إذا كان من المسلّمات ان وسائل الاعلام، ليست الا تعبيرا عن مصالح مالكيها، سواء كانوا من الدول او اللوبيات او الاشخاص نزّلنا وقتها هذه الحملة التي تقودها الولاياتالمتحدةالامريكية ضد قناة الجزيرة منزلتها الصحيحة، وهي حملة موجّهة عبر الجزيرة ضد كل خطاب اعلامي عربي لا يرضى عنه الذوق الامريكي الرسمي ويرى فيه تهديدا ليس فقط لصورة امريكا المطلوب تجميلها بدون أن يجد الطلب للتنفيذ او للامكانية سبيلا، وانما ايضا لمصالحها التي يمرّ شرط تحقيقها بإعادة الاستقرار للعراق (على سبيل المثال) بعد أن ملأته فوضى! وهكذا وبسبب تغطية قناة الجزيرة لما حدث في الفلوجة، وانطلاقا من الحماس الزائد لمراسلها من هناك أحمد منصور، وليس من الحماس الزائد لآلية قتلها كما تقول الحقائق أصبحت الجزيرة التي لطالما أثنى عليها نفس الذين يرمونها الآن بكافة أنواع النعوت السيئة، هدفا لهجوم، وموضوعا لتهم تتراوح بين أنها ليست قناة حرة في ملكيتها، وأنها ليست قناة حرفية في عملها ولربما ايضا في سلوكها. وتأسيسا على بديهة ان وسائل الاعلام هي تعبير عن مصالح أصحابها، وبالتالي ايضا افكارهم وأحاسيسهم، تتهاوى كل هذه التهم الواحدة تلو الأخرى حيث ينطبق نفس الشيء على قناة الحرة مثلا، وهي قناة ممولة من قبل الولاياتالمتحدةالامريكية وبالتالي فانها حقا حرة لكن في التأسيس او التعبير عن مصالح بلد العم سام وهي مصالح تبلغ الى حد استعمال كلمة أراضي السلطة عوضا عن الاراضي الفلسطينيةالمحتلة، عند تغطية الاحداث الجارية في فلسطين وتطلق صفة الارهابي على كل من يموت برصاصها او برصاص اسرائيل، عوضا عن صفة الشهيد. ومع ذلك فليس من حق أحد ان يمارس عليها ضغطا لتبديل مصطلحاتها او لتغيير مفاهيمها فهي حرة في مجالها المحدد سلفا بل وهي تجد من شاهديها رحابة صدر كبير تتفهم حالة اللاحول واللاقوة التي هي عليها خصوصا من مشاهديها الذين يفقهون الاعلام، ويعلمون حقائقه! ومن حقائقه في حالة الحرّة، أنها اضافة الى ذلك كله قناة موجهة او أن الذين يؤثثونها من الاعلاميين العرب انما هم يلهثون بدرجة اولى وراء وامام لقمة عيش قد تكون في الحرة أسمن، واذا كان منهم من يتعاطف مع القضايا العربية، فانه مطلوب منه شرط ان يتخلى عن ذلك التعاطف قبل التفكير في مجرد تقديم طلب للعمل فيها، او ان يعدل تعاطفه حسب المنظار الامريكي وحسب المصلحة الامريكية، وهذا أمر عادي فالقناة امريكية وأموالها امريكية واهدافها امريكية، وبالتالي فان الخطاب الذي يجب ان يروّج فيها ومن خلالها عليه ان يكون امريكيا، ولن تستطيع تلك الومضات الاشهارية لمذيعي القناة الذين قادتهم رحلة بحثهم عن الحرية الى الحرة فما يقولون بتعابير مسرحية جيدة، لن تغيّر أي الومضات من الحقائق شيئا، بل ندعو لهم ان يكون الله في عونهم وان يرزقهم من الثمرات. واذا ما نحن واصلنا خطاب كشف المستور هذا، واطللنا به على الوقاحة الضرورية أحيانا، لقلنا حسب ما نشاهد ان الحرة قناة امريكية نشم من خلالها روائح الخطاب الماروني اللبناني الانعزالي القديم، لكن في شكل أجد وفي ثوب متجدد قشيب وبوسائل تعتقد انها امسكت اخيرا بأسس علم تخريب الرأي العام العربي، او على الاقل وهذا جود منا تضليله بعد أن انهزم ذلك الخطاب من قبل وأصبح نسيا منسيا! ومع ذلك فإن رحابة الصدور صدورنا وصدور أمثالنا وليبراليتنا التي ليس لها حدّ تمنعنا من مجرد التفكير في تميز ضغوطات تتعرض لها هذه المحطة التي لا نعرف من هو المقصود بلقطة الجياد العربية فيها، هل هم فرسان المحطة ام الاشخاص المتواضعون من كل الشعوب العربية المسكينة والتي أنستها الظروف صفات الجياد الاصيلة والنسور القديرة! واذا كانت الجزيرة مورطة فالحرة أزيد توريطا واذا كانت الجزيرة تعبث وهذا شأنها أحيانا فعبث الحرة أعظم واذا كانت تلعب فقليل هم الاعلاميون الذين يحاولون تحويل الاعلام من لعبة سخيفة الى لعبة جادة في أقل الحالات. والحقيقة انه من مآثر ما يتم في العراق وما تم نزع ورقة التوت عن كل السوءات الاعلامية، وقد ظنّ خطاب السوء المتربص وهذا حقيقة وليس سبّا أن المجال فتح امام عملية غسيل لوجهه، وعملية صعود لمحتواه، ظانا ان تراكمات الانكسار والهزيمة ستصل بالناس الى الكفر، او الى التيه الذي لن ينجيه من عواقبه الا الخطاب الامريكي العربي، وهو المتدثر باتهام الآخرين بالعنترية مثلا، او باللا واقعية، او بمساندة الاستبداد، والغريب انه ينطلق من تخويف الناس باستبداد لا حول لهم ولا قوة به (الاستبداد الامريكي) حتى يكونوا قادرين على ممارسة الحياة، وحتى يعود البصر لأعينهم التي لا ترى! وواضح انه مطلوب من الاعلام العربي الآخر، ان يكون في لين فرو الارانب، وبصفات الماء حيث لا طعم ولا رائحة حتى يدلل على حرفيته واستقلاليته. ونخشى ان يأتي يوم يطالب فيه بالتحول الى اعلام «ايروتيكي» حتى يمارس حريته ويحقق استقلاليته وحتى يدرأ عن نفسه تهمة تحوّل من وسائل اخبارية الى وسائل تعبوية، كما قال ذلك مؤخرا مدعو اسمه نبيل خوري يشتغل كما قيل ناطق باسم وزارة الخارجية، معتقدا ان هذه «التخريجة» اللغوية ستجعل الفرائص ترتعد، والشك يستقرّ والاسئلة تطلّ برؤوسها المركبة.