها وبخيباتها. فليس أنكى على المرء أن يذهب في خلده أنه يتقدم والحال أن الموقع تقوقع. فبعض المطلوب اليوم ليس الفكرة، بل وسيلة تنفيذها فلا اختلاف في الألوان إن بقي التصور للشعوب كميا وليس مؤسساتيا فلئن كان التعداد جزءا من الحقيقة فإنه بالمحصلة ليس كلها. والأصل أن تقول لنا ما هي مؤسساتك السيادية حتى نعلم حجم قومك. كما علينا أن نحدد مقاييس «التصديق» و»الشك» و»التكذيب». والصاحب والعدو. والشك ليس نقيصة ولاسبة ويجب أن تغادر عقولنا حالة التسليم المطلق أو الرفض المطلق. فالشك منهج عقلاني مفض إلى الحقيقة فحينما تشكّ «في» لا يبنغي أن أحزن، لأن الشك اللبنة الأولى لسلامة البنيان. فال»كوجيتو» الديكارتي : أنا أشك فأنا موجود. ليس منهجا تآمريا ولا كفرا لاهوتيا. بل مصادرة عقل وبديهية منطق تجعل القرار رهين الموضوع لا حبيس المصلحة أو العاطفة. فالاصدقاء لا تحددهم المعاهدات ولا مهرجانات «الاتفاقيات» في بلاد الصقيع والضباب. بل القناعات عندها فحسب يمكن أن نقول ونصدق وهو المطلوب دائما وبخاصة في هذه المرحلة. وحيث أن التعقل نتاج منهج معرفة وليس إرثا ولا وصية فإنه حري بنا أن نتوقف عند «اسقاطات» العدو لتحريها. وليس العدو دائما من تجاوزك «اللحظة» بل عليك بالتاريخ وحقائق المكان لاستجلاء الأمر. ففي الأسبوع الماضي «عقد معرض» للإبداعات الفوتوغرافية. وكانت «صورة هنادي جرادات» المحامية على زورق ربما أراد راسمها الأوروبي أن يعبّر عن دوافع المحامية الشابة وأملها في الانعتاق والكرامة كما شعب جنوب افريقيا فإذا بسعادة السفير يخالف كل الأعراف ووسائل التعامل الابداعي وينقض ممزقا اللوحة. وكانت الأزمة ولم يكن أهل القضية أحد أطرافها. والسؤال فيما الخوض؟ وما سلم أولويات وكلاء القضية؟ وقبلها بحين من الزمن طلع علينا الاعلامي «روبرت كيلروي سيلك» بمقال تحت عنوان : «لا ندين للعرب بشيء» يقطر حقدا وعُقدا نفسية وعنصرية مزكمة للأنوف وأحدث ما أحدث من ردود الفعل. هل كان يجدر بنا وضع المسألة في خانتها الموضوعية؟ والبحث عن أسباب ردود الفعل العارية من كل اكساء يضمن لها التسويق؟ في عالم أحذق ما يحذقه فن صناعة الصورة والوسيلة فيقلب الوهم حقيقة ويصبح الطالب مطلوبا. ربما هي طفرة وجرعة زائدة من اللامبالاة بنا حتى لم يعد هنالك وقت ولا مساحة شعور مناور من أجل «النفاق» وتقبيل الجبهات بعد أن تركنا «الجبهات»! والكلمة جبهة يهمنا التواجد فيها لأنها ديدننا وبعض هوسنا. وكما أنه ليس ثمة مسرحية بدون نص وراءه كاتب. فإن الانجازات وسياسسات الدول ذات السيادة مسنودة حتما بمرجغيات تأمل وبرهان ودراسات استراتيجية تنير سبيل متخذ القرار لتأمين صوابه ولا تأخذ مكانه. ولن يهنأ المستندون لعقل ولتصدق نظرية «لامارك» في البقية أليس الفصل بين العذب والأجاج مسافة تذوّق لا حاجز عزل؟!