لاح الصباح بعيدا في تلك الليلة على لاهافانا. لا أحد كان يعلم من أين ستطلع الشمس ولا حتى من سيستفيد بشعاعها. وقع الاقدام في المكتب السابق لباتيستا كان شديدا بشدة النقاش الحاد الذي كان يدور في آخر الغرفة بين صاحب البزّة العسكرية وحامل نجمة الجماهير على جبينه المارد. لوّح قيفارة بيده مشيرا الى جبل بعيد وكأنه يمسك به رغم البلور الذي يفصله عنه مذكّرا رفيق دربه بأن الذين حملوه الى القمة يحملهم الجبل في بطنه المشتعلة كما كل براكين الارض. «ليست السلطة سوى تكريس لأحلام الجماهير ووفاء لهؤلاء الذين ماتوا من أجل تحقيقها فلا فائدة في التسلط يا كاسترو».. كلمات قالها قيفارة وغادر المكتب بدون رجعة.. عاد من حيث أتى.. الى جبال أمريكا الشاهقة يردد صوت الحرية ويحارب الذين متى تمكنوا من سلطة ما حوّلوها الى تسلّط واستعباد للجماهير. بتواصل كفاح الشعوب تحقق النصر تلو النصر وتحبل في الاثناء مصر وتلد ثورة عارمة قادها ضبّاط أحرار فهموا سريعا ان الذي وُكّل على ثورة يونيو حاد عن المبدأ. دُعي نجيب الى المكتب وتم استفساره عن سلوكه المفاجئ واكتشف الاحرار ان سلطة الثورة تحوّلت الى تسلّط... فكان ولابد من حسم الامر برفع التسلط عن السلطة وعزل أول رئيس مصري. أيامها لم تكن اي سلطة عسكرية في العالم قادرة على تنحية رئيس من منصبه ولا فسخ من على الخارطة دولة ما. برغم القهر والظلم والعسف والاستعمار كانت الاخلاق من أهم روافد الفعل السياسي... وتمر السنين ويتحول الفكر الى رهينة حرب عند ساسة جدد هم بدورهم رهائن المشروع الصهيوني فتسقط بذلك الايديولوجيات ومؤسسات الفكر بما في ذلك مؤسسة الاخلاق فلم يكن من الصعب عليهم اختطاف نورويقا رئيس باناما ولا اجتياح العراق وأسر رئيسها وهي أقدم الحضارات ومهد الانسانية قاطبة. الغريب ان ذلك حدث بعدما اتكأ المستعمر على شرذمة من أبناء البلد كانوا يتصوّرون أن الامبريالية الصهيونية سوف تسلّم لهم مقاليد الحكم وآبار النفط ببساطة. وفجأة ظهر «بريمر» الحاكم المدني للعراق.. جاء ليعلّم رجل السياسة ورجل الدين ورجل الاقتصاد العراقي كيف يمارس السلطة وكيف تحكم الشعوب حتى أنه لم يتردد في الاستنجاد بالهند لتعليم الجيل القادم من الديبلوماسيين العراقيين فنّ «الاتكيت» اLصart de lصétiquetteب. استبشر القوم وانبهروا بحرفيته وساندوه وبجّلوه، وكان الحاكم المدني للعراق في الاثناء يناور من أجل تثبيت سياسة الامر الواقع.. وفي محاولة أخيرة لمعرفة حقيقة ما يحدث حصل التصادم بعدما اكتشف الجميع ان سلطة الحاكم المدني للعراق تحوّلت الى تسلط فلا دستور ولا انتخابات ولا تحويل الحكم الى العراقيين ومن لم يعجبه الامر فليشرب من البحر. بقي ان الحاكم المدني للعراق نسي أن النهر الوحيد الذي يروي ضمأ العراق هو الذي تنهل منه المقاومة الابيّة الوفية لدماء الأمة.