هذا العنوان هو في الحقيقة عبارة للكاتب البرتغالي المعروف «سراماغو» الحائز على جائزة نوبل، قالها خلال المظاهرات الحاشدة التي شهدتها اسبانيا بمناسبة الذكرى الأولى للحرب على العراق. وهي عبارة متوقعة من كاتب مثل «سراماغو» له من صفاء الذهن وجلاء الرؤية ما جعله ينظر إلى قضايا الحرية في وحدتها وشمولها، ودون أي اعتبار لفروق اللغة أو الدين أو العرق فقد كان له دور في «ثورة القرنفل» البرتغالية، وانحاز إلى ثورة التحرير الجزائرية. ثم رأيناه منذ عامين أو أكثر بقليل يشارك مع نخبة من كبار الكتّاب في تظاهرة حاشدة بمدينة رام الله مساندة للقضية الفلسطينية. ويدلي بعد ذلك بتصريح وهو في فلسطينالمحتلة أثار عليه سخط المؤسسة الصهيونية وحنق كثير من اليهود. وذلك عندما شبّه ضحايا الآلة العسكرية الإسرائيلية، من الفلسطينيين بضحايا الهولوكوست. لم يكن بالمستغرب إذن أن يقول «سراماغو» عن مدريد ما قال. فهي في نظره عاصمة أوروبا الأخلاقية منذ أن اندلعت بها تلك المظاهرات الحاشدة المندّدة بالحرب على العراق، والمطالبة بعودة الجنود الإسبان الذين زجّت بهم حكومة أزنار اليمينية في حرب غاشمة لا هدف لها إلاّ استنزاف موارد العراق الطبيعية والحضارية. ومع أن مدريد كانت ضحية إرهاب أعمى، فإنّ الإسبان لم يتخلّوا عن تعاطفهم مع الفلسطينيين ولا مع العراقيين، ولم يتحوّل مثقفوهم إلى «جِراء صغيرة» على نحو ما نرى في بعض البلاد العربية حيث تسعى هذه الجِرَاء في جلبة خلف الفتاة أو هي تلعق البقايا، ثم تمشي وهي تشيل أذنابها أو تعوي عواء القطط الحائلة، وهي تبشّرنا بالديمقراطية على النمط الأمريكي، وقد ارتضت لنفسها أن تكون ممسحة الأقدام الموضوعة على عتبة الباب : باب الاستعمار الجديد وتوليد الديمقراطية ولادة قيصرية. *** كثيرا ما نقرأ هنا أو هناك أن التعارض بين السياسة والأخلاق قائم في أكثر من مستوى وهو على ما يبدو تعارض شائخ كاذب طال أكثر من اللازم وإن كان له ما يبرره. فقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين خاصة من التغيّرات والانقلابات في حقول العلم والمعرفة وفي الأوضاع الاجتماعية والسياسية والثقافية، ما جعل الفجوة بين السلوك وأنساق القيم تتّسع وتعبّر تعبيرا صريحا أو مضمرا عن شك عميق في فاعلية القيم المتوارثة وفي جدواها. وذلك بدءا بنهاية عصور الاستعمار القديم وثورة الزنوج والطلبة والنساء على كل أشكال السطوة والتسلّط... فسقوط المعسكر الشرقي وحلول مرحلة جديدة من الإمبريالية أو الكولونياليّة كما يعرّبها البعض، وارتفاع الأصوات المنادية بالحرية والديمقراطية، وسيادة التفكير العلمي العقلاني، برغم أن التفكير الغيبي لا يزال يحتفظ بقدر غير يسير من سطوته وفتنته. وهذا وغيره مما لا يتسع المجال لذكره، إنما يذكي الحاجة إلى قيام نسق من القيم الجديدة، حتى لا تكون «نهاية التاريخ» المزعومة نهاية الأخلاق، على نحو ما نرى بعد أكثر من ثلاثة أعوام من اندلاع انتفاضة الأقصى، بداء باستشهاد الطفل محمد الدّرّة وحتى استشهاد الشيخ أحمد ياسين... وانكشاف أكاذيب الإدارتين الأمريكية والبريطانية في حربهما العدوانية على العراق... مع العلم أن ظاهرة الحرب لا توجد في مملكة الحيوان إلاّ لدى البشر وبعض أنواع النمل والفئران. صحيح أنّ القيم لا تنشأ بفعل الإرادة الذاتية الواعية، وأنه من السذاجة أن نأخذ بذلك التصور الذي كان يأخذ به القدامى في اعتقادهم أن الناس على دين ملوكهم، بحيث نتوهم أن مشكلة مجتمعاتنا في سلوك الحاكم الأخلاقي وليست في نوع الحكم القائم أي في التنظيم السياسي حيث يسري القانون على الجميع من هرم السلطة إلى رجل الشارع فالأخلاق مدمجة في العادات والأعراف والتقاليد. وهي بمثابة «مستودع» تستمد منه السياسة أفكارها. من ذلك أن العدالة والمساواة والحرية والإخاء كلها قيم أخلاقية، ولكن يفترض فيها، عندما تنتقل إلى السياسة، أن تتحول إلى قوانين ملزمة. هذه القوانين هي التي تذكرنا بها مظاهرات مدريد الحاشدة في ذكرى احتلال العراق... لذلك لا أجد أبلغ من غبارة أندريه مالرو في كتابه «الأمل» وهو يتحدث عن ملحمة مدريد في الثلاثينات ويقول : «لقد عاش هؤلاء الناس، على الأقل يوما وفقا لقلوبهم!».