لا احد يمكنه ان ينكر ما للبحوث بصفة عامة من مزايا في اثراء الثقافة وشحذ الفكر وتنمية الزاد المعرفي للانسان وتصحيح المفاهيم وتوضيح المناهج والبحث في شتى مجالات المعرفة العلمية منها والأدبية وفي مجال العلوم الانسانية يقتضي امكانيات مادية وبشرية هائلة حتى يستطيع ان يفضي الى النتائج المرجوة. فالبحث العلمي لم يعد مقتصرا اليوم على الفضاءات الجامعية وعلى أعداد الاطروحات والرسائل بل صار يعني كل مؤسسات المجتمع الاقتصادية منها والاجتماعية والسياسية والتقنية وبذلك أصبح ضرورة لا غنى عنها فدواليب المجتمع لايمكنها ان تدور دون الاعتماد على نتائج البحوث ولم تعد البحوث تنجز فرديا لغاية نيل شهادة علمية بل صار للبحث مؤسسته ومراكزه وصارت هذه المؤسسات والمراكز تعتمد على امكانيات بشرية ومادية هائلة لإنجاز بحوثها في شتى المجالات. وأمام اتساع رقعة البحث العلمي كان لابدّ من التخلص من العادات القديمة والمتمثلة اساسا في انجاز البحوث وبصفة فردية فالفرد وحده لم يعد قادرا على ذلك لا على صعيد التمويل فقط بل وايضا على أصعدة اخرى كمجمع المعلومات الضرورية واستخدام المناهج المختلفة واستخلاص النتائج. وانطلاقا مما سبق ذكره باتت مواكبة هذا التطوّر ضرورية وتحتم ان نفكر في اعداد البحوث العلمية مستقبلا في الاطر الجماعية حتى نستطيع ان نحقق الجدوى اللازمة فتكوين فرق بحوث سواء كان ذلك في صلب المؤسسات الجامعية او مراكز البحث الأخرى فكرة جيدة وتجربة تعود على البحث العلمي وعلى المجتمع عموما بالفائدة. العالم والممارسة الشعبية في العصر الوسيط وفي عصر النهضة Savant et populaire au moyen âge et à la renaissance كلية الأداب بمنوبة 2003 اللغة الفرنسية الكتاب مجموعة نصوص قدمت في ندوة نظمها فريق دراسات العصر الوسيط والقرن السادس عشر بكلية الآداب بمنوبة خلال سنة 2000 . جمع هذه النصوص خديجة بالعايش عجرود وزين العابدين بنعيسى وقدم لها الاستاذ «ي دمرسون» Guy Demerson. اشتمل الكتاب على ستة نصوص مختلفة في مضامينها لكنها متفقة في أهدافها الرامية الى محاولة التعرف على مدى استخدام الكتاب للممارسة الشعبية لتتحول الى نص ابداعي. ويستشف من مجمل هذه المداخلات التي اعتمدت كل منها على مثال معين لتبيان كيفية استغلال المخزون الشعبي في صياغة النصوص الادبية الجميلة مجهود هذا الفريق الجماعي في صياغة منهج عمل مشترك. يقول مقدم الكتاب: «ان قراءة هذا السفر شيقة فهذه الكلمة الجميلة «وقائع» تجد هنا كل معناها... وهذه نصوص تشهد على حركية هذا العمل الثقافي لهذا الفريق من العلماء الشبان الذين اجتمعوا ليقدموا حصيلة مناهجهم ويتمحور هذا العمل الجماعي حول السؤال التالي: كيف يمكن للتقاليد الشعبية ان تكون غذاء لأشكال وأجناس أدبية طورها بواسطة العمل الدؤوب فنانون يسيطرون على تقنيات البحث ويملكون روح النقد هم في نفس الوقت محللون منضبطون ومنظرون خلاقون وهنا تتجلى مسألة الثقافة باعتبارها منبع الإلهام...». انطلق فريق العمل هذا في تنظيم هذه الندوة من فكرة مفادها انه ثمة جسر بين العصر الوسيط والقرن السادس عشر وقد حاولت مقدمة العمل في جملته ان تبيّن خصائص الثقافة الشعبية خلال الفترة المدروسة وتميّز بين مختلف طبقات الشعب انذاك بين الاستقراطيين ورجال السلطة وبقية أفراد الشعب. من هذه النصوص نقرأ مثلا: صورة العمل وعالم المهن الصغرى في القصة الفرنسية القصيرة خلال القرن السادس عشر. لخديجة بالعايش عجرود و»صورة المتوحش» من خلال «تاريخ رحلة جون دو لوري» Jean de Lery في ارض البرازيل لعبد الرزاق الصيادي وغيرهما من النصوص الأخرى التي تناولت استعمال الممارسة الشعبية في الكتابات الادبية. البلاغة وثقافة الفحولة: دراسة كتاب العصا للجاحظ محمد النويري كلية الآداب منوبة 2003 كتاب العصا كما يعرفه الدكتور حمادي صمود في تقديمه لهذه الدراسة ... يبدو من «البيان والتبيين» بمنزلة الاعتراض في التركيب او هو على الأصح، بمنزلة التابع يؤتي به على جهة تتميم المعنى وبسطه فلقد جاء مرتبطا في ظاهر الامر بمسألة فرعية تبحث في العلاقة بين الخطبة باعتبارها قدرة على تصريف القول واجرائه على الملاءمة والقدر وشارة يلتزم بها الخطباء من العرب هي المخاصر والعصي في الحفل العظيم او عند اعتلاء المنابر وفي كل مقام، سواهما، يدعون فيه مواجهة الجمهور». حاولت هذه الدراسة ان تبرز محل الفكر البلاغي في كتاب العصا وما تمثله هذه الأخيرة من رموز واستجلاء الكيفية التي سلكها الجاحظ في الدفاع عن العصا باعتبارها المنفذ الذي ولجته الشعوبية للغض من بلاغة العرب... ليبرز عمق الوشائج بين البلاغة والعصا في الثقافة العربية الاسلامية باعتبارها رمزا لمحل البلاغة من قيم السيادة التي كانت مقتبسة في مخيالهم من قيم الفحولة». لقد تناول الدارس في هذا الكتاب محاور متعددة متصلة بمكانة العصا عند العرب فتحدث في البدء عن مطاعن الشعوبية على العرب وعن العصا والغض من البلاغة العربية وعن البلاغة كظاهرة حضارية ليعرج على المنافحة عند العرب وفروسيتهم. وانتقل بعد ذلك الى جوهر البحث المتعلق بالعصا ليحاول تبيان اسرارها مشيرا الى ان اخذ العصا مأخوذ من اصل كريم وكيف تشكل العصا حجة على النبوة وأشار الى حجاجية الحكاية في الدفاع عنها والى بعد العصا الاستعاري وبعدها الرمزي، وقارن بعد ذلك بين بلاغة العرب وبلاغة الفرس كما تحدث عن بلاغة اليونان لينهي دراسته بمحاولة استجلاء البعد الايديولوجي في موقف الجاحظ ومحل البلاغة من ثقافة الفحولة. يقول حمادي صمود في كل ذلك لقد كشف المؤلف بهذه الطريق عن تنوّع النظام الحجاجي عند الجاحظ ولقد كان تقليب النظر في مذاهب الاحتجاج في كتاب العصا فرصة سانحة عرض من خلالها المؤلف... معنى من معاني المنزه العقلي عند المعتزلة وفي الثقافة العربية الاسلامية قاطبة». إبل وعزائل وتعريف بالقبائل بمنطقة نفزاوة من ولاية قبلي محمد ميلود (سوسة 2004) يتنزل هذا الكتاب ضمن تلك الدراسات المهتمة بالتراث وقد اختار مؤلفه الإبل موضوعا له ولكن دراسة الإبل لم تمنعه انطلاقا منها بالذات من دراسة المجتمع القبلي بنفزاوة مما يجعلنا نقبل بها دراسة اتنوغرافية دون ان تخضع في حقيقة الامر الى اساليب هذا الصنف من البحوث ولا الى مناهجه. انطلق الدارس من السمات التي تميز بها الإبل وكل منها تعني انتماء ذلك الجمل او تلك الناقة الى قبيلة ليبحر في عالم الإبل ويعطي في الباب الاول من كتابه لمحة تاريخية تشمل اصل الجمل الذي يرجع منبعه الاول الى القارة الامريكية. اما ترعرعه فيقول انه تم بأوساط آسيا وانتشر بعد ذلك في نقاط عديدة من الكرة الارضية ليصل الى جنوب العربية السعودية منذ اربعة آلاف سنة قبل الميلاد ثم في اتجاه مصر والسودان بعد ذلك الى شرق الشمال الافريقي (ليبيا وجنوبتونس وفي نفس الباب الاول يتطرق المؤلف الى انواع الإبل فيعددها ثلاثة انواع. الجمل ذو السنامين المنتشر خصوصا في مناطق آسيا والجمل العربي ذو السنام الواحد المنتشر في المنطقة اما النوع الثالث فيقول عنه المؤلف انه «التارقي» وهو مهري أصيل. ويذكر المؤلف في مجال تصنيف الإبل ان العرب يصنفون الإبل قديما حسب اللون والسير والشكل أما الألوان فخمسة الأبيض والأحمر والأصفر والأشقر والأزرق وعن هذا الاخير يقول الدارس انه اللون الأسود في الحقيقة ولما كان العرب يتشاءمون منه استبدلوه بالازرق. وبعد استعراض ألوان الإبل يتحدث الكاتب عن خاصيتها وأشكالها: وينهي الباب الاول بالحديث عن التناسل عند الإبل وعن تغذيتها وعن امراضها وأعراضها وعلاجها حسب ما دأب عليه البدو. اما الباب الثاني فقد افرده الكاتب الى اجزاء الجمل وتسمياتها عند البدو ومختلف المصطلحات المستعملة في تعريف السمات ولعل الطريف في هذا التأليف هو ذلك التعريف بالقبائل البدوية والعلامات المميزة لقطعان الإبل عندهم وما اورده في الملاحق من فراسة البدوي وتجهيزات الجمل وكيفية ركوبه ومسألة الحقد التي عرف بها ومختلف فوائده وما نظم عنه في الشعر الشعبي. لقد اعتمد الباحث في دراسته على مراجع ومصادر مكتوبه واضاف اليه وهذه ميزة البحث مصادر شفوية اعتمد فيها عدة رواة وقد سماها المراجع الحية.