علي سالم القلعي، أديب تونسي، ترعرع وشب على ضفتي وادي الجبلي من مدينة مساكن من مؤلفاته في القصة : الصعود، البحر في عينيك، ابتغاءً للغائب، الكون في كيانك، ومن مؤلفاته في الرواية حوار الاشارات وتهتم هذه المتابعة بروايته الاخيرة : «طريد الحياة». إ البوابة الاكثر وضوحا وتميزا للدخول في كتابات علي سالم القلعي تبدأ مما كان يردده بنفسه في احدى قصصه في مجموعة البحر في عينيك «إني أحرك بإحساسي الباطني القلوب وألامس اأحاسيس والعواطف وأطفيء ظمأ الأرواح واستنشق الجمال وأصافح الحب وأحلق في الضياء مع رفرفة البسمة الموردة بالكلمة الطيبة... دروس الانسان». يحيل هذا النص مباشرة الى ان الكتابة ابداع، صدى لفكر صاحبها وملتقى السبيل بينه وبين شخصيته المبدعة، فالكتابة بقدر ما هي مراجعة لطيات العلاقات السائدة هي استجواب داخلي لا يقدر الكاتب ان ينفرد منه، ومن خلالها يقدم المقومات الأساسية لشخصيته. ولعل النافذة التي دخل منها علي سالم القلعي تؤسس للقيم وتطالب بالمعنى في زمن سلطان المردودية والمصالح. إن هذه الدعوة الى «اطفاء ظمأ الأرواح» واستنشاق الجمال ومصافحة الحب هي الخيط الذي يربط بين جميع اعماله، ففي كل رواية من رواياته تشعر انك تستمع الى كل بطل على حده وفي نفس الوقت وكأن رموز هذه الرواية وانت معهم يستمعون الى صوت آخر يلتزمون مرة بما يصدر عليه، ومرة يتمردون على قراراته لما فيها من قتامة وبرودة ومواقف باهتة.. لعله الضمير انطلاقا مما نعرفه عن ثقافة الرجل. وبقدر ما حصل من انفتاح تطلع على العالم ونتاجه الثقافي الجديد فإن كتابات علي سالم القلعي ظلت ثابتة ترسم المعالم الرئيسية لبعض النماذج التونسية ايمانا منه ان الابداع لا يستقيم حينما يرسم صوره مشوهة لذواتنا بل انه لا يستحق هذه الصفة الا متى قام شاهدا على عصره. وإن كنت اعتذر عن الالمام بكل ما كتب الاستاذ علي سالم القلعي فإن المتتبع لأحداث رواية «طريد الحياة» يستنتج ان مشاعر النكبة وخيبة الامل التي أصابتنا في الصميم جعلت الابداع عموما يقوم على مفارقة مقيتة. إما تسجيل الواقع الباهت واستعراض تفصيلي لقائمة الاتهام واستعادة اللحظات المضيئة في التاريخ. وإما الدعوة الى التغير داخل تلفيقية غائمة لا تحمل الا الى جراحات الكتابة. بين هذين القطبين يتسلل أبطال علي سالم القلعي في طريد الحياة فرغم اختلاف الانتماء والمقاصد تشدهم رغبة كبيرة نحو حقيقة ثابتة وشاقة حقيقية عبّر عنها برميندس «إن الكلاب تنبح في وجوه كل الذين لا تعرفهم «فبطل الرواية صالح ظلت تطارده الكلاب على اختلاف انواعها فقط لأنه لا يمتلك قرص الانتماء الاجتماعي الذي يسهل مهمة الحياة، وانطلاقا من الفصل الاول صدم بالحقيقة المزعجة بعد ان تربى في أحضان الوهم المريح. «لتعلم أنك لم تكن ابني... أنت لقيط... منذ اللحظة لن تذهب الى المدرسة». سلطة النص ترسم جغرافيا جديدة للمكان، وتسلمه الى قدرية فاحشة فمن العاصمة الى مستشفى الرازي بمنوبة الى مدينة صفاقس يبحث عن أم أرهقتها الحياة فأصبحت لاتراها الا من خلال تقاطع الأجساد «ظهرت له المرأة على حقيقة تنكرها»... الى مدينة القصرين لعل شهامة والده تخفي كل ما تعرض اليه سابقا لكن «ضرغام الألم» كما يسميه المؤلف يسمع من والده ولعله بصوت عال أراد ان يقدم لنا منطق العصر «لقد علمتني الحياة ان المال هو ذات الحياة وميل الناس أقرب اليه من عواطفهم ونفوسهم، فقد صاغوا منه لأنفسهم محرابا يتقون فيه من شجون همومهم وأمدوا له طريقا يتحاشون فيه عثراتهم التي قد تحدث في امتداد حياتهم». إن من ينتمي الى هذا الخطاب الحضاري ينتمي حتما الى مقولة «الآخرون من الجحيم» حتى لو كانوا أبناء. حياة تقوم على المردودية وصلوحية الاستعمال والقدرة العجيبة على الأداء مساهمة قدر الامكان في صناعة انسان جديد يتكيف مع وضعه الجديد الوضع البضائعي / السلعي / الرقمي. يقول صالح بعد الطرد الاخير «فلا مياه العيون ولا شلالات العالم ولا أمواج المحيطات يمكن لها أن تزيل ما انطبع في النفس من آلام الكلمات وجراحها». إن بطل رواية طريد الحياة لما وصل الى هذا الحد أشعرني ان المؤلف أراد ان ينتج نوعية من الناس أقل فقرا من الفقراء، أتعس حظا من التعساء «حتى يتيح لهؤلاء أنهم ليسوا الطبقة الأضعف» لقد حاول علي سالم القلعي عن قصد ان يحرم بطل روايته من طبقة ينتمي اليها ومن جسد يركن اليه «صار تحت وطأة عدة أمراض عسيرة مستحكمة على كتلة من اللحم ملتصقة بركام من العظام المتماسكة في ضعف وتخاذل» ص. وكذلك حرمه من عائلة يعود اليها ومن عمل يتوكأ عليه فقدمه في شكل عبثي مثقلا بأسئلة انطولوجية لا يقدم عليها طريد الحياة؟ اي معنى لحياة نهايتها موت؟ أي معنى لحياة تبدأ بالحرمان وتنتهي بالحرمان؟ ولكن الاجمل في هذه الرواية الفاجعة والتي تعبر عن قطيعة جذرية بين الانسان ومحيطه ورغم ان صالح لا يكاد يخرج من أزمة حتى يقع في أخرى استطاع المؤلف ان يدخل من نوافذ عدة لنقد المجمع والوقوف على بعض مظاهره السلبية. يقول عندما خرج مدير المستشفى من مكتبه ص. «تسارعت الاشارات الحمراء بين الموظفين، فطويت الصحف اليومية وانقطعت الأفكار عن حل الكلمات المتقاطعة وديست في الرفوف بين الأوراق والملفات واختفت كؤوس القهوة، ولفائف فطور الصباح حتى يستتر الوضع اتقاء لكل لوم وعتاب». ما عاشه صالح هو التراجع في جميع المجالات الحيوية. فلا جسد : يحوّله الى انسان برومثيوسي يحتفل بالحياة ولا انتماء يحوّله الى انسان اجتماعي يبحث عن موقع يستمد منه الجاه والسلطة في المجتمع. ولا ثقافة : تمكنه من افتكاك الاعتراف ورسم خارطة لمشروع حياة. ولاحظ : يكون بمثابة بصيص أمل يقلب الحتمية الى صدفة والواقع الى وهم.. كان معدما، يقف عند نقطة الصفر ينتظر «العدل ليفتك له أبوة قانونية». يتساءل المؤلف في الصفحة (129) : ما نصيبي من الحياة؟ وما هو نصيبي منها وبعدها؟ سأخوض حربا قضائية مع من؟ مع من بإمكانه ان يشتري شهادة قرية كاملة برجالها وشبانها وبناتها وقلوبها وأحاسيسها وعواطفها، ويسخّر فريقا من المحامين ليفقأوا عين القضاء، ويطمسوا الحقيقة مهما كبر حجمها وارتفع صراخها ويحجبوا رؤيتها الواضحة غير أني لم أصمت حتى أحمل المجتمع كله مسؤوليتي أمام الله والقانون وأحرك العقول التي نامت في المستنقعات كالضفادع او التي غابت في شقوق الارض هاربة من شعاع الضياء والدفء النازل من أعلى هؤلاء الذين زاغوا (تاهوا) أحجموا وحفت أصواتهم عن الاستجابة للحق ولبوا أهواءهم، وأهواء من يساعدهم في الضلال والتضليل». إن تحريك سواكن مثل هذه المظالم الاجتماعية والتساؤل حاولها لا تقف عند بطل يخترعه المؤلف وانما هي حقيقة نكتشفها مع مطلع كل يوم. تسكننا ونسكنها نعرّيها وتُعرّينا. تقيم داخل أوجاعنا العربية الراهنة، فصالح العربي كان يموت كل يوم على الارصفة في جنوب لبنان وها هو اليوم يموت في فلسطين وفي العراق. «مات في أتعس مظهر، وأفضع صورة، وتسجى على الرصيف مثل حيوان سائب». إنه هذه الرواية التي كتبت «بلغة كالصخر» لا تغترب عن نفسها وعن كيانها، فهي متأصلة تستمد أصولها من النص القرآني. تستشرف المستقبل تصنع أنفة لبطلها وتجعله يقيم داخل مملكة الكرامة الى درجة أنك تشعر انه يسعى في بعض الاحيان الى تأليه أبطاله رغم المفارقات التي تقوم بين أوضاعهم الاجتماعية بل لعله حمّل المسؤولية للمثقف العربي ودعاه الى اعادة النظر في هذه الصورة «وغاب صالح مثل قبس في الرماد وبقيت الصورة الحية البارزة على جبين الحياة تنهش عقول من لهم عقول».