المشاهد الدامية في «الفلوجة» والتي كانت تصلنا تباعا عبر شاشة التلفزة صورا حية تثبت الحق وتزهق الباطل لم تكن لتمرّ دون تمحيص ولا تحليل عميق. لم يكن أمر تلك الأحداث الدامية التي مسّتنا حدّ النخاع ليمرّ مرور الكرام... وبعد سنة من احتلال العراق جاء موعد التاسع من أفريل ليكشف أنّ المشهد في العراق وفي العالم لا يحتمل أكثر من خندقين خندق المقاومة والبطولة والتضحية وخندق الاستعمار والعملاء والمتواطئين ويضاف إلى هؤلاء المتخندقين مع المستعمر ما يطلق عليه بالطابور الخامس... المشهد في العراق اليوم لم يعد يحتمل مهادنة ولا مماطلة ولا تمنيات واهمة ولا يقبل ذرّ الرماد في العيون. من «الفلوجة» كُشف المستور وأضحت بعض الشعارات السابقة التي ظننا أنها أفلت مع أفول الثنائية القطبية.. لكن الحقيقة على الميدان أثبتت غير ذلك. في ذكرى ا لتاسع من أفريل (وهي الذكرى الأولى لاحتلال بغداد) تأكد لجميع الذين انتظروا موقفا عربيا يسند حق المقاومة العراقية في الدفاع عن الأرض والعرض أنه موقف لن يأتي. وهنا ينبري سؤال أساسي ومركزي ما الذي يكون قد تغيّر في آليات وتوجهات النظام الإقليمي العربي من «بيروت 82» إلى «جنين 2002» وصولا إلى بغداد 2003 و2004 ووفق أي منطق يرنو العرب (الشعوب) إلى موقف واضح ومبدئي. شاب من الفلوجة لا يتجاوز عمره الثالثة والعشرين عاما طالعنا على إحدى الشاشات ومن داخل خطّ النار والدمار الذي أحدثته آلة الاحتلال الأمريكي في هذه المدينة الصامدة قال وقد اختزل ما كنّا نبحث عنه في السؤال إن الصورة واضحة لدينا... بل هي صورة أكثر وضوحا من أي وقت مضى في أذهاننا وهي تقول إن الذي يحدث لنا في العراق سببه الجيران وإسرائيل وأمريكا. هذا الشاب الذي قفز يتكلّم من داخل خندق المقاومة والمعاناة والصد ليس محلّلا استراتيجيا ولا هو صاحب كتب ومؤلفات بل هو مواطن عربي من الفلوجة استنطق الميدان فجاءه الجواب واضحا وضوح الشمس... لكن يحدث أن نجد على الضفة الأخرى من الوطن العربي أقلاما مبعثرة وأصواتا مرتعدة ونبرات فيها خوف قاتل من أمريكا والإدارة الأمريكية.. هؤلاء يخافون من قولة حقّ بل هم يأخذون قولة الحق ليروجوا بها للباطل. هؤلاء هم الطابور الخامس الذي روّج للاحتلال الأمريكي في العراق على أنه جلاب ديمقراطية وحياة كريمة ضاربين عرض الحائط أبجديات ا لأصول والمبدئية والشرعية تناسى هؤلاء أن الاحتلال لايقارن إلا بنظيره وحين عبث هؤلاء بمسألة النظائر أمكن لأحدهم أن يخلط الأوراق على حين غرة فكتب أن «بريمر» (سلطة الاحتلال) أخذ في ظرف سنة سيئات «صدام» (السلطة التي رفضت أمريكا على رؤوس الملأ)... أصحاب هذه النظرة من الطابور الخامس هم الذين أرقوا الأمّة وجعلوها تتهاوى فكريا في حين نجد محاميا مثل جاك فيرجيس يعتمد مقاربة الشرعية والقانون والمبدئية فيصلا في تناوله للمسألة العراقية... في السياسة غريب أن نتحدث عن التجربة والبرهان. فمثل هذه المقدمة «Postulat» لا تليق بالعلوم الإنسانية... لكن رغم هذا عمل أصحاب القلم والفكر من المنتمين إلى الطابور الخامس على جعل العراق مخبرا لتجارب الديمقراطية الأمريكية فإذا بالواقع يؤكد ويشهد أن الاستعمار استعمار مادي وفكري الغرض منه الهيمنة والسيطرة بل وافتكاك متاع الآخر الذي يقع تحت الاحتلال وإذا استعصى على الغزاة الأمر ولم يبتلع الأهالي طعم الاحتلال الذي يسوّقه الطابور الخامس عندها لامانع من استعمار السلاح وإسالة الدماء ودفن المواطنين العراقيين أحياء... وعندما تكون الحقيقة فاضحة وجارحة ومحرجة مثلما كان عليه أمر العراق ولا يزال في الفلوجة منذ أسبوع وبلغ ذروته يوم التاسع من أفريل عندها يطالعنا آخر من الطابور الخامس نفسه ليقول في لهجة مهزوزة ومهزومة أن اتركوا العراق وشأنه.. ولا تتدخلوا في شؤون العراق الداخلية... طبعا هذا الرد جاء ويأتي مرات ومرات ليعلّق على كلام الشريف «غالاواي» والشريف «فيرجيس» وغيرهما من الشرفاء العرب الذين تزخر بهم المدن والأرياف العربية الولاّدة... وهذا جزء من جواب على سؤال يبحث ويستغرب من عدم وجود موقف عربي. أما على المستوى الرسمي العربي فإن الواقع الذي يعيشه العرب اليوم يرفع الكثير من صيغ الاستغراب.. فهناك من الشعارات التي تجعل النظام العربي الرسمي في نفس الخندق مع الاستعمار وإسرائيل ذاك النظام الذي فرّط في بيروت وتركها تصارع أعتى آلة حربية في العالم لمدة ثمان وثمانين يوما... في تلك الفترة التي ظننا أنها لن تتكرّر وأن العرب أخذوا الدرس بما فيه الكفاية حين ازدادت إسرائيل قوة وتراجع الوضع العربي القهقرى كان الطابور الخامس يتفرّج على خليل حاوي يضع بندقيته في رأسه وينهي حياته قرفا من الوضع العربي وكان النظام الرسمي العربي يحاول أن يلملم حاله فإذا به كان أشدّ انصياعا لأمريكا ولفيليب حبيب من خضوعه إلى متطلبات المرحلة الدولية التي ستجلب لهم الطوفان... ولأن العرب لم يكن لهم موقف من اجتياح الصهاينة لعاصمة الثقافة ومن دحرجة الصهاينة والأمريكيين لقضية فلسطين حتى تضيق عليها وبالتعاون مع الجهات العربية المعنية، الخناق الميداني النضالي فقد تكرّر الأمر نفسه مع جنين في 2002. لقد وقف العرب دون أن يقفوا فعلا في موقع المتفرج إلى أن جاء دور بغداد... عاصمة الرشيد وبيت الحكمة فتحالف من تحالف مع الشيطان ضد ّ نفسه وضد مستقبل الأمة وبدأ يتحدّث عن خلاص مستقبل الأمة، وبدأ يتحدث من لا يعرف للديمقراطية وللقانون سبيلا... ودخل الجميع في أيام حشر هي ليست بالحشر لأنها المحاسبة فيها غائبة... إلى أن وصل الأمر إلى عام على احتلال بغداد... عندها نطق الميدان بالحق، وزهق الكذب لأنه باطل... الشعار لايزال حيّا... والذي جيّر للمحتلين مواقفهم... والذين قفزوا على الحقّ ظنّا منهم أن أسلوب المغالطة والغوغائية يمكن أن يجعل من الحقّ كلمتين منفصلتين «حاء» و»قاف» أفاق هو نفسه على كذبة كبرى.. لا يمحو عارها سوى مزيد النظر في المرآة وتقديم العذر للشعب العراقي والشعب الفلسطيني مع نقد ذاتي فصيح... أما الذين مازولوا يصرّون على أن القبح في المرآة وليس فيهم.. فالتاريخ وحده هو الذي سيقول كلمته فيهم..