ترامب: لا يزال أمامنا عمل لقمع قدرات إيران الهجومية    بزشكيان: إنهاء العدوان ضد إيران هو الحل الوحيد    منظمة التعاون الإسلامي تدين المصادقة على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بسجون الاحتلال    نشرة متابعة للوضع الجوي لهذه الليلة..أمطار والطقس بارد..#خبر_عاجل    بخصوص العناصر الإرهابية العائدة من بؤر التوتر.. الداخلية توضح اجراءات التعامل معها    تم ايقافه بجهة حلق الوادي.. بطاقة ايداع بالسجن ضد مروج مخدرات مصنف خطير    بعد الحكم بالبراءة: القصة الكاملة لقضية فريال يوسف ونادية الجندي    تنميل اليدين ليلاً... متى يكون طبيعياً ومتى يشير إلى مرض؟    النقابة المستقلة للمخرجين المنتجين تدعو الى حوار وطني حول مستقبل المركز الوطني للسينما والصورة    突尼斯驻北京大使馆举办经济推广活动,    سفارة تونس ببيكين تنظم تظاهرة اقتصادية بمناسبة وصول 50 طنا من صادرات زيت الزيتون التونسي    أكثر من 130 ألف خريج تعليم عالٍ مسجلون بمكاتب التشغيل وغالبيتهم من دفعات ما قبل 2021    هل كوب الشاي اليومي يهدد صحتك بالبلاستيك؟ حقائق صادمة    جندوبة: تعليق الدروس بمعتمدية عين دراهم توقيّا من تداعيات التقلّبات المناخيّة    حجّ 2026: تونس تسوغت ثلاثة فنادق قريبة من الحرم المكّي و 5 فنادق في المدينة المنوّرة في الصفّ الأوّل    تسجيل أول موجة تضخم في منطقة اليورو أثارتها حرب إيران    عاجل : منع الاحتفالات المرتبطة باختبارات'' الباك سبور'' لتلاميذ البكالوريا في قابس    وصول دفعة ثالثة تضم 9 تونسيين إلى تونس بعد إجلائهم من لبنان    مؤتمر مصر الدولي للطاقة: وزيرة الصناعة تدعو الى بناء شراكات إقليمية ودولية    المؤتمر 43 لطب العيون من 9 إلى 11 أفريل 2026، بالعاصمة    الرابطة الثانية: لطفي الجبالي يخلف هشام السويسي في تدريب اتحاد تطاوين    هل يفسد فنجان القهوة الصباحي مفعول فيتاميناتك؟ إليك التفاصيل    وزير التربية يتابع مشاريع صيانة وتهيئة المؤسسات التعليمية بسوسة    صاحب منزل مهجور في جربة: فيديوهات "تيك توك" و"إنستغرام" وراء قرار الهدم    عاجل : سفارة أمريكا للتوانسة ...ردوا بالكم من التحيل و هذا شنوا لازم تعملوا    البنك المركزي التونسي يُبقي نسبة الفائدة الرئيسية عند 7 بالمائة    أكثر من 60 ميدالية.. تونس تتألّق دوليًا في مسابقة زيت الزيتون الأفروآسيوية    عاجل-يهمّك تعرّف: هذه الأيام البيض لشوال...أحسن وقت للصيام    عاجل: فلكياً هذا موعد ''العيد الكبير''    بين التعزيزات والغيابات .. مستقبل سليمان يواجه التحدي خارج الديار    الرابطة الأولى: الترجي الرياضي يتحمّل نصف الكلفة .. ودعم عملي لمبادرة النجم الساحلي    تونس: 95 مليون دينار لتمويل الشركات الأهلية لدعم الاقتصاد الاجتماعي    عاجل: تعليق الدروس بهذه المنطقة بسبب الوضع الجوّي    المهدية: إيقاف 9 أنفار من بينهم إطار سام بالوظيفة العمومية وعوني أمن    رئيسة المكسيك تعد بافتتاح "تاريخي" لمونديال 2026 في ملعب "أزتيكا"    بعد هايتي... "نسور قرطاج" أمام تحدٍ كندي من العيار الثقيل    عاجل/ جرحى وأضرار في منازل اثر سقوط شظايا اعتراض طائرة مسيرة في الخرج بالسعودية..    يُعتبر الأرخص في ولاية سوسة: أسوام سوق العراوة اليوم    مراعي ومزارع تحت الخطر: وزارة الفلاحة تطلق نداء عاجل    عاجل/ تزامنا مع التقلبات الجوية: مرصد سلامة المرور يحذر مستعملي الطريق..    عاجل/ متابعة لاستهداف ناقلة نفط كويتية في دبي..هذه آخر التطورات..    صادم: القبض على حفيد متّهم بقتل جدته    عاجل : بشرى لمستعملي الطريق... اكتمال مشروع المدخل الجنوبي قبل موفى 2026"    تفتيش أمني مفاجئ للاعبي بلجيكا بعد فوز عريض على أمريكا    توننداكس يقفل معاملات الإثنين متراجعا بنسبة 0،18 بالمائة    الذهب يتجه لأسوأ أداء شهري منذ 17 عاما    أنشيلوتي يؤكد: دانيلو ضمن قائمة البرازيل في مونديال 2026    مجلس وزاري يتخذ قرارات لإصلاح منظومات الصحة والضمان الاجتماعي والتغطية الصحية    صفاقس.. اصطدام قطار نقل بضائع بسيارة    قفصة ...تنظيم الملتقى الجهوي للموسيقى بالوسط المدرسي    حضور تونسي لافت في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية    تونس مسارح العالم: العرض الاسباني "كولوتشي باو" يستحضر مأساة الاستعمار الغربي لأفريقيا    العلم يقول اللي أحكم قراراتك تاخذها في العمر هذا    توزر: اختتام المهرجان الدولي للطائرات الورقية بعد ثلاثة أيام من الورشات والخرجات السياحية    السينما التونسية تتألق دوليا بتتويج ظافر العابدين في مانشستر... فيلم 'صوفيا'    بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب    معركة «هرمجدون» (Armageddon) في الرؤية اليهوديّة    مع الشروق : من موقعة «الجمل» إلى موقعة الصواريخ فرط الصوتية !    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فصول من كتاب "حماس من الداخل": القصة غير المروية عن المقاومين والشهداء والجواسيس
نشر في الفجر نيوز يوم 20 - 01 - 2008

أبها-الوطن -الفجرنيوز:لم يعمر الفرح الفلسطيني طويلا بالاتفاق الذي تم بين فتح وحماس في مكة المكرمة والذي رعاه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في فبراير
2007. إذ شكل فشل هذا الاتفاق عبئاً كبيراً على الفلسطينيين من كافة فئاتهم، سيما وأن ما حصل بعد هذا الفشل أطلق عليه تسميات تتناسب مع الجهة التي تطلقها، فهو انقلاب من وجهة نظر فتح، ودفاع عن النفس من وجهة نظر حماس.
حصل ذلك أواسط يونيو الماضي عندما سيطرت حماس على قطاع غزة، حيث مورس خلال تلك الأحداث أبشع أنواع القتل بين الجانبين، فارتكبت فتح ممارسات بشعة ضد حماس، لكن بشاعة الطريقة التي نفذت بها حماس انقلابها، بما في ذلك رميها لخصومها من سطوح الأبنية وسط قطاع غزة، خلصت فتح من احتمال المحاسبة. بل حولتها إلى معتدى عليها ومظلومة وضحية.
لقد أعطى النضال الفلسطيني نوعا من القدسية للتنظيمات المسلحة، لكن في الفترة الأخيرة، دخلت المحاور الإقليمية بوضوح على الموضوع الفلسطيني، حتى صار الانطباع السائد أن حركة في حجم حماس، تندرج، بموجب سياستها في إطار المحور الإيراني - السوري. والأصعب عليها هو أنها حركة انبثقت من رحم الإخوان المسلمين، أي من الرحم السني الواسع، وإذا بها تصنف اليوم "حليفة للفرس والشيعة"، على حد قول خصومها.
ويقر كثيرون بأن حماس التي حكمت غزة صيف عام 2007، باتت أضعف من حماس التي كانت تنازع فتح على فرض السلطة على القطاع، وإن بدت أقوى في الظاهر. إضافة إلى أن هناك شعورا مماثلا موازيا، بأن فتح التي تحكم الضفة الغربية هي أضعف اليوم مما كانت عليه في السابق، وإن بدت أقوى.
إن هذا الواقع سبب لفتح متاعب مع الأمريكيين والإسرائيليين باعتبارهم شركاء لمحمود عباس. وفي المقابل، اعتبرت حماس أنها تستطيع أن تحكم باسم فوزها في الانتخابات، من دون أن تقدم تنازلات سياسية. وبذلك، خطت إلى السلطة وهي تعلم أن إسرائيل لن تقبل بميثاق حماس، وستجيش العالم لدعم موقفها. كما أن الدول العربية المعتدلة أعربت عن عدم استعدادها لمجاراة حماس في هذه المواقف، لأنه لم يعد لها علاقة بقواعد اللعبة في الشرق الأوسط.
كما أن الحركة، رغم كل المتاعب التي سببتها حكومتها، لم تكن مستعدة لأن تقدم شيئا إلى شعبها ولا إلى الطرف الآخر أو إلى الوسطاء الذين كانوا على استعداد لمسايرتها في وضعها، وفي مقدمتهم، دول الاتحاد الأوروبي التي لم تكن راضية عن الحصار والمقاطعة المفروضة على الحركة، لكن عدم تجاوب حماس، الذي اعتبره بعض المراقبين من مؤشرات عدم النضج السياسي، أدى إلى اتخاذ هذه الدول موقفاً مغايراً.
لهذا عندما اندلع النزاع بين قوتين متنافستين على السلطة، وحصل الطلاق بينهما، اكتشف الفلسطينيون أن النزاع كان بين ضعيفين، لأن كل واحد منهما منفرداً ليس لديه التفويض الكامل أو القدرة على الحسم وقيادة المشروع الفلسطيني وحده. وما سبق مؤتمر أنا بوليس في الولايات المتحدة من تجارب بين فتح وحماس حول عدم الذهاب إلى الولايات المتحدة للمشاركة في هذا المؤتمر أو مقاطعته وما تبعه ويتبعه من مؤتمرات ولقاءات، لم يترك أي صدى لدى المواطن الفلسطيني خصوصاً.
فإن هم هذا المواطن لا يتجاوز حدود بحثه عن سبل تأمين قوته وقوت عياله، أو علاج قريب له من أي من الأمراض المستعصية العلاج داخل أسوار القطاع المحاصر، بعدما تحول أكثر من ثلاثة أرباع سكان القطاع إلى شعب يعتمد على المساعدات التي تقدمها المنظمات الدولية ومؤسسات الإغاثة.
صحيح أن حركة حماس لم تنجح في اغتنام الفرصة، لكن من المبالغة القول إنها ارتكبت كل الأخطاء. وأيا كانت النوايا الأمريكية تجاه الفلسطينيين، إلا أن كثيرين يعتقدون أنه ما لم يصبح قيام الدولة الفلسطينية حاجة ملحة جداً للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، فلن تجرؤ إدارة أمريكية على الضغط على إسرائيل لإلزامها بتقديم تنازلات.
في الحلقة الأولى من كتاب "حماس من الداخل" القصة غير المروية عن المقاومين والشهداء والجواسيس للزميل زكي شهاب الصادر عن "الدار العربية للعلوم ناشرون"، يستعرض الكاتب زيارته الأولى إلى فلسطين في عام 1998، أي بعد خمس سنوات على توقيع اتفاقية أوسلو. فالدخول إلى الأراضي المحتلة لم يكن بتلك البساطة التي صورتها بنود أوسلو، خاصة للفلسطينيين. إلا أن جواز السفر البريطاني الذي يحمله شهاب شفع له بعض الشيء.
العبور إلى فلسطين
في غمرة شعور عارم من الترقب المشوب بالتوتر، أخرجت أمتعتي من الجمارك الأردنية. صباح ذلك اليوم من شهر مايو من عام 1998، حيث كنت أستعد لعبور حدود جغرافية و... نفسية! هي المرة الأولى التي أقترب فيها من حدود إسرائيل، وهويتي الفلسطينية تحتم خضوعي لاستجواب مفصل.
ركبت إحدى الحافلات القديمة التي تنقل الركاب بشكل منتظم بين الجانب الأردني من الحدود ونقطة التفتيش الإسرائيلية. بدأت مسيرة اجتيازنا للمنطقة العازلة، أي جسر الملك حسين. إنه ممر ضيق يفصل الأردن عن الحدود الإسرائيلية.
راح نظري يجول على الركاب من حولي. غالبيتهم مثلي، فلسطينيون.
تناوب الجنود الإسرائيليون اليافعون على سؤالي عن الغاية من رحلتي.
كانت الاستخبارات الإسرائيلية تشرف على سيل الأسئلة التي انهمرت عليّ بينما خضعت للتفتيش: من سأقابل؟ هل أحمل أية أسلحة؟ أين ولدت؟.. ولدت في صور، على بعد بضعة أميال من الحدود الإسرائيلية مع جنوب لبنان.
طال الاستجواب، فتنبهت إلى الواقع: أنا الواقف هنا: على أرض أجدادي، كنت أنا الغريب!
ساور الجنود الشك والريبة، فطلبوا مني الانتظار في قاعة الاستجواب فيما انتقلوا إلى قاعة مجاورة للتشاور فيما بينهم. لا شيء في تصرفهم يشير إلى
نجاح اتفاقات أوسلو التي تم التفاوض عليها طيلة السنوات الماضية والتي ترافق توقيعها وإشادات متفائلة جداً بنهاية عقود من إراقة الدماء والحقد والحروب. أخيرا، حصلت على الإذن بالدخول إلى إسرائيل. لم يكن الفضل في ذلك إلى جذوري الفلسطينية بل لجواز سفري البريطاني!
في القدس
ما إن وصلت إلى الجانب الإسرائيلي من الحدود حتى راحت تراودني أسئلة كثيرة عما تحضنه تلك الهضاب الصخرية من أسرار تزخر بها الأرض الجميلة.
المسكونة بالتوتر. توجهت إلى مدينة القدس، فصارت تتراءى أمام عيني ملامح القصص التي طالما كررها والداي وجداي على مسامعي، وقد حملوها معهم من أرض الوطن البعيد القريب. شيئاً فشيئاً، فارقني ذاك الشعور بالغربة عندما بدأت تطالعني، عبر النافذة، مناظر لم أعهدها سوى مجرد صور في خيالي.
ما وراء المساحات الشاسعة التي استوطنت ذاكرة والدي، كانت تقبع مستوطنات أخرى... يهودية. صفوف متراصة من المنازل البيضاء المكللة بالقرميد الأحمر، المنتشرة كالطفيليات على التلال، محدثة تشويهاً ألحقته يد الإنسان بالمنظر الطبيعي.
انتابني شعور غامر، لم أكن أصدق أنني وصلت أخيراً، وصلت إلى القدس! قررت النزول في فندق "أميريكان كولوني" لوجوده في القدس الشرقية، أي في الجانب الفلسطيني من المدينة. وكان زملائي قد نصحوني باختيار هذا المكان الحائز على رضا قاصديه من المراسلين الأجانب، تجنباً لإحساس محتمل بعدم الانتماء في المدينة المقدسة. انطلقت فوراً في جولة في القدس مع محمد سلهب، وهو صديق كان يسكن في حي مجاور لي في غرب لندن، وكان يقيم داخل أسوار المدينة القديمة ويملك متجراً لبيع التحف، على مقربة من المسجد الأقصى. هذا المسجد الذي أدرجته على رأس القائمة التي أعددتها بالأماكن الواجب علي زيارتها، يعتبر ثالث الأماكن المقدسة بالنسبة للمسلمين في كافة أرجاء العالم. تنزوي قبته المتواضعة ذات اللونين الفضي والأسود وراء القبة الذهبية التي يزدان بها مسجد "عمر"، المهيمن على المشهد، في مدينة القدس القديمة.
خرجنا نستكشف الأزقة الضيقة وما تحويه من متاجر صغيرة مكتظة بالبهارات والتحف النحاسية والفضية والخشبية القديمة. كان الفلسطينيون الرافلون بجلابياتهم التقليدية وبكوفياتهم المنمقة بمربعات بيضاء وسوداء كما في لعبة شطرنج، يتحدثون إلى السياح المزودين بكتيبات ودلائل، واليهود الأرثوذكس الذين يعتمرون قبعات سوداء مميزة ويلتحفون المعاطف الطويلة. تملكني مجدداً شعور دفين بأنني رأيت كل ذلك من قبل، إن تلك المشاهد ذكرتني بكل ما طال وصفه لي من قبل أصدقاء، لسنوات بعيدة خلت، أثناء طفولتي في لبنان.
الصلاة في الأقصى
كان يوم الجمعة، يوم العطلة لدى المسلمين. تحدى الآلاف من الفلسطينيين، شباباً وشيوخاً، رجالاً ونساء، الإجراءات الإسرائيلية التي تمنعهم من الصلاة في المسجد الأقصى. خلال تجوالنا في الأزقة المزدحمة بالناس، أثار محمد دهشتي وفضولي بجمعه كل صحيفة نظيفة أو قطعة من الكرتون يجدها على الأرض. لدى اقترابنا من البوابة المؤدية إلى ساحة المسجد، هالني حجم الوجود الإسرائيلي: كان الجنود ورجال الشرطة يتحققون من هوية كل شخص يدخل إلى المكان. في هذه اللحظة، أدركت سبب جمع محمد لتلك الأوراق. فقد فرشها على أرض الساحة كبديل عن سجادة الصلاة. كان الآلاف مثلنا سيصلون في الخارج لأن كل شبر من قاعة الصلاة في المسجد كساه المصلون. أعادتني أفكاري إلى والديّ اللذين طالما حلما بالصلاة في هذا المكان بالذات، حيث كنت جالساً. كان توقهما لأداء صلاة كهذه شديداً للغاية، ما جعلهما يعلقان على جدار منزلنا في مخيم برج الشمالي في لبنان، مجسماً ثلاثي الأبعاد لمبنى المسجد الأقصى وقبته - الرمز. لم يسمح لهما بزيارة هذه البلاد منذ نزوحهما في العام 1948. شرح لي محمد، المتزوج من سيدة بريطانية، وغير الملتزم بممارسة شعائر الدين الإسلامي، الشعور العميق الذي يراوده والكثيرين مثله من الفلسطينيين، ويدفعهم للمجيء إلى هنا كل يوم جمعة. إنها طريقتهم في الإعلان على الملأ، على الأقل مرة في الأسبوع، بأن القدس لهم أيضاً، وأنه لا يمكن للإسرائيليين تجاهلهم.
استغرقت زيارتي الأولى للأرض المقدسة شهراً واحداً. لم تكن مجرد زيارة شخصية، لأنني عهدت تغطية فصول القضية الفلسطينية ومآثر قادتها حول العالم منذ عقود. بعد التوقيع على اتفاقات أوسلو في عام 1993، عاد هؤلاء القادة إلى بلادهم، وكانوا يحاولون بناء دولتهم. طيلة سنوات، بعد عودته من المنفى في تونس، دأب الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات على تشجيعي لزيارته في مقره في رام الله وغزة. كذلك فعل كل من الزعيم الروحي لحماس، الشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبدالعزيز الرنتيسي، أحد قادة حماس النافذين، في سياق المقابلات الهاتفية التي كنت أجريتها معهما من لندن. رغبت أيضاً في رؤية الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي كان آنذاك يترأس الوفد الفلسطيني المفاوض مع إسرائيل. بذل محمود عباس قصارى جهده لإقناعي بزيارة مسقط رأس والدي في "الخليل". لكنني لم أذعن لمحاولاته إذ كان من الصعب علي القيام بتلك الرحلة ما لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام عادل.
في مقر عرفات برام الله
بعد وصولي إلى القدس بوقت قصير، دعاني عرفات لتناول طعام الغداء في مقره في رام الله، الذي كانت تتخذه سلطة الانتداب البريطانية مركزاً لها، قبل أن يتحول لاحقاً إلى مقر للإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية، ثم استقر فيه عرفات، فرتب مكتبه على الطراز نفسه الذي اعتمده في كافة مقراته السابقة في المنفى: ملصق للمسجد الأقصى خلف طاولة مكتبه حيث تتكدس أكوام من الأوراق والفاكسات وطاولة ضخمة تستقبل عند كل وجبة طعام عدداً من المستشارين وملتمسي الطلبات والزوار. لن أنسى أبداً تعبير الفرح الذي ارتسم على وجه عرفات عندما قبلني وعانقني بحرارة ورحب بي قائلاً: أهلاً بك في فلسطين".
وفي غزة
بعد الغداء، جلسنا وتحدثنا على انفراد. كان على وشك المغادرة إلى المملكة العربية السعودية لمقابلة الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز، وطلب مني الانتظار في غزة إلى حين عودته بعد 48 ساعة. أتيح لي في قطاع غزة، وعن قرب، رؤية حشود النساء الفلسطينيات اللواتي يتجمعن في محاذاة مكتبه المطل على شاطئ غزة، لطلب العون المادي أو أي نوع آخر من المساعدة. كان عرفات أشبه بالطفل في تعبيره عن حماسته بشأن كل ما مصدره من غزة. هو الذي ولد ونشأ في غزة، كان كلما يدعوني إلى تناول الغداء أو العشاء على مائدته يقول لي مثلاً: أليس سمك غزة أفضل ما تذوقته في حياتك؟
وجهاً لوجه مع ياسين والرنتيسي
التقيت أيضاً، وجهاً لوجه، بالشيخ أحمد ياسين وبالدكتور عبدالعزيز الرنتيسي. كان الرنتيسي الشخصية الأكثر نفوذاً في حركة حماس في ذلك الوقت، واحتل المكانة الثانية على مستوى القيادة بعد الشيخ ياسين. عندما كانت تسنح لي فرصة مكالمتهما عبر الهاتف، كانا يتحفظان في أجوبتهما، أما الآن، هنا، في منزليهما، وأنا أبادلهما الحديث عن مشاريعهما وأهدافهما، سمحا لنفسيهما بالمزيد من صراحة الكلام، وقدما لي شرحاً مسهباً عن المنظمة السياسية السرية التي يسعيان لإنشائها.
بعد مضي شهر على وجودي في الضفة الغربية وغزة وإسرائيل، قفلت عائداً إلى لبنان. نجحت خلال يوم واحد، في السفر عبر ثلاث دول، منتقلاً من القدس إلى الأردن عبر جسر "اللنبي"، ثم بالطائرة من عمان إلى بيروت، بعد ظهر اليوم نفسه.
خلال تلك الرحلة التي أقلتني إلى العاصمة اللبنانية فكرت كيف أن الرحلة بالاتجاه المعاكس كانت لتمثل الحلم الأغلى على قلب والدتي فاطمة، والدتي التي لا تزال تعيش اليوم في مخيم اللاجئين في جنوب لبنان، والتي اضطرت للانتقال إليه بعد هروبها من قريتها في الجليل. كان الترحيب الذي لقيته لدى عودتي إلى مخيم برج الشمالي حيث نشأت، صاخباً. الساعة تقارب منتصف الليل، ووالداي عاجزان عن التصديق بأنني بجوارهما. لقد شاهداني في اليوم نفسه أقدم تقريراً مباشراً على الهواء من قطاع غزة. ما كدت أخبرهما بأنني صليت في المسجد الأقصى في القدس، حتى استسلمت أمي للبكاء. انهمرت دموعها غزيرة، لا تتصدى لها رغبة أو إرادة. إن أمنيتها الصلاة هناك قبل أن تلاقي وجه ربها، لم تعرف بعد سبيلاً لها من الحلم إلى الحقيقة.
استلقيت على سريري تلك الليلة، وراح شريط الرحلة يمر في مخيتلتي وتذكرت التجارب التي اختبرتها خلالها، فقد رأيت، بأم العين، كيف يعيش الفلسطينيون في المخيمات في الأرض المحتلة، وأيقنت بأنهم مصممون ومستعدون لتحمل شتى المشقات من أجل استرجاع هويتهم والعيش بكرامة، تماماً كما يفكر هؤلاء الذين يعيشون في مخيم اللاجئين حيث عائلتي في لبنان.
كانت تلك زيارتي الأولى إلى فلسطين، عدت بعدها مراراً إلى هناك. أولاً، لتغطية وقائع الوفاة الغامضة لياسر عرفات، ثم اغتيال كل من الشيخ ياسين والرنتيسي. تساءلت يؤمها، كما لا أزال أفعل الآن، كم من الدماء ينبغي أن تهرق بعد، للتأثير على صانعي القرار وحثهم على القيام بالخطوات الصعبة، ولكن الممهدة لإحقاق السلام والعدالة للفلسطينيين، والسلام والأمن للإسرائيليين.
فصول من كتاب "حماس من الداخل": القصة غير المروية عن المقاومين والشهداء والجواسيس (1)
عندما عبرت فلسطين ورأيت القدس وصليت في الأقصى والتقيت عرفات وياسين
--------------------------------------------------------------------------------
المؤلف في سطور
* زكي شهاب صحفي فلسطيني، ولد في مخيم للاجئين في لبنان.
* واكب أحداث منطقة الشرق الأوسط طوال 30 عاماً، وأمّن تغطيتها لجانب وسائل إعلام محلية وغربية مثل "الغارديان" و"سي.إن.إن" و"قناة الأخبار الرابعة"، و"بي. بي. سي". و"نيو ستايت مان"، و"واشنطن بوست". والوطن والسعودية.
* عمل مديراً لمكتب صحيفة الحياة بلندن، ولقناة "إل بي سي"
* من مؤلفاته "داخل المقاومة في العراق". صدر بعدة لغات وحماس من الداخل صدر بعدة لغات.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.