في بداية الطريق يسأل الانسان نفسه ماذا سأصنع بعمري؟ وعند الغروب يواجه الانسان نفس السؤال ولكن بعد فوات الاوان: ماذا صنعت بعمري؟ في السؤال مشقة وفيه نقص ولكن فيه علامات الوعي والادراك... فيه الحد الفاصل بين صاحب العقل والدابة... واذا عشّش هذا السؤال في ضمير المجتمع فلا خوف عليه. علاقة الانسان بالزمن ثقافة وهناك فرق بين حضارة قسمت الثانية الى مليون جزء وحضارة لا فرق فيها بين قبل قليل وبعد قليل بين عبارة «تعالوا نربح الوقت» وعبارة «تعالوا نضيع الوقت»... بين من تتوتر اعصابه لان العقارب تدور بسرعة ومن تتوتر اعصابه لأنها تدور ببطء... الاول يريد ان ينتج اكثر ما يمكن والثاني يريد ان يغادر العمل ليلتحق بالمقهى... طرح «شكبة» او «رامي» يكفي لتجميع عشر سيارات في المصنع... حيث تخرج سيارة جديدة كل خمس دقائق... في الامم المتطورة كل شيء موضوع لربح الوقت... تيسير المرور... العلامات الواضحة في الشوارع والإدارات... الاجراءات الادارية... موظف واحد يوفر لك عديد الوثائق وعندنا عدة موظفين لتوفير ورقة واحدة... في الامم المتطوّرة هاتفك الجوال كسب للوقت.. خدمات سريعة في المؤسسات بمجرد الاتصال... سؤال عن بعد وتسوية وضعيات عن بعد... وعندنا الهاتف الجوال جُير لتضييع الوقت و»دقان الحنك»... واذا استعملته لخدمة فانك ستتعب... يحوّلونك من مكتب الى مكتب الى ان يأتيك الجواب فتفرح فاذا بها السيدة الآلية من تيلكوم تعلمك ان بطاقتك وافاها الاجل المحتوم وعليك بإعادة تزويد الرصيد.. حتى في الساحات العامة وبعد موضة الساعات المنتصبة بكبرياء لتذكير الناس بأنه وقت العمل وتعديل توقيتنا على الامم المتطورة تصاب عقارب الساعات بالخمول في البداية ثم... تتوقف... ولا احد يحرجه توقف الزمن المعلن.. الناس هناك يمشون في الشوارع بسرعة وهنا يهرعون الى المقاهي المطلة على الشوارع بسرعة.. هناك يشربون القهوة ساخنة في لمح البصر... ونحن نترشفها ببطء ممل.. نحن هنا قاعدون.. والوضع لا يمكن ان يتغير بالقوانين وحدها او بمزيد الحزم لان المسألة لها علاقة بإحساسنا الداخلي بالزمن... علاقة اساسها ثقافي... ومن نشأ في بيئة لا فرق فيها بين ساعة نووية وساعة رملية... ويعدل توقيته على امتداد الظل تحت الجدار لا يمكن ان تأمل منه خيرا ومن لا يحترم الوقت تلسعه العقارب... ثم ان سالفادور دالي لم يأت بجديد فنحن من اخترع الساعات السائحة.