«وبدلا من إثبات اعتماد التواريخ المختلفة كل على غيره، والتفاعل الضروري للمجتمعات المعاصرة بعضها من بعض. فقد ضمن الفصل البلاغيّ للثقافات (بعضها عن بعض) نزاعا امبرياليا سفاحا فيما بينها. وهكذا تعاد الحكاية المؤسية مرة بعد مرة». * إدوارد سعيد / الثقافة والامبريالية / ص 107 هل يستقيم القول بمفهوم حصري للعقل البشري، حتى يتسنى لنا التفصيل في إمكانية وجود عقل عربي عامة ونظري بالخصوص؟ إن كان الجواب بالنفي فلا مناص من التسليم بالدونية والتهميش، ومن التحلي «بقناعة الاستهلاك العلمي التقنوي»! أما اذا كان الجواب بالاقرار، وهذا ما تدعيه هذه المقالة، فإن الاشكالية تتغير، لتتناسل عنها سلسلة من الاسئلة المشوّشة لصورة التفوق النظري الغربي من ناحية. والرافضة لتسويق أنموذج العربي المنشغل عن مشقة العناء الفكري بملذة الاستهلاك النفعي، العربي المقبل في عواصم العلم على عقاقير الفحولة والانتشاء والمدبر على منابر البحث والاستقصاء. أسئلة هي نصيبنا من استحالة الامساك بذلك الكم الهائل من المفارقات التي تخترق تظاهراتنا اليومية منذ نهاية القرن التاسع عشر علم وخرافة، ورع وتهتك، تقنية وبداوة، تنظيم وفوضى...؟! هل انسحب العرب من دائرة إنتاج النظرية؟ لماذا قال البعض بأن العقل العربي، عقل بيان فحسب؟ وقال البعض الآخر بأنه عقل مطلق فقهي وغير مكتمل؟ وبماذا نفسر إذن، نجاح «هجرة العقول / الأدمغة العربية»؟ أي نصيب للعامل الذاتي في إعاقة إنتاج وإعادة إنتاج النظرية؟ وأي نصيب للهيمنة الخارجية؟ إذا ما أرّخنا بأعمال عبد الرحمان ابن خلدون (المقدمة / العبر / التعريف)، وبحياته التي انتهت في المشرق العربي (1406م) وهو يبحث في مغامرة خطيرة عن تجسيد لتصوّره النظري حول «الدولة المستقرة». عندها يمكن اعتبار بداية القرن الخامس عشر ميلادي النقطة الفاصلة التي توقفت فيها الثقافة العربية الاسلامية عن الانتاج النظري. في الوقت الذي كان فيه العالم الاوروبي المسيحي يعيش الطور الاول لاستفاقته من سباته التاريخي مدفوعا بهجرة الفلول البيزنطية والانسحاب أمام «الصدمة العثمانية» وهو نفس الظرف الذي كان العالم العربي الاسلامي فيه معتزّا بامتلاكه لجميع الاجوبة عن أسئلته الاساسية النظرية والاجرائية منها. كانت الذات العربية الاسلامية مشبعة بثقة سيطرتها على أسباب التفوق والاستمرار. هي التي تحكمت قبل غيرها في قوانين العدد (الجبر)، وابتكرت تقنيات الجراحة وميكانيكا المياه وحيل العمارة وتطويع المعادن. كما أحكمت ضبط هرمية (بيروقراطية) الدولة السلطانية المخزنية والجيش النظامي المنفصل عن جذوره القبلية. هذا إضافة الى ما أبدته من قدرة على استيعاب «النكبة الأندلسية» وعلى توظيف تداعياتها لتدعيم التماسك الداخلي، وإثراء الخبرات والرصيد الثقافي بإدماج المهاجر المورسكيّ واستخدام الاسير الاعجميّ: جنديا كان طبيبا أو محاسبا وقد توصلت الذات المذكورة الى بناء منظومة عسكرية دفاعية هجومية. جمعت بين الرباطات الساحلية وجماعات الجهاد الطرقية وأساطيل القرصنة، التي مكنتها من تثبيت خط للتساكن النديّ مع الآخر الى حدود نهاية القرن الثامن عشر ميلادي. وعندما جاءت «صدمة التحديث» التي جسّدها نابليون باعتباره أبرز حيلة توخاها التاريخ الاوروبي في ادعائه الكوني والذي يبدو أنه كان آخر المنبهرين بالتفوق الشرقي، بل قبل ذلك، أي قبل أن تطل الحداثة بخطمها على العالم، كانت الثقافات المتعددة، الصينية، الهندية، اليابانية والعربية، تدبر أمر تفاعلاتها مع الطبيعة بشكل متوازن ومالك لنجاعاته الخاصة. مالينوفسكي / الانتروبولوجيا الثقافية). خلال ثلاثين سنة فقط، أي في لحظة خاطفة من عمر الثقافات الطويل، ضربت طبول الحداثة في ثلاث مناسبات وبشكل تصاعدي عبرت من خلاله على نواياها المركزية ثم مرت الى تكريسها ميدانيا وهي: حملة نابليون 1798 حملة إكسماوث 1816 واحتلال الجزائر 1830. كيف جاءت ردود الفعل تجاه هذا الواقع الكوني الجديد؟ لماذا نجحت بعض الثقافات في رفع التحدي وإدارة التأقلم؟ ما هي حدود النهضة / المواجهة العربية الاسلامية؟ وكيف قيّمنا ونقيّم المغامرة العربية مع التقدم؟ انتقد مفكرونا فوقية مشروع النهضة وجزئية الاصلاحات التي لم تتجاوز الحيز العسكري والاداري، وعابوا عليها قصورها النظري وهشاشة ركائزها الاجتماعية. فقد ذهب الجابري الى احتجاز العقل العربي في «طبيعته البيانية» التي جعلته حبيسا لمنطق الخطابة وعلم الكلام ومرتهنا بمنطق القياس. بينما رأى عبد الله العروي في هذا العقل رافدا من روافد العقلانية الحديثة إلا أنه حكم عليه بعدم الاكتمال لعدم استيفاء الشروط التاريخية (مفهوم العقل / عبد الله العروي / منشورات المركز الثقافي العربي)، إذ يقول العروي: «بعبارة أخرى إن الخطاب الذي يتسم بالتكامل والشمول يتضمن حتما خطابين، أحدهما تاريخي والثاني منطقي. بالتاريخ يتكوّن المعقول، وبالمعقول ينتظم الواقع». وعليه فإن مقولة المراهنة على فعل التاريخ بإمكانها اكتساب الجدية الكافية إذا ما اعتبرنا هذا الاخير مضمارا للفعل الجماعي الواعي كمختبر ضروري لتحقق العقل النظري العربي، خصوصا وقد تبيّن أن ما يمكن ان نصطلح على تسميته ب «العقل الآسيوي» الصيني الياباني قد توصل الى بلوغ درجة من التشكل والتكافؤ مع العقل الغربي في ظروف لا تختلف في ظاهرها كثيرا عن الوضع الذي واجهه ويواجهه العالم العربي. مثل العرب، استفاق الشرق الاقصى الآسيوي على وقع صدمة التحديث، لكنه استفاد من غفلة استثنائية للاطماع الغربية عنه كانت خلالها روسيا القيصرية منشغلة بتوسعاتها البلقانية (1870 1914) بينما استرقت الصين نسخة تحديثها من لحظة انشغال عملاقي ما بعد الحرب العالمية الثانية بسباق توازن الرعب (1949). في حين كتب على العالم العربي بحكم موقعه الاستراتيجي أن يبقى في قلب دائرة النزاع والهيمنة. فلم يتسنّ له الظفر بفرصة التقاط أنفاس تمكنه من الامساك بالاستقلالية الكافية لاستئناف تشغيل قدرات التنظير لديه. تلك الاسقلالية التي كانت وراء نبوغ ابن خلدون والتي قال عنها العروي: «نقول إنه كان مجتهدا مستقلا... استطاع أن ينقد نقدا منهجيا، متزنا ومتوازنا. كلاّ من الفقهاء والمتكلمين والمناطقة والحكماء والمتصوّفة والباطنية والامامية، وجميع من ادعى الاطلاع أو التصرّف بعد أن خُتم عهد الرسالة». (مفهوم العقل / عبد الله العروي / ص 223). ما الذي يلزم العرب إذن؟ يلزم العرب على سبيل الاحتمال لا التقرير لكي يكسبوا الموقع الجدير بهم حضاريا وإنسانيا أن يبحثوا عن ضرب من «الاستقلالية الاستثنائية» التي تشترط فيها نوعية استيعاب الاسئلة الكونية واستنباط وتوطين الاجوبة الشمولية. رغم الصعوبات الجمّة الحافة، في ظرف يسعى فيه الآخر بعقلانيته المركزية الى تأبيد هيمنته وعولمة حقده النظري الذي نراه يطبقه على العرب بتسوية قبر ميشال عفلق بالتراب وبتنظيم حملة اصطياد العلماء العراقيين وبتجفيف المنابع القيمية.