نقل الخبر، الرّيبورتاج، الإخبار الخالص، تلك هي درجة الكتابة الصفر، بمعنى الحدّ أكثر ما يمكن من تدخل ذات الكاتب/ الصحفي، بآرائه وأحكامه وتحاليله. غير أن الأمر ليس بالبساطة التي يظهر عليها، حتى وإن راوح نقل الخبر في حيز درجة الصفر فكم كان ابتكار الصفر هاما وثوريا إذ في الأمر من الدقّة الشيء الكثير، لأنه ليس في إمكان أحد أو جهاز أن يضبط ويقيس حدود «الحدث الخام» والواقع الأصيل.. إنّ مجرّد الشروع في نقل الوقائع، يستدعي تدخّل الخطاب وتشغيل التركيب بما يقتضيه من تقديم وتأخير، من فرز وانتقاء، من تقطيع وتلفيق، ومن البديهي أن تكون وراء هذه العمليات ذاتا تحكم وتقيّم إن ظاهرا أو باطنا. كما أن اللغة المعتمدة في النقل هي في حدّ ذاتها عقل جماعي يكرّر ويصفّي يَطمس ويبرز، إذ لا حيادَ ولا براءة للفظ ولنا في ذلك مثل فعل المقاومة وما يعتريه من إخراجات لفظية متعددة، كفاح، إرهاب، عنف، قتال، صمود.. وغيرها من التعابير التي شُحنت إلى حدّ التشبّع بالأهواء والدوافع. وإذ نحن سلّمنا على سبيل الافتراض لا الضرورة بأن خلف كل خبر تركيب وصناعة وفي كل تركيب قدر يكبر أو يصغر من الاختيار والانحياز، فدعونا نأخذ أخبارا متفرّقة ووقائع مشظاة لنحاول أن نخيط بها خطابا عن المقاومة العربية يمنحها سلطانا (من سلطة النص) هي أحق به من «روايات الدسائس والتعاون». علّنا نمنحها تعريفا يخرج بها من دوائر التفكيك والتمشيط والصمت. في خبر أول، قال كيري (مرشح الرئاسة الديمقراطي في الولاياتالمتحدة) : «الآن يُعطينا الرئيس مبرّرا جديدا لإرسال جنودنا الى الحرب، والمشكلة ليست فقط في أنه يُغيّر روايته الآن، إنما هي كامنة على ما يبدو في أنه كان يحكي للشعب الأمريكي روايات في عام 2002..» وخبر ثان: «اختراق : ويشكّ المسؤولون الأمريكيون وفق التقرير الذي نشرته «واشنطن تايمز» في أن أنصار الرئيس العراقي صدّام حسين، الذين يشكّلون على الأقل جانبا من المقاومة يقومون بنقل المعلومات الى أفراد الخلايا المسلحة التي تستهدف الجيش الأمريكي»، وخبر ثالث : «وأكدت في ذات الصدد منظمات المقاومة العراقية في بيان أصدرته مؤخرا أن أهل السنّة في العراق اختاروا طريق المقاومة المسلحة لتحرير البلاد». (التشديد من قبلنا) «الشروق» في 10 02 2004 ص. 8 و10. لا بدّ، صديقي القارئ، أنّك لاحظت حضور «هاجس الموضوعية» في اختيار العيّنات الخبرية، والتي من توابلها أن تنقل الخبر عن عدة جهات ومن آدابها التزام حرفية الإدلاء والتصريح. فما هي إذن مشاريع الخطاب التي يمكن تخريجها من هذه المادة الأولية؟ خطاب عن مشروعية الحرب/ الغزو؟ أم خطاب عن شرعية المقاومة وأشكال تنظيمها؟ أو خطاب عن انهيار أسطورة التفوق العسكري الأمريكي على إرادة الشعوب؟ سنكتفي اختيارا بخطاب مختزل، لأن بلاغة الخطاب لا تأتي دائما مع الإسهاب والإطناب بالقدر الذي تجنح فيه للإلماع والإعراب. فالأخبار الثلاثة التي أوردناها، نحملها قولا عن أمريكا مفاده اختلاق الذرائع للغزو والعجز عن ادارة الاحتلال وعن العراق اصرار الشعب على المقاومة كبديل عن التعاون والإذلال. وعدا ذلك فإن أدبيات المقاومة عبر الزمان والمكان تقول أن مقارعة اعداء الوطن لم تكن قطّ بابا للمغامرة أو الحرث في الرمل، بل هي التأسيس للحياة والأمل. والمقاومة أعزّك اللّه ليست ما بدا من قتال عسكري يعوزه التكافؤ النسبي، بل هي ذلك الجبل الجليدي العائم الذي وإن ظهر منه النّزر القليل فهو في حقيقة الأمر يرسو على حمَم من الغضب تحويها طبقات بالغة التنوّع من أشكال الصمود كالغناء الملحمي والكتابة الملتزمة والسخرية اليومية (العلوج) والمقاطعة والتضليل وصون الكرامة وحياكة الحلم. صحيح أن حجم الإحباط كبير وحجم المؤامرة أكبر ومع ذلك فإنه مع ضيق العيش/ الواقع توجد دائما فسحة للأمل تتسع على قدر اقتدارنا. وليس خير من هذا المجال والوقت لاستحضار «نبوءة» المتنبي: «وتكبر في عين الصغير صغارها