الاتحاد الليبي الترجي الرياضي (0 0) تعادل أبيض والحسم في رادس    فازت على منزل بوزلفة .. احتفالات في قابس بعد ضمان «الستيدة» البقاء    تطعيم 23 ألفا و641 شخصا باللقاح المضاد لفيروس كورونا بتاريخ 17 أكتوبر 2021    وزير الداخلية من القيروان.. دقّت ساعة محاسبة المجرمين    غرق مركب هجرة سرية قبالة سواحل المهدية .. انتشال 4 جثث، إنقاذ 7 أشخاص والبحث جار عن 19 آخرين    بنقردان .. حجز 14 بندقية صيد مهربة    جندوبة .. حجز سجائر مجهولة المصدر بقيمة 25 ألف دينار    متى يستفيق العرب من نومهم؟    محاولة اغتيال مسؤول إداري بعد تعرض سيارته إلى طلق ناري    الوضع في العالم    جديد الكوفيد .. بن عروس الأولى وطنيا في نسب التلاقيح    مع الشروق ..«أمك صنافة»    رُؤى .. لا بديل عن الجبهة الداخلية المتماسكة    افتتاح مكتبة «لينا» لإعارة الكتب مجانا    أولا وأخيرا .. «من تحت يديهم»    مقتل 3 أشخاص برصاص شرطي في الولايات المتحدة    الرابطة المحترفة 1 – المجموعة 2 – فوز الاتحاد المنستيري على هلال الشابة 2-0    نبيل حميدة.. المعلّم الذي كسب الرهان    النادي الصفاقسي :هزيمة واشياء اخرى    القيروان: تعرّض سيارة نائب سفير سويسرا للسرقة والأمن يلقي القبض على السارق    المرصد الوطني للفلاحة: أسعار دجاج اللحم عند الانتاج ارتفعت خلال سبتمبر2021    توزر: تكريم الأديبين محمد السالمي وعماد الدبوسي    حقيقة تعاقد المنتخب الموريتاني مع المدرب نبيل معلول    رغم محاولات بريطانيا طرده.. مسؤول الأسلحة الكيميائية في عهد صدام يحصل على اللجوء    تحصلوا على رشاوى مقابل انتداب معلمين: الاحتفاظ بموظفين في وزارة التربية    عاجل صفاقس :الادارة الجهوية للتجارة وفرقة الحرس البلدي بجبنيانة يضربان بقوّة    الاحتفاظ بمهدي بن غربية    انطلاق تنفيذ البرنامج الاستعجالي للمراقبة في قطاع الخضر والغلال    جرثومة "شغيلا" تتسبب في غلق 10 مدارس في الأردن    المنستير : إحباط 05 عمليات هجرة غير نظامية فجر اليوم الأحد    طقس اليوم الاحد 17 اكتوبر 2021    الصادق شعبان يكتب: اتحاد الشغل.. موقف رجولي    تزويد السوق بالزيت المدعم خلال الاسبوع القادم    تغريدة مبابي تبث القلق داخل ريال مدريد    استعادة النسق الطبيعي لتوزيع الزيت النباتي المدعم في السوق انطلاقا من الثلاثاء 19 أكتوبر 2021    بعد تألقها في بطولة انديان ويلز.. ترتيب أنس جابر المنتظر في تصنيف محترفات التنس    مواطن يحرض على سلامة رئيس الدولة في مقطع فيديو..محكمة سوسة 1 تفتح بحثا وتدرجه في التفتيش    وزير الشرون الدينية يرجْح إمكانية اشتراط السعودية جرعة ثالثة من لقاح كورونا للحجيج    تحريض واحتجاج أمام جامع الفتح.. وزارة الشؤون الدينية توضح    وزارة الشؤون الدينية تكشف تفاصيل ما حصل في جامع الفتح    من أمام مسجدي"الفتح" و"اللخمي": حزب التحرير يُجدّد استغلال المساجد لأغراض سياسية    البرلمان الأوروبي يخصص جلسة عامة حول الأوضاع في تونس    بالفيديو :مناوشات داخل جامع الفتح ، من يريد توظيف الجوامع من جديد ؟    السلاوتي: العودة المدرسية كانت فاشلة نسبيا لعدة أسباب    القيروان: ستستمر ل4 أيّام..انطلاق الاحتفالات بذكرى المولد النبوي الشريف    القيروان : انطلاق الاحتفالات بذكرى المولد النبوي الشريف على مدى 4 أيّام بعروض متنوع    شكاية عدلية ضد لاعب الترجي الرياضي التونسي أسامة البوغانمي    بقلم أنيس الجزيري: صباحكم وطن وجلاء بعيدا عن الشعبوية و الجهل    تونس: تفكيك خلية إرهابية في تطاوين    من بينها تونس: روسيا تستأنف رحلاتها الجوية مع 9 دول    محسن حسن: تخفيض الترقيم الائتماني لتونس يعني تصنيفها بلد عالي المخاطر    بداية من اليوم…إيطاليا تشترط ''شهادات كوفيد'' للدخول إلى مؤسسات العمل    تراجع في عائدات النقل للخطوط التونسية    تونس ترسل 100 ألف جرعة من التلاقيح إلى موريتانيا    وزير السياحة يصرّح بمكاسبه لدى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد    أوراق الورد 26/ "وتاهت مني"    سليانة: تنظيم تظاهرة "لو بالكون.موزيك" في عددها الثالث    فرططو الذهب" لعبد الحميد بوشناق يمثّل تونس في جائزة "الأوسكار" 2022    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مراوغة الأجناس في رواية «الشطّار» لمحمد شكري
بقلم: آمال البجاوي
نشر في الشعب يوم 08 - 12 - 2007

يعدّ فنّ السيرة الذّاتية حديث النشأة نسبيّا , حيث يرى جورج ماي أنّه ظهر بعد الرّواية بما يقارب القرن ونصف ، ولعلّه ما تزال الدّراسات حول هذا الشكل الأدبي قليلة، وما تزال شروطه المحدّدة غائمة تحتاج إلى مزيد الدقيق، ولئن ظلّ هذا الفنّ يتحسّس خطواته الأولى في مدوّنة الأب العربي فقد حقق تميّزا في الأدب المغربي على وجه الخصوص، ذلك أنّه سجلّ حضوره فيه بامتياز ، فقد شهد المغرب الأقصى نواتات العمل السيرذاتي الذي تطوّر على يد جملة من الكتّاب لعلّ من أبرزهم محمّد شكري الذي تميّز بخصوصية أعماله الأدبية التي لم تخل من إجمالا من روح ذاتية حتّى في الأعمال غير السيرذاتية، كما تميّزت أعماله السير ذاتية بطابعها الصّريح ولغتها الفاضحة، وقد كان لكتّاب السيرة الذاتيّة أسباب مختلفة لتدوين سيرهم، ولكنّها تشترك في رغبتهم جميعا في تخليد الذات وصيانتها من قوى الموت والدّمار، فمن الكتّاب من يرى في سيرته تميّزا وتفرّدا يخوّل لها أن تكون موضوعا لعمل أدبي، فهل يرى شكري في سيرته ذلك التميّز لما فيها من ثراء وتنوّع وتشويق حدا به إلى تدوينها ؟ ومن الكتّاب من يدوّن سيرته بهدف الاعتذار وتبرئة الذات، فهل كتب شكري سيرته ليطهّر نفسه من خطاياها؟ ثمّ إنّ «الشطّار» لا تبدو سيرة ذاتية محضا، فمتى تنتهي حدود الواقعي ومتى تبدأ آفاق المتخيّل؟ وما هي السّيمات الفنّية التي أخرجت «الشطّار « من بوتقة السيرة الذاتية الصّرف لتدخلها دائرة السيرة الذاتية الروائية؟
إنّ المشكل الأجناسي الذي تنهض عليه «الشطّار» هو الذي سيحدّد مسار بحثنا محاولين محاصرة الأمارات الأجناسية التي حدّدت صياغة الشطّار عملا فنّيا وسيرة إبداعية، ملقين الأضواء على التّقنيات الروائية التي لوّنت سيرة محمّد شكري الذاتية .
إيضاءات الأثر
محمّد شكري : من الرّجل ؟
هو كاتب مغربي نزح عن موطنه «بني شكير» عندما حلّت به المجاعة، و انتقل إلى مدينة طنجة و تطوان، أين عاش حياة مهمّشة، مارس فيها جميع مظاهر الانحراف، وامتهن شتّى أنواع المهن «الوضيعة « إلى أن بلغ سنّ الرشد، و كان أمّيا يجهل القراءة والكتابة، و لكنّ حبّه للمعرفة وشغفه بالعلم أورثاه عزيمة بالنفس وقرارا في العقل هو ضرورة التعلّم، فكان انتقاله إلى العرائش للدراسة، وبعد نجاحه في اختبار الدخول إلى مدرسة المعلّمين، انتدب معلّما بمدرسة الحي الجديد للبنين والبنات بطنجة. اكتشف محمد شكري حبّه للأدب وبدا الكتابة الأدبية، ومن آثاره:
المجموعات القصصية: مجنون الورد / الخيمة . الروايات السوق الداخلي . المسرحيات استارنكوس العظيم أو موت العبقري .السيرة الذاتية : الخبز الحافي / الشطار( زمن الأخطاء) وجوه
وجه التسمية : الشطّار أم زمن الأخطاء
لئن لم يثر عنوان»الجزء الأول من سيرة محمد شكري الذاتية الروائية»الخبز الحافي جدلا فإنّ عنونة الجزء الثاني من هذه السيرة جاءت غائمة أوقعت بعض النقّاد في الالتباس، ذلك أن محمد شكري «كان قد استكمل هذه السيرة /الخبز الحافي بعد سنوات في جزء ثان نشر مرّتين وكل مرّة تحت اسم مختلف، فمرّة «زمن الأخطاء « وأخرى «الشطّار» (2)إنّ وسم الأثر الواحد بعنوانين هو الذي أوهم القرّاء بأنهم إزاء نصّين اثنين، فلماذا كانت التّسمية تسميتين، والعنوان عنوانين فكاد الأثر يستحيل أثرين؟ يجيبنا عن هذا السؤال الدكتور محمّد المخزنجي في استطلاع قام به حول طنجة فكان أن التقى بمحمّد شكري باعتباره من أعلام الأدب في المغرب وتحدّث معه عن الأدب ثم عقّب قائلا: رواية الشطار لمحمّد شكري الذي أخبرني أن الاسم الأصلي للرواية هو «زمن الأخطاء « فقلت له إنّه أفضل فهزّ كتفه مومئا إلى رغبة النّاشر المشرقي (3).
لقد كان النّاشر إذن سبب هذا التمويه، ويمكننا الآن أن نقول مطمئنّين إن «الشطّار» تأبى أن تسلّمنا نفسها من أوّل مرّة، فتصدمنا بتمنّعها وعشقها للمراوغة فعلى الغلاف نقرأ:الشطّار «رواية « إنّه ميثاق روائي»طوبوغرافي « ويخزنا السؤال: الشطّار رواية أم سيرة ذاتية؟ وإلى متى ستظلّ «هذه الشطّار « منفلتة عن كلّ وقيد توهمنا بالشيء وضدّه ؟ ويبدأ البحث من جديد...
الشطّار «زيتونة جذورها في الأرض و فرعها في السماء» أو النصّ بين جاذبية الواقع وتهويمات المتخيّل:
1 الميثاق السيرذاتي: مراوغة الحضور... فتنة الغياب
لا جدال في أنّ «الخبز الحافي « سيرة ذاتية بدليل الميثاق السيرذاتي الذي التزمه محمّد شكري في بداية نصّه، ولكنّه عدل عن ذلك في بداية «الشطّار « فهل هذا يعني إقصاء الشطار من سيرة شكري الذاتية؟ إنّ النقّاد يؤكّدون لنا أن الشطّار سيرة ذاتية روائية مثل «الخبز الحافي « باعتبارها الشطار الجزء الثاني لها، وهما معا يكوّمان نصّا واحدا، ولكنّنا لن نصغي لصوت هذا الناقد ولا ذاك، إنّ شكري وحده مطالب بالإجابة: يطلّ علينا وجه شكري في غضون «الشطّار» قائلا :»أكتب بعض الفصول من هذه السيرة الذاتية عام تسعين»(ص94 ) فهو يعترف إذن بأنّها سيرة ذاتية لا رواية ، هي لعبة التجلي والتخفّي ستظلّ تلعبها معنا الشطّار حتّى منتهاها، ولكن المعترض يمكن أن يجابهنا بقوله: قد يعزى هذا الاعتراف إلى السارد لا إلى الكاتب/ المؤلف وعندئذ ينتفي الدليل على وجود الميثاق السير ذاتي . إن شكري بنفسه هو الذي يدحض هذا الاعتراف، ليس فقط لأن السارد والمؤلف والشخصية شخص واحد بدليل ورود اسمه في العمل وسنعود إلى ذلك في مكانه و إنّما أيضا لأنه يواصل الحديث قائلا :» زارني الصديق المستشرق الياباني نوتاهارا صحبة زوجته شوكو في طنجة ، كان يترجم الخبز الحافي إلى اليابانية «(ص94).
تتوضّح صورة شكري ويزول عنها النقاب، فهو يؤكّد أن هذه السيرة الذاتية تكملة لسيرته «الخبز الحافي « بل إن شكري في حديثه عن ميله للكتابة في المقابر يضع هامشا والهامش صوت المؤلف لا الشخصية يقول فيه :» مازلت أمارس هذه العادة حتّى اليوم، بعض كتاباتي منها الجزء الأول من سيرتي الذاتية الخبز الحافي وهذه التي اكتبها اليوم كتبت فصولا منها في المقابر اليهودية والنصرانية والإسلامية...» (ص28)
يمكننا اعتبار هذه الاعترافات ولا جناح علينا بمثابة ميثاق سيرذاتي راوغنا في حضوره، فجاء طي الثنايا لا متصدّرا الكلم، موهما ايانا بالغياب، فكان حضوره المستتر وايهامه بالغياب فتنة، فهل يؤكّد لنا شكري هذه الفرضية بالضمير الذي استعمله في «شطّاره « ضمير المتكلّم ؟
ضمير المتكلّم : الشهادة / الطعن في الشهادة
يقوم السرد بضمير المتكلّم علامة دالة على انتماء العمل السردي إلى شكل السيرة الذاتية، ذلك أن ضمير المتكلّم المفرد كفيل بصهر كل منن السارد والشخصية والمؤلّف في بوتقة واحدة. فهل يمكن الاطمئنان إلى شهادة المتكلّم على أن العمل سيرة ذاتية؟ إنّ هذه الشهادة وإن بدت للوهلة الأولى مقنعة فإنّها ليست بمنأى عن الطعن: ذلك أن استعمال ضمير المتكلّم ليس تقنية خاصة بالسيرة الذاتية رغم أنّه «قد يذهب ببعضهم (الظنّ) إلى القول بأنّ الرواية هي التي استعارتها من السيرة الذاتية لا العكس ... وهذه الطريقة يبدو على الأرجح أن كتّاب المذكّرات قد استخدموها قبل كتّاب الرواية» هذه الشهادة مطعون فيها إذن لأنّ السيرة الذاتية استفادت من الرواية في توظيف ضمير المتكلّم وهذه الأخيرة أخذته عن المنبع الأصلي: المذكّرات، السؤال هو: كيف يصبح ضمير المتكلّم حجّة على أن العمل سيرة ذاتية ؟
يكتسب حضور المتكلّم هذه الدلالة عندما يصرّح المؤلّف باسمه الأصلي في عمله، وقد ورد اسم محمّد شكري في الشطّار في غير موطن، فهذا التفرسيتي يقدّم البطل إلى أخته أرحيمو قائلا «هذا أخوك محمد»(ص77) ثم هاهو صوت صديقه المختار يناديه «شكري أنا أبحث عنك»(ص59) إنّ عملية تأليفية بسيطة بين الاسم الوارد في الشاهد الأول والاسم الوارد في الشاهد الثاني تجعلنا نتحصّل على اسم السارد والبطل : محمد شكري . أليس هو اسم المؤلّف أيضا؟إن ضمير المتكلّم إذن أمارة دالة على أن «الشطار « سيرة ذاتية، كما أضفى حضور الاسم الأصلي لصاحبها شرعية على هذه الفرضية. أليس شكري هو من قال:»لقد استعملت ضمير المتكلّم لأنّني اكتب عن نفسي « (4) فهل يمكن أن نعتبر أن هذه القضيّة الاجناسية قد حلت وأننا قد وضعنا لا»الشطار» في خانة السيرة الذاتية ؟
لعلّ الوقت لم يحن بعد للفصل في هذه المسألة، فلئن توفّر العمل على شرطين أساسيين هما الميثاق السيرذاتي والسرد بضمير المتكلّم فإنّ هناك تقنية أخرى لها أهمية خطيرة في مدى اعتبار العمل سيرة ذاتية وهي التقنية الاسترجاعية، فهل وقّعت هذه التقنية على حضورها في «الشطّار « ؟
تقنية الاسترجاع وفوضى الأزمنة
لئن اهتمّ «الخبز الحافي « بسيرة محمد شكري مذ كان في السابعة من عمره وحتى بلوغه سنّ الرشد ,فإنّ «الشطّار» جاءت مواصلة لهذه السيرة أي انطلاقا من سنّ الرشد واتخاذه قرار الدراسة، فهي لذلك :»تتّخذ وجهة نظر استرجاعية « (5) أي أن السارد سيلوذ بالذّاكرة باحثا فيها منقّبا عن ذكريات تسعفه لكتابة سيرته فهل تخلص الذّاكرة وتمدّه بكل تفاصيل التجربة المعيشة ؟
«إنّ الذاكرة قلّب خؤون «(6) بهذا يجيبنا جورج ماي ، فلماذا هي الذاكرة عصيّة خؤون؟ يقدم ماي خمسة أسباب هي في نظره مسؤولة عن خيانة الذّاكرة للعمل السيرذاتي هي: النسيان المتعمّد والرقابة الذاتية ثمّ «أن يعيد الإنسان بعد مدّة بناء علاقة بين الأحداث سببية لم يكن لها وجود «(7).
إن العمل السيرذاتي إذن في محاولة سرده للوقائع الماضية لا يلتزم الدقّة والتفصيل وغنّما يخضع هذا الاسترجاع إلى التسلسل الزمني الذي يفضح الثغرات الحديثة التي غيّبها السرد أم أنّه لجأ إلى تداخل في الأزمنة و تشويش يخفي عبره «فضيحة « الانتقاء وكذبة الوفاء للوقائع ؟ لقد جاء السرد في «الشطار « عابثا بالأزمنة، مشكّلا من فوضاها صياغة للحياة جديدة «وأصبح استخدام النصّ للزمن يخضع لسيطرة الراوي على مادته وأولويّات تراتبها أكثر ممّا يخضع للتسلسل الزّمني نفسه «(8) فهو لئن كان يتحدّث عن الماضي فإنّه يفاجئنا أحيانا باستباق للأحداث قبل وقوعها فيصدم تلقّينا باعتبارنا قرّاء، ويخمد فضولنا فإذا الحدث حين يحين أوانه، و قد نزع السارد عنه المفاجأة يصبح باهتا لا روح فيه و ألق : و أكثر استعمال هذه التقنية في النصّ حين يتعلّق الأمر بالموت مثل موت الأب أو الأم أو صديقه المختار «و هذا الاستباق المتعمّد للموت ينفي أثره الفاجع عند حدوثه ، و يقلّل من تأثيره السّلبي على عالم النصّ «(9) إلاّ أن هذا الاستباق لم يكن حكرا على مسألة الموت بل يستعمله السّارد أحيانا عندما يتحدّث عن شخصيّة معيّنة و يتذكّر معلومة تتعلّق بها يعرفها بعد زمن من ذاك الذي هو بصدد استرجاعه. فيذكرها قبل أن يصل بالسرد إلى الزمن الذي وقعت فيه تلك الحادثة أو حصلت به هذه المعلومة في الواقع، إنّها لعبة الزمن حيث السارد سيّد عليه لا مسود و فاعل فيه لا منفعل.
و لم يكتف شكري بتقنيتي الاسترجاع و الاستباق ، بل يعمد أحيانا إلى لعبة الحضور والغياب ، فإذا به يطلّ علينا من نافذة «الشطّار» بوجهه و صوته هو المؤلّف محمد شكري الآن و هو يكتب «مذكّراته»، و إذا «بعملية التقريب بين ماضي الذكرى وحاضر الكتابة أو المجابهة بينهما «(10) تذيب الحواجز بين شكري و القارئ ، فيعود القارئ مع السارد إلى ذلك الزمن الذي يسجّل فيه أحداثه أو «مذكّراته» إنّها عمليّة ترهين للوقائع ، من خلالها» يوهم السارد قرّاءه بأنّه يسجّل ملاحظاته و خواطره آنيا و ليس استرجاعيا.»(11)إن فوضى الأزمنة في الشطّار هي التي جعلته نصّا هجينا مزيجا من السيرة الذاتية لقيامه على الاسترجاع و للأسباب المذكورة آنفا و الرّواية التي عرفت في طورها الأخير هذا التلاعب بالأزمنة الذي يضفي على النصّ طابعا تجريبيا حداثيّا فهل أن استفادة الشطّار من بعض تقنيات الرّواية جعل الحقيقة باعتبارها مطلبا في السيرة الذاتية غائمة تنزع إلى معانقة المتخيّل من الحلم و الخادع من الوهم ؟
الحقيقة: الوهم اللّذيذ
يتعامل القارئ مع الميثاق السيرذاتي باعتباره شرط قيام السيرة الذاتية بوصفه وعدا ضمنيا من المؤلّف بقول الحقيقة أو جملة الحقائق المكوّنة لتجربة حياته ، و لذلك ينتظر منه الوفاء بالوعد رغم ان هذا الإعتقاد من القارئ هو محض خداع للنفس لان السيرة الذاتية من حيث ماهيتها المفترضة ليست التزاما بقول الحقيقة لأنّ «قضيّة الحقيقة في السيرة الذاتية هي على الأرجح قضيّة زائفة ، إذ أن السيرة الذاتية من حيث هي سيرة ذاتية مجافية للحقيقة»(12).
إنّ السيرة الذاتية من حيث قيامها على انتقاء الحوادث أسلوبا و على التخيّل صياغة ، و هما مستفادان من الرواية ، إنّما تعلن عدم تقيّدها بالحقيقة الواقعيّة ، إذ الحقيقة وفق نظرة فلسفية لا تعني بالضرورة الوقائع كما حدثت بل هي تكتسب مفهومها وفق نظرة الإنسان إليها ، فالحقيقة يمكن ان تكون المنشود ، كما يمكن أن تكون الموجود ، و هي يمكن أن تعبّر عن الوقائع كما يمكن أن تعبّر عن المتصوّرات الذهنية المجرّدة فهل أن عدم قول المؤلّف الحقيقة في سيرته يعني أنه كاذب غير صادق ؟ و إذا ما اعترف الكاتب بأنّه ليس صادقا في تدوينه لسيرته هل يظلّ متّهما بالكذب «أفلا يكون أصدق كتاب السيرة الذاتية أولئك الذين يعترفون هم أنفسهم بعدم صدقهم «(13) لئن كان اعتراف بعض الكتاب بعدم التزامهم الصدق في كتابة سيرتهم يجعلهم بمنآى عن سهام النقد فإن المتكتّمين عن مسألة الصدق ، أو الذين يوهمون القارئ بصدقهم ، مع انّها مسألة مغلوطة ، يظلّون أكثر عرضة لانتقاد المنتقدين رغم أنّ مطلب الصدق كمطلب الحقيقة كلاهما مثالي يروم التحقّق دون أن يتحقّق لأن كتابة السيرة عمل أدبي بالأساس لا تاريخي ,و هو لذلكلا يمكن أن يعد بالصّدق في قول الحقيقة و هي بوصفها عملا ابداعيا «لا يمكنها على الاطلاق أن تكون إعادة امينة لمجمل تفاصيل صاحبها ، و غنّما تعبّر عن توق دائم للاحتفاظ بوجود مستمرّ ، إنّها تجديد و دفع آخر لمراحل الحياة الماضية «(14) عن السيرة الذاتية إذن إعادة انتاج للحياة و صوغ فنّي لها و ليست نسخا باهتا و تكرارا لا إضافة فيه لحياة إنسانية، خالية من ألق الإبداع ، و لكنّ الفضول أبدا سمة القارئ يبحث دائما عن حقائق الأشياء حتّى أنه يخترعها في روايات الكتّاب ، فيحكم على هذه الرواية أو تلك بأنّها ترسم حقيقة الكاتب حتّى و إن نفى الكاتب نفسه ذلك ، و لعلّنا بعد الخوض في مسألة الحقيقة والصدق والكذب ، نتوق لمعرفة موقف محمد شكري الذي يعنينا من هذه المسألة يقول :» أنا لا يهمني الصدق والكذب ، كل ما أفكّر فيه وكل ما أكتبه حقيقي حتّى ولو لم أعشه»(15) إن مفهوم شكري للحقيقة يوسّع من المفهوم التقليدي الذي يخنق انفاس السيرة الذاتية، ويطالبها بقول الحقيقة ، وكأنها متّهم يحاكمونه و يعطي مجالا اكبر للكاتب في تدوينه لسيرته الذاتية تدوينا تلقائيا ليس محكوما بالقرارات و الاستجوابات ، فإنّ كانت الحقيقة في السيرة حقائق فهل يعني هذا نزوع الواحد إلى المتعدد و ملابسة المتخيّل للواقعي في جميع مشكّلات السرد السيرذاتي ؟ أي هل المكان في الشطّار مكان حقيقي ؟ ام هو إحدى بدع المؤلّف ؟
الفضاء: الأصل الباهت و ألق التعبير
عرف المكان في العمل السردي تطوّرات هامّة وفق وجهة نظر النقّاد إليه وتبويئهم إياه المكانة العليا او الدنيا فهو يكاد ينفرد بسلطة مطلقة في بعض الاعمال ويكاد يغيّب في اعمال اخرى ، أمّا كاتبنا محمد شكري فيعرب عن شدّة تعلّقه بالمكان :»لي ارتباط جدّا بالمكان، أنا أقدّر مايسمّى بجمالية المكان في القصة او الرواية رغم انّه مذهب كلاسيكي واقعي «(16) و لقد تعدّد المكان في الشطّار و تنوّع ما بين ثابت و عابر ، و سنحصر أهمّ هذه الأمكنة.
طنجة : «عروس المدائن»
طنجة ... هي القطب في»الشطار « منها المنطلق و إليها العود ، فالسّارد يعود إلى طنجة مهما ابتعد عنها ، ولها في نفسه مكانة أثيرة فطنجة هي «مركز العالم بالنسبة لهذه السيرة الذاتية ، و الفتها و السيطرة عليها هي غايتها»(17) و قد كانت طنجة مهدا لبداية تعلّم القراءة والكتابة بالنسبة للسارد كما أنّها احتضنت لياليه في الحانات والخمّارات ، ولعلّ المقهى ودور الدعارة هي أهم أماكن طنجة المحبّذة عند السارد ، ورغم انه كان من المفترض أن تكون هذه الأماكن عابرة إلاّ أن ما حدث هو «تحوّل أماكن الانتقال في السيرة إلى أماكن إقامة « على عكس البيت الذي كان يفترض أن يكون دالا على الإقامة فإذا به أصبح في الواقع «مكانا انتقاليا بالنسبة إلى السّارد»(18).
إنّ هذا الانقلاب في دلالة المكان على السيرورة أو السكون يعدّ انقلابا هامّا ولكنّه ليس غريبا إذا ما أعدناه إلى أصله : سيرة محمد شكري ، فهذا شكري ظلّ منتقلا من مكان إلى مكان لا يهدأ و لا يستقرّ ، متردّدا أبدا على المقاهي و الحانات فكيف لا تصبح هذه هي الأصل و ما عداها فرع لا مستقرّ ؟ أمّا المقهى فقد كان متنفّس السارد الذي يشعر فيه بالرّاحة و الاستمتاع رغم أنّه كان محتضنا للرّديء من القيم «كتداول أصناف المخدّرات، الكيف و الحشيش «(19) و لكنه رغم ذلك يحلو للسارد التردّد عليه :»أبقى في القهوة حتى تغلق «(ص33). إن المقهى لم يكن فضاء الممارسات المشبوهة فقط بل كان أيضا الفضاء الذي يكتب فيه السارد أحيانا بعض مذكّراته أو يطالع بعض الكتب ، يقول متحدّثا عن صديقه المختار :»حين عرف أني ارس أخرج من جلبابه الصوفي كتاب» مدامع العشاق الثلاثة لزكي مبارك ، عرض علي أن نفطر معا على حسابه في مقهى سنترال و نقرأه (ص34) إنّ المقهى هو الفضاء الذي يحقّق للسارد الإستقلال دون انغلاق ، ففيه يمارس هواياته و فيه يلقى أصدقاءه ، و فيه يتعامل مع الآخرين بوصفه كائنا اجتماعيا لكن دون أن يخسر استقلاليته و إذا المقهى «تعويض على الذات الفردية الممزّقة «(20) اما دور الدعارة ، فقد كان يلبي فيه السارد نداء الجسد دون تردد او تفكير «لان مسّه الغلاّب كان انحلال روحه في جسده «(21) و لم يكن الجنس بالنسبة إليه مسألة عابره ، بل كان همّه الاول و الأخير ، و كان خيطا يشدّ كل سيرته الذاتية و يصنع منها سمفونية موقّعة على أوتار الجسد ، هذا الجسد الذي يحتفي به شكري احتفاء كبيرا بطقوسه بنشوة ثملة إلى درجة أنه غدا مصابا بهوس اللذّة الجنوني «(22) لقد أحب شكري طنجة بشوارعها و مقاهيها و حاناتها و لعلّ هذا ما حدا بمحمّد برادة ليسأله:»هل أجازف فأقول بأنّك عوّضت حب المرأة بحبّ طنجة»(23).
العرائش : موطن الشعور
لقد كانت العرائش محطة هامة في حياة شكري بل كانت موطن مولده الجديد ففي العرائش بدا رحلته مع العلم الذي ملأ عليه فضاء قلبه و الذي يرى أن مصيره الجنون ان لم يحصل عليه ، و في العرائش عرف شكري لذة أخرى غير لذّة العقل ينير له العلم دروبه ، و في العرائش عرف مشاعر الأبوّة دون ان يكون ابا من خلال «عاطفته الأبوية نحوى سلوى طفلة فطيمة «(ص94) هذه الطفلة التي اراد بعطفه عليها ان يعوّض نفسه عن طفولته البائسة القاسية مع والده المتوحّش فكان يلعب معها دور الأب آخذا إياها في نزهة او مراجعا لها دروسها كما عرف في العرائش الخوف على أمذه المريضة «فقرر أن يعودها في تطوان»(24).
المقابر : ميلاد كلمة
إنه ليبدو غريبا من رجل يملأ الضّجيج حياته والنّاس ، و ما ينفكّ ينتقل من زحمة الشوارع إلى اكتضاض المقاهي وامتلاء الحانات ، ليبدو غريبا منه أن يحبذ المقابر وهي الهدوء والسكون ، هذا الرجل الذي خبر الحياة وخبرته وتمرّس بها وتمرّست به حتّى أضحى شعلة من حياة ، كيف يطيب له المقام مع الأموات و هو القائل «أحيانا لا أعرف كيف أكتب حتى أكون جالسا في مكان معيّن «(25). لقد راقت له المقابر مكانا يستوحي منه الجزء الاول من سيرته الذاتية و كذلك بعض الفصول من الجزء الثاني لسيرته باعترافه هو نفسه فهل « يدلّ (هذا) على مزاج منحرف غريب أفرزته وقائع منحرفة غريبة ؟ «(26). إن شكري يستلهم من فضاء الموت معنى الخلود فحيث يقبر الإنسان تولد الكلمة لتظلّ حيّة و لو بعد آلاف السنين ، فللمقابر رهبة تملأ مرتاديها خشوعا واحساسا بعظمة الحياة و ثقة في زوالها امام عظمة الموت الخالدة التي لا يمكن أن تقف في وجهها إلا عظمة الكلمة ، و لكن السؤال الذي لا يمكن أن تجاوزه هو: هل جاء المكان في «الشطار « نقلا امينا لصورته في الواقع أم أنه استفاد من الجمالية التي يضفيها السرد الروائي على فضاءاته ؟ يجيبنا شكري بنفسه عن هذا التساؤل عندما يورد لقاءه بنوتاهارا الذي ترجم له «الخبز الحافي « إلى اليابانية و قد أراد أن يرى الاماكن رؤية العين لتكون الترجمة أفضل فرأى صهريجا كان قد وصفه شكري في سيرته فاستغرب من وصف شكري له بأنّه جميل رغم أنّه ليس كذلك فأجاب بأنّ «هذه مهنة الفنّ أن نجمّل الحياة حتى في أقبح صورها ، إن هذا الصهريج انطبع في ذهن طفولتي جميلا ، و لا بدّ لي أن أستعيده بنفس الانطباع حتّى و لو كان بركة من الوحل «(ص 94)، و هكذا يرى شكري أن سيرته الذاتية عمل فنّي و ليست مجرّد عملية تأريخية للأماكن و الوقائع ، و هو في ذلك يستفيد من التقنية الروائية التي تخلع على الأماكن ايحاء و تعابير و تجعلها بعيدة عن الحياد و غياب الدلالة ، فإذا هي أعمق في النفس و أوغل.
الشخصيات : صوت الواقع ... سحر المتخيّل
يشكّل مجموع الشخصيات المتنوّعة عالم «الشطار»السردي ، ويؤثّثه ولكن قبل البحث في سيمات هذه الشخصيات يرغمنا الذّهن على العود إلى البدايات : إلى عنوان الأثر:»الشطّار» من هم الشطّار ؟ و ما هو ادب الشطّار ؟ إنّنا في تعريفنا للشطّار لا بدّ عائدون إلى الآثار التي عنيت بأوّل ظهور لهم في الدولة العبّاسية، إذ يورد الأستاذ مصطفى التواتي تعريفا لهم كان أخده عن كتاب «تاريخ التمدّن الاسلامي « لجرجي زيدان :»الشطّار هم أكثر انتشارا من العيارين وهم يشتغلون باللصوصية وقطع الطرق و التحيّل والشعوذة . و هناك طوائف اخرى من العامة كالصعاليك و الحرافيش «(27) وإذا كان هؤلاء هم الشطذار فلا عجب في ان يعكس أدبهم نمط عيشهم والشخصيات الفريدة التي يتمحور حولها ذلك الأدب بوصفه أدب المهمّشين ، و هو لا شكّ يرسم نوعا محدّدا من طرائق السلوك الإجتماعي و المنظومة القيمية «لكنّ علاقة سيرة محمد شكري الذاتية (التي وسمها بالشطارية) بأدب الشطار العربي القديم لا تنهض على محاكاته بقدر ما تقوم على استقطار روحه و تشرّب مختلف أبعاده ، ثم إعادة انتاجه في هذه الصيغة الروائية الجديدة «(28) فعلام نهض بناء الشخصيات الشطّارية او المهمّشة في «الشطّار»؟ قبل الولوج إلى دخائل شخصيات الشطار لا بد من النظر في علاقة السارد بهم اجمالا، وإذا ما كان قد حجب عنّا النّظر إليهم أم كشف لنا بنفسه عن صورهم، وهل يمكن الفصل بينه وبينهم باعتبارهم ذواتا مستقلّة ؟
«تتجلّى شخصية السارد في السيرة الذاتية من خلال هيمنتها الكلية على الحكي والمحكي واستقطابها لسائر الاحداث والوقائع عن طريق علائق تربطها بالشخصيات التي تشتغل وظيفيا للتعريف بمختلف جوانب شخصية السارد «(29) إنّ الشخصيات إذن صور من السارد موجبه او سالبة و لكنّ وظيفتها هي اضاءة السّارد، فهي بأحجامها المتباينة وأشكالها المختلفة إنّما ترمي إلى نحت صورة السارد في مختلف أبعادها .و لئن اهتمّ شكري بطفولة المهمّشين في الجزء الاول من سيرته الذاتية «الخبز الحافي « فإنّه في هذا الجزء الثاني يواصل رحلته معهم ليصف الشباب المهمّش وحتى الكهولة والشيخوخة المهمشة وهي اقسى انواع التهميش .فأما الطفولة التي ودّعها شكري في»الخبز الحافي» فيجد صورتها ماثلة امامه في»الشطار « ومنذ الصفحة الاولى، هي صورة بائسة لطفل صفعت السارد بالماضي الأليم و الذكرى المريرة عندما رأى «صورة ماضيه المتمثّل في هذا الطفل المتّسخ الذي كانه و لكن انفصل الآن عنه بطريقة تسمح له بالكتابة عنه من مسافة محايدة و لكنها حانية « (30)و لكنّ السارد يحاول نسيان هذه الطفولة البائسة يحدوه الأمل في تحصيل العلم و اتّخاذ مكانة مرموقة في سلّم المجتمع، إلاّ أنّه خلال فترة دراسته يعيش حياة الصّعلكة التي عاشها طفلا، و لا تخفّ وطأة هذه الصعلكة إلاّ عندما يستقرّ السّارد في عمله و يصبح له راتب شهري، أمّا قبل ذلك فقد كان طالبا بائس الحال :»ثيابي تتسخ و تبلى و تفوح منها روائح جسدي، و القمل يعشّش فيها، حذائي يسوّد إليه الماء، شعري يقزّز و يتدبق و سخا «(ص 32) كان شكري يعيش هذا الوضع و قد جاوز سنّ العشرين، و كان يجد في الدراسة خير معوّض له عن الحالة الرّاهنة، ويرى عادل فريجات أن من مظاهر صعلكته واضطرابه وضياعه أنّه لم يكن يعرف أفراد أسرته، ولئن طغى وصف السّارد لمظاهر بؤسه فإنّه لم يغفل الإشارة إلى الحياة المهمّشة لأصدقائه في الدّراسة، و إلى»شخصيات القاع الاجتماعي التي عرفها في حياته السابقة «(32)، لكنّ تميّز شكري عن رفاقه بحبّه للعلم و حرصه على الدراسة جعله يشعر بالفخر وبأنّه في موقع قوّة، و تظلّ علاقة شكري بالبغايا إحدى علامات صعلكته وعدم استقراره، ولكنّ معاملته لهنّ لم تكن تخلو من مواقف إنسانية مثل علاقته بفطيمة أم سلوى التي كان يحترمها و يعطف على ابنتها، إضافة إلى تعاطفه مع الاخريات، فهو لا ينظر إليهن نظرة النّاقد المستهجن أوالنافر المحتقر، بل يبرز باختراقه «لهذه الفضاءات الممنوعة، بيوت الدّعارة ان شخوصها المؤنّثة ضحايا ظروف القهر المادي والمعنوي الذي مارسه المجتمع عليهن و دفع بهنّ إلى عالم البغي والفساد» (33)، و تظلّ علاقة السارد بأمّه وابيه علاقة مميزة تستوجب الوقوف عندها: إنّ الأم و الأب في «الشطار « وجهان لا يلتقيان ، فبينما كانت الأم الوجه الملائكي في السيرة الذاتية، الوجه الحنون الذي يمثّل مرفأ الأمان للسارد، جاءت صورة الأب «الوحش» الحيوان عنيفة، مشوّهة مرعبة، دالّة على الكراهيّة و العنف و الموت في ابشع صوره، ذلك أن الأب كان هو من قتل إبنه الصغير ، أخ السّارد، كما ورد في»الخبز الحافي « فانطبعت صورة الأب في ذهن إبنه صورة دمويّة و هو أيضا الذي كان يستغلّ إبنه / السارد، بأخذ أجره الذي يتقاضاه عن عمله، و يشتم زوجته باستمرار، إنّه الوجه / المسخ، في حين كانت الأمّ على عكس ذلك رمزا للمحبّة والتضحية بخروجها للعمل إثر سجن زوجها، رغم منافاة ذلك للتقاليد الريفيّة، و قد اختصر السّارد جميع المشاعر الجميلة ليتّجه بها نحو أمّه، أو لم يقل إثر فجيعته فيها «لم استمر يوما من حياتي كما استمررت هذا اليوم، بموت أمّي تموت كل أسرتي» (ص202). أما الوالد على العكس من ذلك , فقد كان يقتله السارد في خيالاته عديد المرّات، و يتمنّى بجدع الأنف لو يقتله حقيقة، ألم يعترف في»الخبز الحافي» في الخيال لا أذكر كم مرّة قتلته، لم يبق لي إلاّ أن أقتله في الواقع «(ص89).
إنّ تمنّي الموت للأب الذي أصبح رامزا للجريمة إنّما هو الحلم باجتثاث الذكرى . الفاجعة، التي يحملها من الأب و التي لازمت السّارد عمره إنّها أمينة مشروعة لمّا تجاوزت أن تكون مجرّد كراهية لشخص لتستحيل نفورا و تقزّزا من جملة السّلوكات الشائنة، و القيم الرديئة و الأنانية المؤذية التي أصبحت دوالا لمدلول واحد هو الأب، كما صوّرت لنا «الشطّار» نماذج أخرى لشخصيات أجنبية مثل شخصية «لوشوفاليي»، هذا الذي قرّر في لحظة أن ينسف على الشاطئ كل القصص التي كتبها فإذا «ذكريات أكثر من ستين عاما تتلاشى دون رحمة أو ندم «(ص169).
إنّ الفصل الذي اهتم بوصف الحالة المأساوية للشوفاليي يذكّرنا بالتراجيديا اليونانية التي ترسم صراع الموت و الحياة و الحاضر و الماضي، لكأن لوشوفاليي شخصية تراجيدية , و القارئ لهذا الفصل يلاحظ عمق تأثيره في السارد، و تنتقل عدوى مشاعر القلق و التهيّب إلى نفوس القرّاء، هو ما جعل محمّد برادة يتوجّه إلى محمد شكري قائلا له عن شخصية لوشوفاليي تتحدث عنه «و في الآن نفسه تتحدّث عن نفسك لأنّك تجعله مرآة محتملة لشيخوخة بئيسة، يموت خلالها الكاتب المبدع الحالم، بالتقسيط «(34) رغم أن السارد لم يكن معجبا بكتابات لوشوفاليي، ولكنه كان يحيّ فيه هذا الوعي بالزّمن و بالعالم، و كان يعجب بصداقة لوشوفاليي لجورج رغم أن «الأول ملحد والثاني متديّن « و بما أن»كائنات الورق تكون دائما كما عرّفها بو فاليري شخصيات لأحياء بدون أحشاء، أما الشخصيات التي لها أحشاء فلا وجود لها في السيرة الذاتية «(35) فإن شخصية لوشوفاليي بوصفها كائنا حيّا حقيقيا حتى و إن أضفى عليها المتخيّل بعدا أكثر أيحاء يكون تأثيرها في النفس أعمق و أقوى، فهي رمز للشخصية الإنسانية في كل مكان و زمان حين يعصف بها الألم و يجرفها تيّار العمر نحو مرافئ النّهايات و الإنسان هو» كيف ينتهي و ليس كيف يبدأ»(ص172) على حد عبارة لوشوفاليي.
لئن التبس المتخيل بالواقع في رسم ملامح هذه الشخصيات، فإنّ هذا المتخيّل ليرتسم لنا بصورة فاضحة في الفصل المعنون ب» المنسيّون» الذين دارت أحداثه في مستشفى المختلّين عقليّا، هؤلاء الذين أنطقهم السارد بحديث رامز لا يقبل المنطق أن يكون صادرا عنهم، هؤلاء الذين يجدر بهم ألاّ يعرفوا بسيط الأمور فإذا بهم يطالعوننا حكماء يتناقشون حول الموت و الحق و الإنسان، و الزمن و العقل و الجنون و الحب، مثل قول عمر معبّرا عن حاجة الإنسان للتفكير في واقعه أكثر من تفكيره في غيبيّات المسائل «كفانا من أخبار الأولين و الترّهات، هاتوا الخبز و الماء و السجائر «(ص142) . ألم ينطقه محمد شكري بما أراد أن يقوله هو، ألا ينقد من خلال هذا القول الخطباء والزعماء الذين يملؤون أسماع الفقراء بأحاديث لا صلة لها بواقعهم المأزوم و تدخّل منصور «ليس سهلا أن يجنّ الإنسان و صعب أن يعقل حتى لا يجنّ»(ص143) ماذا يقصد منصور بيعقل ؟ إنها قابلة لقراءتين، إذا كانت يعقل مع ضمير الغائب المفرد أي من العقل فيعني أن محافظة الإنسان على عقله أكثر صعوبة من الجنون، و ان كانت يعقل في صيغة المبني للمجهول من العقال، فالمقصود هو أنّه اذا كان الجنون صعبا فانّ الأصعب منه هو مصادرة كلمة الإنسان أو حركته أو حريّته، انّه نقد للقائمين على مصادرة الأموال و الأرواح، أليس حديث هؤلاء المجانين متخيّل الاّ أقلّه؟ أنّى للمجانين كلّ هذا الوعي بالواقع و بالعالم؟ ألا يرمز شكري من خلال ذلك الى أنّ العقلاء في المستشفى و المجانين خارجه؟ ألا يقصد شكري أنّ الأصحّاء محجوزون و أنّ المرض متفشّ في خلايا جسد الواقع المعلول؟ انّ الشخصيات في الشطّار ما بين منحوتة من صميم الواقع و أخرى أبدعها المتخيّل.
لقد أفسح السّارد في الشطّار للشخصيات حتّى تعبر عن نفسها غير مرّة، فهل يعني ذلك أنّه محايد لا يفرض سيطرته على أحد أم هي «كاريزما» السّارد توهم بالحياد و لا حياد؟
كاريزما السّارد و وهم الحياد:
إنّ «السيرة قصّة انسان فذ أو متميّز بكلّ ما ينبض به قلب هذا الإنسان من أحاسيس وعواطف و ما اعتور عقله من فلتات الذكاء الفذّ و الخيال الجامح»(36) فهل يعني هذا أنّ السّارد يمارس سلطة على ذاته فيضخّمها و يجعلها مبتدأ العمل و منتهاه، فيقوم بتغييب كلّ ما عداها؟ انّ الحضور القوي و الرئيسي لذات السارد في السيرة الذاتية بوصفها سيرته بالأساس لا يمنع محاولته التزام الموضوعية فيما يسرد قدر الإمكان لأنّ «النصوص الأدبية الحديثة التي تنتمي الى السيرة الذاتية زاوجت بين الوصف الذاتي و الوصف الخارجي»(37) وكانت الشطّار احدى هذه السير التي اتخذت هذا المنحى، فقد استفادت سيرة شكري من فن المذكرات في اهتمامها بالحوادث العامة والوقائع الخارجية فكانت ترسم ملامح الآخرين كما ترسم ملامح «الأنا» و تجهد لإضهار الحياد و لكنها مهما ادّعت هذا الحياد، فانه حياد مجروح، ذلك أنّ السيرة الذاتية بوصفها سيرة فرد لا تستطيع التخلص من طغيان الذات لأنه في «جميع روايات السيرة الذاتية تنقسم الذات على نفسها لأنها هي التي تكتب وهي التي تكون موضوع الكتابة»(38) و هذا الإنقسام للذات ما بين ذات و موضوع هو الذي يكثف حضورها في السيرة الذاتية، فهي الحامل والمحمول في آن لأن السارد ينصّب نفسه حكما بين الشخصيات يحكم لصالح هذا و ضدّ ذاك، و يلقي أضواءه على الجوانب التي يريد إضاءتها من هذه الشخصيات. و شكري في سيرته يخلع على نفسه كاريزما الصوت الواحد حين يعلو صوته على أصوات الجميع حتّى لتكاد تستحيل هذه الأصوات همسا و كأنه ينظر إلى هذه الشخصيات من فوق مراقبا و ناقدا و شاعرا بامتيازه عليها. و ليس غريبا أن يختلف حضور السارد في الأجناس الأخرى التي تسعى الى جعله محايدا عن حضوره في السيرة الذاتية التي لا تؤمن بحياده و ان أوهمت به، لأن الأجناس الأخرى تبني عالمها من الداخل لا من خارج هذا العالم «أما كاتب السيرة الذاتية فمدار عمله على موادّ ذاتية اساسا وهي ذكرياته الخاصة»(39) ، فلاغرو أن تكون خصوصية السيرة الذاتية طاغية علي موضوعاتها الجانبية، فهل يعني هذا أن النص السيرذاتي يرشّح الذات و ينفي الجماعة؟
النص بين أوجاع الذات و هموم الجماعة:
إن الحياة الإنسانية حياة صراع لا يني، صراع بين الخير والشر، وبين الحلم والواقع وبين الفرح والألم، و لكل إنسان رؤية في الحياة و موقف منها، أمّا شكري فيعتبر السعادة لحظات هاربة معترفا بذلك في الشطار، فإذا الوجع عنده هو الجوهر الدائم. و لأن القوى غير متكافئة بين الإنسان و قوى الدّمار و الحزن التي يصارعها، فمن المرجّح أن ينتهي الصراع بفشل الإنسان. وحينئذ تبدؤه نار السؤال: هل لحياته معنى؟ فلا يظفر بالمعنى إلاّ إذا كتب سيرته الذاتية إذ «ما كتابة سيرة من السير الذاتية إلاّ بهدف أن يخلع الكاتب على غير متكافئة بين الإنسان و قوى الدّمار و الحزن التي يصارعها، فمن المرجّح أن ينتهي فمدار عمله على موادّ ذاتية اساسا وهي ذكرياته الخاصة»(39) ، فلاغرو أن تكون خصوصية الذاتية يبقى ذاتيا، و لكنّ العمل لا يظل رهين الذات وحدها بل يتجاوزها ليعبّر عن هموم لحظات هاربة معترفا بذلك في الشطار، فإذا الوجع عنده هو الجوهر الدائم. و لأن القوى الفرح والألم، و لكل إنسان رؤية في الحياة و موقف منها، أمّا شكري فيعتبر السعادة إن الحياة الإنسانية حياة صراع لا يني، صراع بين الخير والشر، وبين الحلم والواقع وبين المسؤول الأوّل عن معاناته، فهو أيضا يدوّن حياة الشطّار رفاق الصعلكة، رفاق أمسه وحاضره ، هؤلاء الذين جار عليهم المجتمع فأقصاهم من دائرته، فإذا هم يكوّنون مجتمعا داخل المجتمع، و لا يمكن لشكري أن ينسلخ عن جماعته و لا أن يتجاهل صراعه مع الجماعة المهاجمة لأنّ «السيرة الذاتية تصحيح لمسار الحياة» ، و كل كاتب سيرة يقدّم البديل الذي يرتئيه لهذا التصحيح إلاّ «أنّ البديل الذي يطرحه الكاتب لتصحيح مسار حياته غالبا ما يربطه بالقيم الاجتماعية و الأهداف التي تشكّل وعي الجماعة التي ينتمي إليها أو يعبّر عنها «(42)، و لذلك يوجّه شكري نقده بطريقة ضمنية إلى الظلم الذي يمارسه المجتمع على البؤساء ممّا أوصلهم إلى مصير التشرد و الضياع، و على الفتيات منهم فأوصلهنّ إلى دور الدّعارة حيث الانتكاس لا يعرف طريق النّهوض، وهو يستغرب من هؤلاء الذين ثاروا على كتاباته لما فيها من أبعاد جنسية و لم يحاولوا تطهير المجتمع ذاته من أدران الفساد، إنه ينقد العقد النفسية التي يعانيها المجتمع الشرقي عموما و المغربي خصوصا:»نحن نسمح للدّعارة أن تكون في الشارع و لا نسمح لشخصية روائية أن تتعهّر»(43)، و هذا جزء من العلل التي تنخر المجتمع المكبوت الذي لا يحبّ مواجهة نفسه بأمراضه و عقده بحثا لها عن حلّ، و إنّما يفضّل الكتمان و المواربة، كما يقدّم لنا شكري دكتاتور اسبانيا فرانكو في صورة بشعة تبرز لنا موقفه منه.
إنّ السيرة الذاتية تنطلق من الذات ، و تعود إليها تنطلق باحثة عن أسئلة الوجود، عائدة بأجوبة أو بعض أجوبة، و لكنّها في انطلاقها و عودها لابدّ مارّة بالجماعة، مسائلة همومها وعللها، محاولة طرح رؤية أو رؤى جديدة، وهي بذلك تؤكد لنا أن معرفة « الأنا» لابدّ ضرورة أن تمرّ عبر الآخر، لا غرابة في ذلك و لا تناقض، بل هو أمر طبيعي، ذلك أنّ» السيرة الذاتية تقوم على ضرب من التوثيق مختلف عن اليوميات الخاصّة، هو التوثيق الذي ينبع من الذكريات»(44) .إن هذه السيرة الذاتية التي لها من الحياة موقف مخصوص لاشكّ أنّها تنظر إلى الموت أيضا من زاوية محدّدة، فكيف نظرت السيرة الذاتية عموما إلى الموت؟ و كيف رسم محمد شكري الموت في سيرته الذاتية؟
السّيرة الذاتية: إماتة الموت و البعث الجديد
لقد بحث جورج ماي في أوجه الإختلاف و الإئتلاف بين جنسي السيرة و السيرة الذاتية معتبرا أن الموت هو أحد العلامات الفارقة بين الجنسين، فبينما يرد تصوير المشاهد المؤثّرة و المتعلقة بالموت في السيرة : موت الشخصية «البطلة»، لا نجد ذكرا لموت الشخصية في السيرة الذاتية لأنّ العمل السردي ينتهي دون أن تموت الشخصية، فالسارد يهدف من خلال تدوين سيرته إلى تحدّي الموت و هزمه «ولعلّ التقابل بين اليقين الذي يملأ على كاتب السيرة نفسه و بين الشك المحتوم الذي يلازم كاتب السيرة الذاتية، يتميز عن سائر الإعتبارات بأنه ببرز ما ينطوي عليه المشروع السيرذاتي في جوهره من طابع مأسوي»(45)، و كما كان الموت قد سجّل حضوره في»الخبز الحافي» بموت أخ السارد منذ الصفحات الأولى بطريقة وحشية على يد الوالدن فقد سجّل الموت حضوره أيضا في «الشطّار» إن على مستوى الأحداث (موت الأم و موت الأب) أو على مستوى القول عند استباق السارد لموت صديقه مختار و استباق موت الأب و الأم، بل إنّ «الهرب خارج البيت، الهرب من العنف، من الأب و من الموت هو موضوع السيرة كلّه»(46)، كما يحضر الموت بكثافة من خلال الأشخاص الذين لا علاقة لهم بالسارد مثل الشاب الذي انتحر فوق صخور ميناء طنجة ، بل إن علاقة السيرة الذاتية لشكري بالموت انطلقت منذ الفصل الثاني»حين يفرّ السّادة يموت العبيد» حيث مات عبد الباشا ولكنّ ما يشد الإنتباه هو أن السارد يحب الموت رغم قسوته وما يبعثه في النفس من ألم و رهبة، فهو يتساءل «لا أعرف ما يحفّزني دائما إلى التجوّل في المقابر؟ أهو سلامها أم هي عادتي أيّام نومي فيها أم حبّا في الموت؟»(ص 28). وهو يفضل مقابر القرن التاسع عشر لأنه يحب «الموت القديم» كما يقول.
ينهض الموت في «الشطّار» خيطا رفيعا ينتظم السيرة الذاتية، فيتجلى آنا و يختفي آونة، غير أنه يشدّ السيرة إلى بعضها كما يشدّها إلى جزئها الأوّل «الخبز الحافي»، و لكن السيرةالذاتية تحاول إعادة صياغة الحياة و تخليد الذات عبر الحرف، و لهذا نحن نتساءل: هل يحبّ شكري الموت حقا؟؟ فلم يهابه و يخشاه لو صحّ هذا؟ و لم يرى في شيخوخة» لوشوفاليي»البائسة صورة لنهايته المحتملة؟ أليست السيرة الذاتية بوصفها محاولة لإحياء الذات من جديد إحياء لا يصله الموت هي محاولة لهزمه و الإجهاز عليه؟ أليست السيرة الذاتية هي السبيل الوحيد لإماتة الموت؟
النص بين أوجاع الذات و هموم الجماعة:
إن الكتابة السيرة الذاتية هي إعادة صياغة العالم بالكلمات، و لهذا تحتلّ اللغة أهمية بالغة في العمل السيرذاتي، لأنها ترسم عالما توهم بمطابقته للواقع، و القارئ كذلك يتعامل معه على هذا الأساس، فيحاسب المؤلف على مدى تطابق سيرته المكتوبة مع سيرته المعيشة، ولكنّ المؤلف لا يريد نسخ الواقع في عمله فهو»كائن يريد أن يحقق وجوده، و لن يتمّ له ذلك إلاّ بواسطة اللغة، إنه يتجاوز الرموز إلى خلق أنماط خيالية انطلاقا من شبكة الرموز ذاتها الكاتبة يجعل لغتها أكثر كثافة و بعدا عن المباشرتية، فلئن حاول شكري أن تكون لغته الذاتية في المشرق و المغرب بسفورها رغبة منها في تجاوز المكبوتات و تسمية الأشياء بمسمّياتها دون تورية أو مغالطة، إنها محاولة حقيقية لمواجهة الذات بعيوبها و تشوّهاتها» فاستطاع ( شكري) من خلال الاعتماد الكلي على الحسي مع أقل القليل من الاستقصاءات التأملية أو التعليقات الفكرية أو الفلسفية أن يقدّم لنا ما يعجز اللجوء إلى العقلي عن الإتيان به»(48)، فقد جعل شكري من «الشطّار» مسرحا للأجساد تعبر عن نفسها بنفسها دون تزويق أو تلميع للصورة فكان يحاول الاقتراب من لغة الصعاليك الذين يرسم حيواتهم، وقد وظف في عمله اللغة الإسبانية باعتباره تجاوز جهل الطفل الذي كأنه رومانسيا في قوله:»إن الحبّ مثلا لا يسحرني إلاّ إذا كان أسطوريا أتحدث عنه دون أن ألمسه ص 20514
إن الذات التي تتحدث أثناء كتابة السيرة الذاتية ليست هي تلك التي عاشت في الماضي ولكنها ذات «المؤلف الراهنة»(49). إن هذا الفاصل الزمني بين الذات الموضوع و الذات الكاتبة يجعل لغتها أكثر كثافة و بعدا عن المباشرتية، فلئن حاول شكري أن تكون لغته جارحة في صراحتها، مذهلة في بساطتها، تحاور الجسد أكثر ممّا تخاطب العقل، فإنها كانت في الآن نفسه ترسم انطباعاتها عن الوجود أو تأمّلاتها المنفلتة بين الحين والحين في لغة شاعرية آنا، حكمية آونة، تنأى عن الخطاب الطاغي، خطاب السفور، فيتجلى لنا شكري رومانسيا في قوله:»إن الحبّ مثلا لا يسحرني إلاّ إذا كان أسطوريا أتحدث عنه دون أن ألمسه أو أعانقه» (ص172)، و يقول مرتديا قبعة الحكيم:»لقد بحثت عن لعبة الحياة و رمزها، لا عن حقيقتها؛ عن الغامض و اللغز لا الواضح و البسيط، عن المجهول لا المعلوم «(ص173). إنها لغة كثيفة و موحية هي أقرب إلى لغة الشعراء و الحكماء، بعيدة عن لغة الشطّار والصّعاليك.
إن مراوحة لغة شكري و تردّدها بين البسيط المباشر ، والرمزي الكثيف هو ما حقق لها التماسك والقوة، إنها في قوة الحياة ، بسيطة ولكنها لا تهبك نفسها من الوهلة الأولى، ساذجة ولكنها تحفر في أعماق ذاكرة القارئ، فتكون ميثاقا جديدا بين المؤلف والقارئ هو الميثاق الإبداعي المستفاد من الفن الروائي لا الميثاق السيرذاتي إنه اعتراف القارئ بعبقرية الكاتب.
الشطّار سيرة ذاتية روائية:
إننا نجد أنفسنا ونحن على أعتاب النهايات مضطرين إلى العودة إلى البدايات لنتساءل عن الجنس الأدبي للشطّار في ضوء كل ما تقدّم. سنترك في البدء محمد شكري يقدم رأيه في عمله بنفسه، يقول في مفهومي للسيرة الذاتية الشطّارية:»إنها سيرة ذاتية روائية شطّارية»(50)، و يقول في موضع آخر:»هي سيرة ذاتية مروّاة أو سيرة ذاتية بشكل روائي»(51) إن محمد شكري يقر بأن عمله مزج بين السيرة الذاتية والرّواية، وقد رأينا من خلال بحثنا كيف خضعت «الشطار» لشروط السيرة الذاتية من ميثاق سيرذاتي و تطابق بين المؤلف و السّارد و الشخصية وواقعية الأحداث إجمالا كما لاحظنا أيضا استفادة هذه السيرة الذاتية من الرواية من خلال التخييل الذي لوّن الوقائع والشخصيات وحتى الأمكنة وأحدث فوضى الأزمنة، وكذلك الحوار الذي كان حاضرا على امتداد السيرة الذاتية ، ذلك أن السيرة الذاتية سليلة الرواية كما يرى جورج ماي فهي مستفيدة من التقنيات الروائية و من بينها ذلك المزج بين النثر و الشعر في «الشطار « والذي أضفى عليها صبغة روائية، ولذلك وسمها شكري بسيرة ذاتية روائية كما تركت المذكّرات بصماتها في هذا العمل باعتبارها الجنس الأقرب إلى جنس السيرة الذاتية، و يرى محمد الباردي أن اعتماد «الشطار» على شكل المذكرات كان كبيرا لدرجة أنه يعتقد عدم تفريق محمد شكري بين السيرة الذاتية و المذكرات فيخلط بينهما، إن استعمال صيغة المذكّرات في العمل السيرذاتي استعمالا متواترا «و لكن المسألة تبدو لنا أعمق في زمن الأخطاء (أي الشطار) إذ تتعلّق بطبيعة النص المكتوب , ذلك أن فصول الكتاب أشبه بالمذكرات المستقلة إذ أحيانا ينقطع التتابع الحدثي بينها «(52).
إن الباردي يرى المزج كبيرا بين السيرة الذاتية والمذكرات في «الشطار « و هو ما جعله يعزو ذلك إلى لاوعي الكاتب و عدم وضوح الفرق في ذهنه أكثر ممّا يعتبره أمرا مقصودا مستندا في رأيه هذا إلى قول محمد شكري مثلا «أكتب الآن هذه المذكرات على نشيد السعادة في السمفونية التاسعة «(ص167) وهو يورد هذه العبارة المذكرات عديد المرات في «الشطار» و لكن يبقى موقف الباردي مجرّد احتمال ذلك أن شكري بإيراده للفظة «مذكرات» واستعماله لصيغة المضارع إنّما يحاول ترهين المسائل والعودة بالقارئ إلى زمن الكتابة وليس في ذلك ما يؤكّد خلط شكري بين المذكرات والسيرة الذاتية، ولكن الأرجح هو أن استفادة شكري من الرواية هي التي جعلته يوظف شكل المذكّرات باعتبار السيرة الذاتية قد أخذت عن الرواية استيعابها الأجناس الأدبية الأخرى «فالسيرة الذاتية جعلت ما استعارته (من الأجناس الأخرى ) أمرا مختصّا بها من جميع الوجوه : إذ أنّها احتفظت به و كيّفته مع احتياجاتها «(53).
إن امتزاج الأشكال الأدبية المختلفة داخل السيرة الذاتية هو ما حقق لها الثراء أسلوبا ودلالة وهو الذي حدا ببعضهم إلى اعتبار أنّه «لا سبيل للحديث عن نقاوة هذا الجنس الحديث و عن نمذجته «(54) ولكن هذا لا يضعف من قيمة العمل السيرذاتي، إضافة إلى أنّه لمّا كانت السيرة الذاتية سيرة لحيوات أشخاص لا سبيل إلى تشابهها كان لزاما أن يسم الاختلاف السيرة الذاتية و أن تكون لكلّ سيرة مياسمها الخاصّة و علاماتها الفارقة .
خاتمة :
لئن كانت مشكلة التجنيس قائمة بالنسبة للسيرة الذاتية لحداثتها فنا أدبيا و لقلّة تناولها بالبحث و المدارسة , فإنّ هذا المشكل التجنيس يظلّ ماثلا في أعمال أدبية أخرى غير السيرة الذاتية لعلّ الأعمال الروائية أبرزها، و ذلك راجع لانفتاح هذه الأعمال الروائية، و السيرة الذاتية باعتبارها سليلة لها . على أشكال أدبية متعددة واحتضانها لفنون مختلفة وهو ما يتطلّب مرونة في التعامل مع هذه الأعمال لشفافية حضور الأمارات الأجناسية وتشابكها وهو ما يستبعد الحسم والقطع أثناء التجنيس ، ولكن هذا لا ينفي استقصاء العلامات الاجناسية في عمل ما لمعرفة المفيد من سماته والمحدّد من شروطه و هو ما حاولنا القيام به أثناء البحث في «الشطار « بوصفها عملا سيرذاتيا روائيا مزج بين تقنيات هذا وذاك فنهض عملا مخصوصا دالا على خصوصية صاحبه الإبداعية .
الهوامش:
شكري محمد الشطّار . دار الساقي . ط 6 بيروت . لبنان2001
الربيعي . عبد الرحمان مجيد . من سومر إلى قرطاج .دار المعارف للطباعة و النشر. سوسة . تونس . جانفي 1997 ص 82 2
المخزنجي محمد. المغرب .عناق البرّ و البحر . مجلة العربي . الكويت . نوفمبر 1995 ص 503
شكري محمد . مفهومي للسيرة الذاتية الشطارية . ضمن كتاب الرواية العربية واقع وآفاق . دار ابن رشد . بيروت 1981 ص 2414
ماي . جورج . السيرة الذاتية ص 225 5
المرجع نفسه ص 83 6
المرجع نفسه ص 84 7
حافظ . صبري . البنية النصّية لسيرة التحرّر من القهر. ملحق ضمن كتاب «الشطار» لمحمد شكري ص 241 8
المرجع نفسه . ص 242 9
ماي . جورج . السيرة الذاتية . ص 8510
باردي . محمد . السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث . حدود الجنس و أشكاله . مجلّة فصول . مجلّد 16 . عدد3 . شتاء 1998 ص 73
ماي . جورج . السيرة الذاتية . ص 9412
المرجع نفسه . ص 9613
لحميداني . حميد . في التنظير و الممارسة . منشورات عيون . الدار البيضاء . 1986 ص 20514
فاضل . جهاد . أسئلة الرواية . حوار مع محمد شكري . الدار العربية للكتاب . د ت ص 205 15
فريجات . عادل . الروائي المغربي محمد شكري و سيرته الذاتية الروائية . مجلة علامات . ديسمبر 1998 ص 79 16
حافظ. صبري . البنية النصّية لسيرة التحرّر من القهر, ملحق ضمن كتاب «الشطار» لمحمد شكري ص 24017
بن جمعة بو شوشة . اتجاهات الرواية في المغرب العربي . المغاربية للطباعة والنشر و الإشهار . تونس 1999 ص 152 18
المرجع نفسه ص 15419
بحراوي . حسن . بنية الشكل الروائي . المركز الثقافي العربي . الدار البيضاء . ص 9320
فريجات . عادل . الروائي المغربي محمد شكري و سيرته الذاتية الروائية ، مجلة علامات ص76 21
لحميداني . حميد . في التنظير و الممارسة . ص7022
- أنظر برادة , محمد , من مقدمة الطبعة المغربية للشطار تحت اسم «زمن الأخطاء» سنة 199223
حافظ . صبري . البنية النصّية لسيرة التحرّر من القهر. ملحق ضمن كتاب «الشطار» لمحمد شكري ص238 24
أنظر حواره مع جهاد فاضل ضمن كتاب أسئلة الرواية ص 203 25
فريجات . عادل . الروائي المغربي محمد شكري و سيرته الذاتية الروائية . مجلة علامات ص 7326
تواتي مصطفى . المثقفون و السلطة في الحضارة العربية (الدولة البويهية نموذجا) منشورات المعهد العالي للغات . ج 2 تونس 1999 ص 152
حافظ . صبري . البنية النصّية لسيرة التحرّر من القهر ..ص 22128
بن جمعة بو شوشة . اتجاهات الرواية في المغرب العربي .ص 165 29
حافظ . صبري . البنية النصّية لسيرة التحرّر من القهر .ص 235 30
انظر عادل فريجات. الروائي المغربي محمد شكري و سيرته الذاتية الروائية . مجلة علامات ص74 31
حافظ . صبري . البنية النصّية لسيرة التحرّر من القهر .ص 23732
بن جمعة بو شوشة . اتجاهات الرواية في المغرب العربي .ص155 33
أنظر برادة . محمد . من مقدمة الطبعة المغربية للشطار تحت اسم «زمن الأخطاء»
التازي . عزالدين . شجرة الرواية في معنى الكتابة و فضاءات التجربة . ضمن كتاب ملتقى الروائيين العرب الاوّل . مهرجان قابس دار الحوار . سورية 1983 ص 78
شرف. عبد العزيز ، أدب السّيرة الذاتية ، ط1، مكتبة لبنان، الشّركة المصريّة العالمية للنشر،لونجمان 1992. ص 536.
الباردي .محمد ، السيرة الذاتبة في الأدب العربي الحديث، حدود الجنس و اشكالاته، مجلة فصول ، مجلد16، عدد3، شتاء 1998،ص 76.37
فريجات. عادل، الروائي المغربي محمد شكري وسيرته الذاتية الروائية، مجلة علامات، ديسمبر 1998، ص67. 38
ماي. جورج، السيرة الذاتية، ص 176.39
شرف. عبد العزيز، أدب السيرة الذاتية، ص 17.40
المرجع نفسه ، ص 23.41
لحميداني .حميد ، في التنظير والممارسة ، ص61.42
شكري. محمد ، مفهومي للسيرة الشطّارية، ص 323.43
ماي .جورج، السيرة الذاتية، ص 86.44
المرجع نفسه، ص 174.45
حافظ. صبري، البنية النصية لسيرة التحرّر من القهر، ص 229. 46
لحميداني. حميد ، في التنظير والممارسة، ص 64.47
حافظ. صبري ، البنية النصية لسيرة التحرر من القهر، ص 22648.
لحميداني. حميد، في التنظير والممارسة، ص 67.49
شكري. محمد ، مفهومي للسيرة الذاتية الشطّارية ، ص 321. 50
فاضل . جهاد، أسئلة الرواية، ص203.51
الباردي . محمد ، السيرة الذاتبة في الأدب العربي الحديث، حدود الجنس واشكالاته، مجلة فصول ، مجلد16، عدد3، شتاء1998،ص 7352
ماي. جورج، السيرة الذاتية، ص 21053
الباردي .محمد ، السيرة الذاتبة في الأدب العربي الحديث، حدود الجنس واشكالاته، مجلة فصول ، مجلد16، عدد3، شتاء 1998،ص7854


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.