عندما ترمق التداعيات كما الاوضاع من فلسطين الى العراق... تنتابك الحيرة دون شك ولكن تختلج صدرك اسئلة وأسئلة من قبيل: ما الذي فعلته الامة في الآخرين حتى تصاب بما تصاب به اليوم؟ ما الذي اقترفه اسلافنا، حتى يدفع هذا الجيل الثمن؟ وعندما تتوقف برهة عن السؤال والتساؤل، تغوص ثانية في ذاتك تحاسبها على نوعية السؤال وبالتالي تسأل بثقة وعن اي ثمن اتحدّث... ما يحدث في فلسطين والعراق يعجز المنظّرون والفلاسفة وأصحاب نظريات التاريخ وعلم الاجتماع عن الاجابة عنه... فلا وسائل التحليل العلمية بامكانها فكّ طلاسم الوضعين ولا «ميتافيزيقيا» الاولين قادرة على ان تشفي غليل السائل: لماذا يحدث لنا هذا؟ وبإي ذنب تقتل المرأة والطفل والرجل والزعيم والحكيم في قومنا بفلسطين والعراق، وهم وقفوا فقط من اجل الدفاع عن وطن تنهشه كلاب من كل حدب وصوب؟ لقد فاق الوضع كل تنظير وكل تصوّر، ولم يبق أمامنا سوى التسليم بالواقع ومحاولة قراءته على الوجه الأوكد والأفضل. ما يحدث للامة يفوق الازمة. فالازمة تتشعب عناصرها وتتراكم مكوّناتها لتنفجر بعد برهنة مؤذنة بالتغيير، وكل تغيير بعد غليان وأزمة هو بالضرورة تأسيس لمرحلة جديدة... لكن ما يحدث للامة الآن يفوق الازمة ويخترقها لتعيش الامة ما يشبه المحنة... بل هي المحنة ذاتها.. في هذه المحنة سمة بارزة وأساسية على المؤمنين بالفعل الايجابي ان يرصدوها ويراكموا مكوّناتها. هذه السمة التي تميّز المحنة اسمها: فرز الخنادق... هذا امر ليس سهلا، وليس في متناول الجميع فكم امة او مجتمع نام ورقد على بساط يظن انه صلب صلابة اليابسة، فاذا به يتفطن بعد ان يكون الوقت قد فات، ان البساط ليس سوى «قشرة» خفيفة فيها وهم اليابسة، تغطي القشرة خندقين. خندق الطيبين وخندق الأشرار. امّتنا تعيش اليوم محنة، وهذه المحنة هي وحدها التي مكّنت الجميع متفقين اولا متفقين، متعاضدين مع بعضنا او غير متعاضدين على حقيقة واحدة: اليوم فرزت محنة الأمة الخنادق. على رجع الصدى في العراق كما في فلسطين تكشف لنا المحنة الشقيق، الذي لم نحاسبه عما مضى من افعاله، وأخذتنا معه سحابة او وهم الانتماء الى خندق واحد... فاذا بالمحنة تذكّرك ان الشقيق يمكن ان يكون في الخندق المقابل ويمكن ان يكون من بين الذين اسسوا او ساعدوا في اقحام الأمة في محنة... عندها تصبح المحنة فأل خير على الأمة تفرز من خلالها العدوّ من الصديق والصالح من الطالح من ابنائها... المحنة، ولما اخترقت الازمة وبانت كاملة متكاملة، امكن لك ان تقف على الوجه الحقيقي لمن خانوا وتلاعبوا بما حرّم الله والقانون والفلاسفة و»ماركس» و»فيبر».. أولئك الذين جاؤوا على ظهر دبابة واولئك الذين اختزلوا الوطن في رقعة «صمنتيمترات» اسمها الكرسي... فهل كان سينكشف امر هؤلاء لو بقي الامر حدّ الازمة ولم يخترقها ليصبح محنة؟ أبدا. هذه المحنة، وبكل مآسيها التي احدثت فينا وبكل الدماء التي سببتها بين صفوف المناضلين والعاديين وحتى المهمشين، كشفت لنا، ولاتزال، دون شك، من الذين دخلوا الفعل السياسي من بوابة «جون جوريس» الذي يرى في الفاعل السياسي شيئا من «الوغد»، وبين الذي اتى الفعل السياسي حالما ومناضلا، جاء من اتون الحرب والفقراء جاء يرمق خلاص الآخرين، وبالتالي لا يمكنه الا ان يأتي الفعل السياسي بنبل. كما «غيفارا» الذي ضجر من الرفاهية التي ولد فيها، وأتى فعلا نضاليا في كل امريكا اللاتينية حتى انك تحتار بخصوص جنسيته: هل هو «بوليفي» ام «شيلي» ام «ارجنتيني» ام «مكسيكي» أم هو «كوبي»... لتستريح بعد فترة فتقول انه كل تلك الجنسيات.. هذه المحنة التي تمر بها الأمة، مكنتنا من اكتشاف اكثر من 400 «غيفارا» في «الفلوجة» وحدها.. واضعاف اضعاف هذا العدد منتشرون بين جنين ونابلس ورام الله والناصرية والموصل وبلد... المحنة شديدة دون شك، وهي امر قاس ومرعب، لأن ليس هناك حديث عن محنة دون شهداء ودمار وموت بطيء وسريع.. لكن هذه المحنة كشفت كم هم كُثّر اصدقاء الأمة، حين يطفو على سطح هذه الامة شرفاء... لم يكن لدينا دين عند اسبانيا، ولم يكن لها دين عندنا... الموضوع وما فيه، ان «ازنار» وقف علانية خلف «عرب» وقفوا قبله في الصف الأمامي ولكن تحت غشاء يتسترون به. وعندما كشفت المحنة عورة الاحتلال وعورات المتخاذلين والبائعين والخائفين، تحوّل موقف اسبانيا من موقع الى موقع... هي محنة مؤلمة، بالتأكيد لكنها محنة كشفت لنا ان المراهنة على «بيريز» هي كما المراهنة على شارون فلماذا نكيل الشتم «لشارون» وهو الذي فرز لنا الخنادق وفتّح بصيرة غير المبصرين، ونرمي الورود على «بيريز» الذي كشفت لنا المحنة انه اشد سوءا من شارون... نعم هي محنة، وقاسية ايضا. لكن لولاها، من ذا الذي كان سيكشف لنا سليل العائلة المناضلة، الذي رفض التعاطي مع ملف العراق حين كان العراق ينوء تحت الحصار. واليوم يشهر «سيف» الأممالمتحدة ويقول انه جلاّب حكمة... في حين كشفت المحنة انه منقذ للاحتلال الذي جعلت منه محنة الأمة عدوّا غريقا، مستعدا الآن للتراجع امام المقاومين شبه العزّل من السلاح، الا من إرادة قوية على التغلب على المحنة. الأمة في محنة، لكنها قادرة على الوقوف في وجه جلاديها والمتآمرين عليها المحنة مكلفة وموجعة ومؤلمة، لكنها محنة تدعو ابناء الأمة، وكل من موقعه، وبإلحاح شديد، حتى يقف وقفة مع الذات... المحنة مؤلمة ومدوية وصاخبة وتودي بالشهداء تباعا لكنها محكّ طالما احتاجت اليه الأمة... منذ سبعة قرون على الاقل... فهل يساور سؤال الحيرة اهل الدار فتكون المحنة «قنطرة» باتجاه الصواب. نحن على هذا الامر قادرون، لكن قبل ذلك يجب على ابناء الامة معرفة ما سيقرأون ولأي واقع سيؤسسون... هل هو واقع الواقفين او واقع المقعدين... في الحالة الاولى، يتطلب الامر تشخيص المحنة والقبض.. على الجمر... وعلى المفاتيح... اما الحالة الثانية فهي تتطلب امورا اسهل من التي ذكرنا سالفا، فقط مطلوب في تلك الحالة... غرس الرأس في الرمل.. والقبض... على الماء... بعد تسليم المفاتيح...