الإعلان عن قائمة الفائزين بجوائز معرض الكتاب في دورته الأربعين    القصرين في الصدارة: تابع كميات الأمطار في تونس    وفاة الفنانة المصرية سهير زكي بعد الصراع مع المرض    الناتو يطلب توضيحا من واشنطن بشأن قرار سحب قوات أمريكية من ألمانيا    أبرز الأحداث السياسية في تونس خلال أسبوع (من 25 افريل الى 02 ماي 2026 )    آخر أجل لقبول الترشحات للمناظرة الخارجية بعنوان 2025 بوكالة تونس إفريقيا للأنباء يوم 5 ماي 2026    هل يكون اليوم الصعود التاريخي لتقدم ساقية الداير ؟    سيلتقي بيريز .. مورينو عائد إلى مدريد    الفئران تغزو أستراليا ومخاوف من تأثيرها على إمدادات الغذاء    تفكيك وفاق إجرامي لترويج المخدرات بالعاصمة    الإمارات: عودة حركة الملاحة الجوية إلى وضعها الطبيعي    عاصفة جديدة قبل المونديال: رئيس الإتحاد الإيراني يشعل الجدل    مدينة القصرين تسجل 48 مليمترا من الأمطار خلال ال 24 ساعة الماضية    الدورة 40 لمعرض تونس الدولي للكتاب: برنامج فضاء الأطفال واليافعين لليوم الختامي الاحد    لغز في قابس: وفاة شابة تهزّ الجهة    سنة نبوية مهجورة...شنّوة هي؟    5 حاجات تاكلهم على الريق ينظّفوا جسمك    وزارة التربية تنشر رزنامة دروس الدعم والمرافقة على منصة "جسور"    حرارة قاتلة في الهند... ماذا يحدث فعلاً؟    قبل ما تشري عجانة: هذا الدليل باش يسهّل عليك الاختيار    السجن المؤبد لعصابة الاتجار بالقاصرات    السجن خمسة أعوام لعماد الطرابلسي في قضية فساد مالي    تأجيل محاكمة توفيق المكشر والعروسي بيوض في قضية فساد مالي    الكشف عن حكام الجولة: تعيينات مثيرة في البطولة    تظاهرة ثقافية فنية مميزة تحتفي بالاصالة واللباس التقليدي يومي 16 و17 ماي 2026 بمدينة منزل جميل    فظيع..فاجعة تهز هذه الجهة..    السجن المؤبد لقاتل جاره المسن    نهار السبت: سخانة معقولة ورياح قوية في بعض المناطق    زلزال بقوة 6.1 يضرب هذه المنطقة..    بوعرقوب: وفاة شاب بمصنع    وادي مليز: مشاريع تنموية جديدة لتحسين البنية التحتية والخدمات    هل الزيادات الأخيرة في الشهاري كافية؟ خبير يجيب    الاحد 03 ماي 2026 ... اختتام معرض تونس الدولي للكتاب ببرنامج فني وثقافي متنوع    تحويل مؤقت لحركة المرور على الطريق السيارة تونس – بنزرت    شهر ماي: بين العيد والزيادات في الشهاري... شنوّة يستنّى فينا؟    المرشد الأعلى الايراني يوجه هذه الرسالة لشعبه..#خبر_عاجل    اليابان: رجل يحرق جثة زوجته في حديقة حيوانات    القصرين تُسجّل أعلى كمّيات من الأمطار    الجامعة التونسية لكرة القدم تجدد دعمها ل'إنفانتينو' لولاية جديدة    وصلوا الى اسطنبول.. اسرائيل تفرج عن 59 ناشطا من أسطول الصمود    خلال 2025 :البنك المركزي يحقّق أرباحا بقيمة 1.153 مليار دينار    كاس تونس للكرة الطائرة - النجم الساحلي يلتحق بالترجي الرياضي في الدور نصف النهائي    هام/ الرابطة المحترفة الأولى: تعيينات حكام مباريات الجولة الثامنة والعشرين..    60 وكيل أسفار جزائري يروجون للسياحة بجهة طبرقة عين دراهم    سياحة القولف في تونس على رادار الإعلام الألماني من بوابة طبرقة    قبلي: استفادة 150 شخصا من قافلة للتقصي حول امراض القلب    الطبيب العام يساهم في حل 80 بالمائة من المشاكل الصحية للمريض ومواكبة التطورات التكنولوجية ضروري (رئيس الجمعية التونسية للطب العام والعائلي)    إشارات ليلية خطيرة: هكذا يبدأ مرض السكري بصمت    تراجع الاحتياطي من العملة الأجنبية بنسبة 8.2 بالمائة خلال سنة 2025    ارتفاع قائم تدخلات البنك المركزي التونسي في السوق النقدية بنسبة 1.4 بالمائة خلال 2025    عبر معرض للأزياء: قابس سينما فن ينغمس في ذاكرة السينما التونسية    شوف الأسوام اليوم في المارشي سونترال قداش؟    مع دخول الشهر: أدعية للفرج والرزق والطمأنينة    في ذكرى وفاته الأولى: لطيفة تُعلن طرح ألبوم غنائي مع زياد الرحباني    منبر الجمعة ... لبيك اللّهم لبيك .. مواطن التيسير في أداء مناسك الحج    اسألوني .. يجيب عنها الأستاذ الشيخ: أحمد الغربي    عاجل: خبر وفاة فيروز إشاعة ولا أساس له من الصحة    عاجل: ضغوطات الخدمة تقتل 840 ألف شخص في العام... ناقوس خطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خصم ابن جبرين وقاتل مروة وجهان لعملة واحدة :د. يوسف بن أحمد القاسم
نشر في الفجر نيوز يوم 18 - 07 - 2009

لقد أجمع أهل الفقه والرأي بأن ابن جبرين إمام من أئمة السنة، وفقيه من فقهاء الملة، وقد حكى هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم..
بل ذهب المحققون منهم إلى أنه كان مكتبة علمية متنقلة، تنير العقول، وتهدي الحائرين، بما يتمتع به من علم واسع، وخلق فاضل، وأدب جم، وبوفاته طُويت صفحة بيضاء من صفحات التاريخ العلمي المعاصر، صفحة طُويت وبقي أثرها، فقد توفي الإمام وترك تركة علمية ضخمة، تستدعي من أقاربه وطلابه أن يحفظوا هذا التراث؛ لأنه الوقف الذي ينتفع به بعد وفاته، وأذكر أن والدي -رحمه الله- لما توفي، وأوقفنا مكتبته لمركز العمراني باليمن، رُؤي في المنام وكأنه انتفض من قبره، ورجع إلى شبابه بلحية سوداء، في إشارة- والله تعالى أعلم- إلى عمر جديد في الطاعة، بسبب كتبه التي سينتفع بها طلاب العلم، وقد جاء في الصحيح: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث.. وذكر منها: أو علم يُنتفع به".
ولا ريب أنه بموت الشيخ فقده كثيرون، فقده الأرامل واليتامى، فقده الفقراء والمساكين، فقده طلاب العلم وأهله، فقده المسلمون في طول العالم وعرضه، ولاغرو، فالعلماء هم مشعل الأمة ونورها المضيء، ومتى انطفأ النور عاش الناس في ظلمة وحيرة، لقد كان -رحمه الله- قدوة في العلم، وآية في التواضع، ونبراساً في الزهد والورع!! ومع هذا كله، فلم يكن تواضعه وزهده وورعه متكلفاً، بل كان على السليقة، وهذا الذي تنقطع دونه الهمم والنفوس..!
لقد أتعب من بعده من العلماء بعلمه، وخلقه، وتواضعه، وزهده، وورعه وتفانيه في الدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى أمّه الناس من كل ناحية، وأحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم! بل أضحت فتاواه من العيار الثقيل، أعني في تأثيرها، وثقلها، وقبول الناس بها، وصدورهم عنها، وهذا شأن العالم الرباني الذي يأسر النفوس بعلمه، وصفاته الحميدة، فلم يكن من الذين يقولون ما لا يفعلون، بل كان -رحمه الله- من الذين يفعلون ثم يقولون، فكان فعله يسبق قوله، وهذه علامة الصدق مع الله ومع الناس..
لقد استطاع الشيخ بما يملك من مقومات الحب أن يحمل الناس على حبه، فأحبوه من كل قلوبهم، لما يملكه من صفات تستعصي عن الوجود إلاّ في حالات استثنائية ربما، كحالة الشيخ وأشباهه ممن يندر أن تكتحل العين بمثلهم!
إنه من العلماء الندرة الذين جمعوا بين خصال كثيرة، حيث كان قمة سامقة في العلم، والعبادة، والدعوة، والتواضع، والزهد، يعرفه كل من خالطه، أو تتلمذ عليه.
وقد كان له جلد عجيب في طلب العلم، وتحصيله، ثم في تعليمه، وبذله لطلابه، حتى إنه من أكثر مشايخ هذه البلاد دروساً في المساجد، حيث كان يُقْرأ عليه في الأسبوع الواحد أكثر من أربعين كتاباً، وفي علوم متنوعة...! فأصبح بحق جامعة علمية متنقلة بالمجان.
ومن حرصه على العلم وتحصيله أنه كثيراً ما كان يتردّد على أهل العلم، ويتودّد إليهم، ويتواضع لهم، ومن هنا كانت علاقته بجدي الشيخ عبد الرحمن بن قاسم، وكان للشيخ ابن جبرين عليه أيادٍ بيضاء، ومن تلك الأيادي:
1- أنه قام رحمه الله، هو والعم سعد بمقابلة بعض كتب الجد -رحمة الله عليه- ومنها: حاشية كتاب التوحيد، والإحكام شرح أصول الأحكام الجزء الرابع منه، وذلك في عام (1396ه). أما الجزء الأول والثاني والثالث من الإحكام فقد طبعت في أثناء حياة المؤلف رحمه الله...
2- كما قاما جميعاً بمقابلة ومراجعة حاشية الروض المربع (التي أصبحت بعد ذلك من المقررات الرئيسة في كليات الشريعة)، مع مقابلة الروض المطبوع على الروض المخطوط، منذ عام 1397، وحتى عام 1400ه، أي لمدة أربع سنوات. وكانا يقومان بالمقابلة والمراجعة في جامع الأمير ناصر بحي دخنة، وذلك من صلاة العصر إلى صلاة المغرب، وأحياناً يجتمعان يوم الخميس في بيت الشيخ ابن جبرين، حتى أنهيا الكتاب، وهيآه للطباعة، وبهذا كان للشيخ ابن قاسم سبق التأليف، وكان للشيخ مع العم سبق المراجعة والتصحيح.
3- كما شارك الشيخ ابن جبرين في وضع فهارس مجموع الفتاوى مع العم محمد بن قاسم -رحمة الله عليه- وكان ذلك في مكة المكرمة.
4- بل قام الشيخ ابن جبرين بجهد مشكور في مقابلة نسخ مجموع الفتاوى وقت إعدادها للطباعة مع مجموعة من المشايخ منهم الشيخ غيهب الغيهب حفظه الله، والشيخ سالم الدخيل رحمه الله، والعم محمد بن قاسم، والوالد رحمهما الله تعالى جميعاً، وقد حدثني الوالد والشيخ ابن جبرين أيضا أكثر من مرة أنهما كان تربطهما علاقة صداقة وودّ وقت أيام الطلب الأولى، حتى إنهما كانا يحفظان جميعاً بعض المتون العلمية في المزرعة المعروفة على طريق العمارية، وقد كان من محبة الشيخ ابن جبرين للجد وأولاده أنه كان يتعاهدهم بالزيارة في مقر إقامتهم بتلك المزرعة المسماة "مغيدر"، وأحياناً بصحبة بعض المشايخ من أمثال الشيخ ابن فريان، وابن غديان وابن سنان وعبد الرحمن بن مقرن والأمير عبد الرحمن بن عبد الله..
لقد جاهد الشيخ عليه رحمة الله جهاداً عظيماً في سبيل تبليغ العلم، فكان يسافر مرات عديدة في السنة الواحدة، ويقطع المسافات البعيدة؛ من أجل إلقاء الدروس والمحاضرات النافعة، سواء في المدن، أو في القرى والهجر، وقد جمعني به يوماً لقاء في مطار جدة، وكنا جميعاً ننتظر الإعلان عن رحلة المغادرة، فأخذ يقص علي- برحابة صدره، وابتسامته الجذابة- بعض أخباره مع الوالد في فترة أيام الطلب، وبعض المواقف الطريفة، وما كان يقع بينهم من مزاح، كل ذلك بتواضع جم، وببساطة وعفوية غير متكلفة، مما يكشف عن معدن الشيخ رحمه الله، وما كان يتمتع به من لين الجانب، وسماحة النفس، وكرم الخلق، والغريب أنه أخذ يكشف لي عن بعض التفاصيل الدقيقة قبل أكثر من خمسين عاماً، وكأنه يتحدث عن أحداث وقعت بالأمس، مما يكشف عن ذاكرة متوقدة، وذهن حاضر يستوعب أدق التفاصيل.
لقد تميز الشيخ -رحمه الله- بمحبة الناس له، كباراً وصغاراً، طلاباً ومستفتين، حتى كان الشيخ دوماً محاطاً بشريحة واسعة من المحبين والمستفتين، وكانت فتاواه محل حفاوة وقبول للقاصي والداني، كما كان يتمتع بجرأة في كلمة الحق، لا يخشى في الله لومة لائم، ولهذا كان من أبرز الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر في عصرنا الحاضر، وكان الكثير من الغيورين يبحثون عنه، ويسألونه حينما تنزل نازلة، أو يحصل منكر ما، فيسارع رحمه الله بكل ما يستطيع من واجب الإنكار، سواء بمخاطبة المسؤولين، أو بإصدار الفتاوى التي تبين الموقف الشرعي من النازلة، وقد كانت له فتاوى واضحة ضد بعض أصحاب المعتقدات الفاسدة، فابتلي بسبب هذه الفتاوى حتى وهو على فراش المرض، من أمثال الدعوى (النازية) التي رفعت ضده وهو في مستشفى ب(ألمانيا)؛ بهدف مقاضاته هناك، ومحاولة منعه من الرجوع إلى بلده؛ بحجة الدفاع عن الحريات وكرامة الإنسان كما زعموا، وهم يدوسون الحرية والإنسانية ذاتها بمخاصمة الشيخ على فتوى تقتضي حرية الكلمة أن تكون محل احترام وتقدير، ويستهدفون بهذه الدعوى القذرة الإنسان المريض وهو على فراش المرض، فأي حرية ينشدونها، وأي إنسان يتحدث عنه هؤلاء؟!! إذا كانوا يستهدفون الإنسان، العالم، الكبير السن، وهو على فراش الموت..!! هل هذه معالم الحرية والإنسانية التي يدعون الدفاع عنها، أم هي توظيف للقضاء وللعدالة لتكميم أفواه العلماء، وإهدار إنسانيتهم وهم يصارعون المرض..؟!!
لقد أبى هؤلاء إلاّ أن يرفعوا من مقام الشيخ وهو على فراش المرض، وأن يسلطوا أنظار العالم إلى فتاواه العابرة للقارات، وأن يتشرف البرلمان الألماني بتعطير أجوائه باسمه الكبير..! ثم جاءت حادثة قتل مروة الشربيني في المحكمة الألمانية لتكشف عن حقيقة بعض العناصر المتطرفة التي تعيش في ألمانيا..! ومنهم رافعو الدعوى القضائية ضد الشيخ، لتكشف بأن القاتل والمدعي وجهان لعملة واحدة..! وأن الشيخ قد استُهدف في حريته كعالم، كما استُهدفت مروة في كرامتها كمحجبة، وهذه المحاولة اليائسة للنيل من الشيخ وتشويه سمعته، تذكرنا بما نال نبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم- من حملات التشويه والكراهية والرسوم المسيئة، والتي ما زادته إلاّ رفعةً في الدرجة، ورغبةً من العالم الغربي للتعرف على شخصيته، وسيرته، والاهتداء بهديه، والدخول في دين الله أفواجاً..!
وبموت الشيخ ابن جبرين- رحمه الله- طُويت صفحة بيضاء من صفحات التاريخ، وسيظل أثرها باقياً- بإذن الله- بما خلّفه الشيخ من طلاب بررة، ومن كتب وفتاوى علمية ستظل محفوظة ومحفورة في الأذهان، ويتأكد الواجب على أقارب الشيخ وطلابه ومحبيه، أفراداً ومؤسسات، بأن يهيئوا البنية التحتية، والأرضية المناسبة، لإبراز جهوده وعلمه للعامة وللمتخصصين، مستفيدين من وسائل التقنية الحديثة قدر الإمكان، وهم بإذن الله تعالى على مستوى المسؤولية، وبهذه المناسبة أزجي الشكر والتقدير لقناة (دليل) والتي كان لها قصب السبق ببث برنامج ممتع حول الشيخ ابن جبرين رحمه الله؛ إذ استطاع القائمون على هذه القناة أن ينقلوا ترجمة الشيخ من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، بالرجوع إلى مسقط رأسه، واستحضار شريط حياته الأولى، وسيبقى هذا البرنامج شاهد عدل لطلاب الشيخ البررة الذين قدموا لمسة وفاء للشيخ، وأسهموا في نجاح هذا العرض الوثائقي، وعلى رأسهم خطيب المملكة المفوّه د. عبد الوهاب الطريري، وهو من أخص طلابه ومحبيه.
اللهم تغمّد الشيخ بواسع رحمتك، وارفع درجته في المهديين، واجعله في علّيين، مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين.
آمين يا رب العالمين.
الاسلام اليوم
السبت 25 رجب 1430 الموافق 18 يوليو 2009


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.