الفلوجة مدينة من المسك والعنبر.. وزجاجة من عطر الورد وماء الياسمين عليها تهبّ رياح الجنة يوميا تأتي مع الصواريخ السافكة للدماء والقنابل الانشطارية التي تثكل النساء وتخطف ابتسامات الأطفال. هي ساحة شرف لمعركة بين المحتل والوطن والسماسرة والشرفاء والكرامة والذل.هي العلامة التي فرقت بين ادعاءات الديمقراطية الكاذبة وواقع الاحتلال البائس هي السد الذي صدّ ماء النار الهادر والجدار الذي يذود على أمّة من الأموات والمكان الذي يمتحن فيه عناد الجيوش الجرارة مقابل إصرار من لا يمتلكون إلا قوّة الإرادة. الفلوجة مدينة غير عادية تطوعت للموت عوض أن يموت فيها الشرف واختارت أن تشرب كأسا من حنظل لكن بعزّ عوضا عن كأس حنظل لكن بذلّ مدينة قادرة على أن تشرب الموت وأن تحتفل بالمآتم وأن تغني حتى ودموعها في العيون والدماء تنزف من القلب. مدينة تجعل من النواح مغنى.. وتجعل من البكاء ألحانا شجيّة.. وتجعل من مقامات الحزن سلالم للفرح.. هي من صنف تلك المدن الأسطورية التي أنستنا إياها انتصارات العولمة وقدرات طائرات «الأف 16» التي حطّمت جدار برلين بدون أن تقصفه وحوّلت أعلى مكتب في قصر الكرملين إلى مصلحة فرعية لإدارة المخابرات المركزية وتمكنت خلال أشهر قليلة من أن تجعل أوروبا الشرقية كلها تمشي في طابور تعظيم سلام أمام منتصر تطوعت له دول بنصر لم تسبقه حرب. لذلك هي الآن قبلة لكلّ المثاليين أوئلك الذين لا يقهرهم الواقع ولا يبدّلهم الانتكاس هي الآن قبلة لكلّ الشعراء الذين لا يتبعهم إلا الغاوون من المتمردين على القوة حتى وإن لم يمتلكوا قوّة ومن الرافضين أن يسيروا مع القطيع حتى وهو يهرول كلّه.. الفلوجة مدينة من مسك وعنبر.. ودموع ودماء.. وكؤوس مترعة بالحزن لكنّها فائضة بالشرف.