نواكشوط: احتدمت أمس الاثنين إحدى أشد المعارك بين هيئة المحامين والنيابة العامة، وذلك إثر صدور التقرير الفصلي للهيئة الذي انتقد بشدة حالة القضاء الموريتاني مشيرا إلى انتشار الرشوة داخل القطاع ومنتقدا هيمنة النيابة العامة على القضاة.واتهمت النيابة العامة في بيان نشر أمس نقيب المحامين بنشر 'الأكاذيب والدعايات المغرضة'، ملوحة الى احتمال التصدي له ومتابعته.وأكدت النيابة أنها 'تود أن توضح للرأي العام الوطني والدولي كما عودته، أن هذه الافتراءات التي وردت في ما سمي تقريرا، ما هي إلا تلفيقات ومزايدات لا أساس لها من الصحة ، وكان حريّاً بصاحبها وهو أحد أعوان القضاء أن يتثبت مما يكتب قبل نشره إن كانت لديه بقية من المهنية والأخلاق'. واضاف البيان أن النيابة العامة 'وعلى العكس مما أورده الكاتب، هي الساهر الأول على التطبيق السليم والصارم للقانون، وهي الضامن الأول لسلامة الإجراءات، وهي جزء من مؤسستنا القضائية'، معتبرا أن ما أورده الكاتب 'من محاولة دق إسفين للتفريق بين مختلف تشكيلات الهيئة القضائية، لا يعدو أن يكون محاولة يائسة للنيل من مؤسستنا القضائية، ولا أدل على ذلك مما يقوم به المعنيّ من الإشادة ببعض تشكيلات المحاكم وتسميتها، والإساءة لبعضها الآخر مع تسميته، فهذا يعكس نيته السيئة في إحداث شرخ في هيئتنا القضائية الواحدة ورغبة في بناء علاقة مع القضاء تقوم علي أساس الزبونية'. وتحدث بيان النيابة عن إشاعة الحبس التحكمي في المحاكم التي أوردها النقيب في تقريره فأكدت أن 'المثال الوحيد الذي ذكره الكاتب مدعيا أنه نموذج حي هو حبس المتهم حنفي ولد الدهاه (صحافي معتقل منذ شهرين)، الذي تمت متابعته بإجراءات سليمة وأحيل إلى المحكمة المختصة وتمت محاكمته وارتأت المحكمة وضع ملفه في التأمل، وهذا إجراء عادي وهو الآن في عهدة هذه المحكمة'. وفندت النيابة ما أورده نقيب المحامين في تقريره بخصوص شيوع ظاهرة الرشوة والمحسوبية، فأكدت أن 'النقيب لم يقم عليها دليلا'، مشيرة إلى أن 'ادعاء الكاتب استغلال المصاريف القضائية من طرف النيابة وجعلها وسيلة ضغط على مؤسسات الحكم، هراء يهدف من ورائه الكاتب إلى إحداث شرخ داخل المؤسسة القضائية'. وأكدت النيابة أنه 'كان من واجب النقيب أن يقوم بواجبه القانوني كعون للقضاء بدل أن يكون هدفه وسعيه الدؤوب التحامل على المؤسسات القضائية لا لشيء إلا لحاجة في نفسه أعمته عن التطور الواضح في تنظيم وأداء القضاء الموريتاني، فالأولى به أن يتفرغ لنقابته ويقوم بتسوية مشاكلها الداخلية من خلافات ونزاعات، وأن لا ينصب نفسه وصيا على القضاء إذ أن هذا الأخير في غنى عن نصائحه وتوصياته وليحتفظ بها لنفسه'. وشددت النيابة على أنها 'ستضرب بيد من حديد على من يستهدف النيل من شرف وسمعة القضاء الموريتاني'. لكن نقيب المحامين الموريتانيين الأستاذ أحمد سالم ولد بوحبيني، اعتبر في رد على النيابة أن بيانها 'تضمن عبارات يجرمها القانون باعتبارها سبا وإهانة'، معلنا تمسكه بحقه 'في مساءلة من يقفون وراء تلك العبارات الواردة في البيان'. وفي إشارة إلى تهديد النيابة ب'الضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه النيل من القضاء'، قال النقيب في بيان نشره أمس ردا على بيان النيابة العامة، إنه لن تثنيه 'أي يد من حديد أو إسفنج عن الصدع بالحق والمطالبة باحترام حريات الأشخاص وممتلكاتهم وتطبيق القانون بمسؤولية وحيدة'. وأضاف النقيب 'الأكاذيب والدعايات المغرضة والادعاء الوهمي والتلفيقات والمزايدات وعدم وجود بقية من المهنية والأخلاق وغيرها من مثيلاتها التي وردت في بيان النيابة العامة، هي عبارات تنم عن فقر لغوي لدى معد البيان، فضلا عن كونها تدخّلا ً في إطار المجرّم قانونا لما فيها من مساس بعرض شخص بعبارات سب وإهانة'. ومضى نقيب المحامين يقول انه يتمسك بحقه في مساءلة المسؤولين عن البيان، موضحا 'كنا نربأ بالنيابة العامة النزول إلى مثل هذا الدرك والمستوى اللغوي في إطلالاتها الصحافية'. وأكد النقيب أن 'النماذج الحية التي وردت في التقرير موضوع رد النيابة العامة ليست ما تأمل وتمني به نفسها من كونها مجرد أكاذيب وتلفيقات، وإنما هي بعض حقائق مستخلصة من استقراء مسحي لحالة القضاء الموريتاني اليوم، ولدينا الأدلة الدامغة عليها ونكرر اليوم علنا أنها موجودة ونتمسك بما أوردناه بخصوصها ونتمنى أن تختفي حالات الحبس التحكمي الموجودة وأن يحقق في حالات الوفاة في السجون وفي الأوضاع غير الإنسانية وغير اللائقة للمسجونين ، وأن لا يحابى بعض التشكيلات القضائية ببعض المصاريف ويحرم منها البعض الآخر وأن يكون معيار صرفها مجردا وموضوعيا'. وكان تقرير هيئة المحامين الموريتانيين قد انتقد ما أسماه 'الممارسات المشينة التي تضر بالصورة التي ينبغي أن تكون عليها العدالة الموريتانية'. وانتقد التقرير ما اعتبرته الهيئة 'حبسا تحكميا أُخضع له العديد من الأشخاص حيث أصبحت هذه الظاهرة تميز القضاء' في موريتانيا مشيرة إلى أن من آخر أمثلة الحبس التحكّمي حالة الصحافي حنفي ولد الدهاه الذي يوجد حاليا في حالة حبس تحكمي، أي أنه خاضع لإجراء غير قانوني منذ 26 تموز/يوليو الماضي، مما يعني أنه موقوف خارج الاجراءات القضائية الشرعية، حسب هيئة المحامين. وأكدت الهيئة الوطنية للمحامين الموريتانيين أنها بصدد 'إطلاق حملة محاربة الرشوة في قطاع العدالة خلال الأسابيع المقبلة كما أنها ستتخذ الإجراءات الكفيلة بتطبيق نظام المساعدة القضائية وجعلها أمرا واقعا بوصفها شرطا لتحقيق عدالة اجتماعية'. ودعت الهيئة لتنظيم أيام وطنية حول قطاع العدالة 'من أجل بلورة حلول جذرية على المدى القصير والمتوسط والطويل سبيلا إلى تحسين أداء العدالة الموريتانية في ظل احترام القانون والنظم القضائية'. عبد الله السيد القدس العربي