ظل المكان عبئاً على الإنسان منذ القديم، يقمع حاجاته، يأسر تطلّعه ويحدّ من طموحه. من ثَمَّ كان الترحّل والنزوح عن المكان ظاهرة ملازمة للنشاط البشري، حافزة على التطور ومساوقة للحضارة. لذلك لم يكن غريبا إن عبّر الشاعر العربي عن هذه المعاني الإنسانية بقوله: «سافر تجد عوضاً عمّن تفارقه * وانصَبْ فإن لذيذ العيش في النَصَب إني رأيتُ ركودَ الماءِ يُفسده * إن سالَ طابَ وإن لم يجر لم يَطِبِ» في المستوى التجريدي احتّل موضوع المكان حيّزا هاما في النشاط الفكري المبدع حتى قيل إنه «لا يوجد في الفلسفة بل ولا في المعرفة النظرية ميدان لا يدخل فيه مشكل المكان أو يتداخل معه بكيفية أو بأخرى». يُدرَك هذا عند أرسطو ثم ابن سينا والرازي ليتواصل مع الفلاسفة المحدثين في الغرب من ديكارت ولايبنتز، مرورا بالماديين حتى آينشتاين والنظرية النسبية. مع هؤلاء أسهم الفيزيائيون والرياضيون وعلماء التربية والنفس إلى جانب الإثنولوجيين في بحث مسألة المكان، كلٌ من زاوية اختصاصه، مبينين في كافة الحالات أنّه موضوع متميّز بتضافر القول بأن المكان ليس مجرد فراغ. ومع بروز ظاهرة العولمة تمّ التشديد على مسؤولية هذه الأخيرة في تشجيعها على هجرة الأشخاص وحركية الجماعات. وبفضل وسائل النقل الحديثة وبدعم من وسائل الإعلام التي حدّت من أبعاد المكان بدا التنقل البشري ضربةَ لازبٍ لم تزدها التطورات التكنولوجية للتواصل المعرفي والمادي إلا شدة. لقد تحقق اليوم وبأجلى صورة المعنى الذي يجعل من الإنسان كائنا اتصاليا بامتياز ومخلوقا مهاجرا من أعلى طراز دأبه التغلب على الحواجز وتجاوز الحدود. هذا ما جعلنا نشهد تفاقم ظاهرة حركية التنقل والهجرة الملحوظين بسهولة حيثما اتجه النظر وبصورة غير مسبوقة. ذلك تدركه في المدينة والقرية وتلمسه فيما تشاهده من زيجات مختلطة لا تكاد تأبه بالفروق الاجتماعية والجهوية والقومية والعرقية، وما تسمعه من تنوع اللهجات واللكنات وتزاحمها، فضلا عما يشدك من تدافع لا يهدأ في مطارات العالم وموانيه وعلى طرقه السيارة. من هذه الوتيرة العالية في التنقل تحددت لدى الباحثين أسئلة كبرى عن أهمية ظاهرة الهجرة وعن دلالاتها بالنسبة إلى الشباب وإلى المجتمعات المتخلفة والنامية فضلا عن مردودها على ذوي الإمكانات المحدودة والكفاءات المتدنية. ذات الأسئلة تطرح أيضا بالنسبة إلى المجتمعات الغنية وما يرتفع فيها من شعارات مقاومة للمهاجرين لكونهم يهددون «هويتنا الوطنية»، أو «يسرقون وظائفنا». لقد شرّعت الهجرة، أكثر من أي وقت مضى، أبواب تفاؤل مسرف ووعود عريضة بالنسبة إلى الكثيرين في حين نظر إليها آخرون بعين الامتعاض ونادوا بضرورة التصدي الحازم لها. في تقرير التنمية البشرية لعام 2009 الصادر عن برنامج الأممالمتحدة الإنمائي منذ أسبوعين طرح 300 باحث إشكالية «الهجرة والتنمية» للدرس والتحليل بصورة تستدعي الاهتمام والعناية. جاء التقرير بمحاوره الخمسة محاولة دقيقة لتشخيص الظاهرة بعيدا عن التنميط وبحرص على مراجعة الأفكار السائدة وبطرح عدة أسئلة، من بينها: من هم المهاجرون؟ من أين يأتون؟ إلى أين يذهبون؟ لماذا يتنقلون؟ هل الانتقال يعزز التنمية البشرية؟ ما آثار الهجرة الاجتماعية والمعرفية والقيمية على بلدان المنشأ والمقصد؟ كيف ينبغي التعامل مع هذه الظاهرة وأية سياسات ينبغي اتخاذها من أجل تعزيز التنمية البشرية؟ بملحق إحصائي مفصل يغطي الظاهرة في كافة بلدان العالم وباستحضار العناصر الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المحلية والدولية بخصوصياتها وتداخلها يحاول تقرير التنمية البشرية 2009 أن يثري النقاش بشأن مسألة الهجرة التي غدت واقعاً لا يجدي معه التجاهل. إلى جانب ذلك يطرح رؤيته للنقاش والتي لخّصها في عنوانه العام الذي يدعو فيه إلى: «التغلّب على الحواجز» التي تعوق «قابلية التنقل البشري» وتقلص من إمكانات التنمية. ماذا ينبغي أن نستحضر من هذه الوثيقة التي تعني البلاد العربية والإسلامية بصورة أكيدة وبأكثر من وجه؟ يكشف التقرير أرقاما هامة ومعها بعض الحقائق التي تساعد على رسم مستقبل للأجيال العربية بمشاغلها وكفاءاتها. من الأرقام التي تحتاج منا إلى تأمل نذكر ما يلي: - يبلغ عدد سكان العالم حاليا 6.7 مليار نسمة تبرز ضمنه حركية التنقل لمليار مهاجر، أي أنه على كل سبعة أشخاص تقريبا من سكان المعمورة يوجد واحد منهم في وضعية تنقل وهجرة. - نجد من مجموع المليار السابق 740 مليون نسمة يهاجرون داخليا في حدود بلدانهم، بينما لا يمثل التنقل خارج هذه الحدود من الجنوب إلى بلاد الشمال الغني إلا نسبة تقارب الربع (214 مليون نسمة). - لا تمثل نسبة الهجرة من البلاد المتخلفة إلى البلدان النامية والغنية، خلافا لما هو شائع، سوى %37 من نسبة المهاجرين العامة. يضاف إلى ذلك عنصر لافت للنظر هو أن %48 من حركة الهجرة العالمية يمثلها العنصر النسائي. - تشكّل النزاعات الحربية واضطراب الأمن سببا بارزا للرحّل الجدد الذين يغادرون أوطانهم سعيا للاستقرار خارجها بنسبة مهاجر واحد من 10. - تتجاوز المبالغ المالية المرسلة من المهاجرين من الجنوب والعاملين في الشمال إلى أوطانهم الأصلية، ثلاثة أضعاف قيمة الاعتماد المالي الرسمي المخصص لتنمية تلك البلاد. إلى ذلك فإن ما يرسله مثلا المهاجرون الأتراك والمصريون والمغاربة إلى بلدانهم يفوق دخل تلك البلاد من خدماتها السياحية. إضافة إلى هذه الأرقام المعبّرة، فإنّ جملة من الموجّهات التي يبرزها التقرير تسترعي الاهتمام، نذكر منها ثلاثة يمكن أن تعدّ الأبرز: - التفاوتات التي تميز الجماعات والأفراد في المجتمعات الفقيرة والساعية إلى النمو هي أهم العناصر الدافعة إلى الهجرة. منها نذكر تباين الحظوظ في مجال الشغل والتعليم والصحة والتحرر الاجتماعي للعنصر النسائي والمشاركة في الحياة السياسية والعامة. بذلك تصبح الهجرة، رغم مصاعب الغربة وأعبائها الثقيلة، أفضل الحلول للتغلب على أوضاع متردية أملاً في تحسين مستوى الدخل والتعليم وإتاحة فرص للمهاجر في حياة مهنية أو اجتماعية أو سياسية أفضل. - مع ما سبق ذكره من أرقام تتعلق بالدخل المادي الناتج عن التحويلات المالية للمهاجرين التي يتم إرسالها فإن ذلك يعدّل بشكل ما من تفاوتات واقع البلدان الأقل نموّاً. لكن ذلك لا يحجب الوجه القاتم للهجرة الذي يتضح خاصة مع المهاجرين غير الشرعيين بما يتعرضون له من مخاطر وما يلحقهم من استغلال. يضاف إلى هذا أن الهجرة في شكلها القانوني تمتص من جانب الكفاءات العالية نسبة تقدر ب %92 بما يطرح تساؤلا حقيقيا عن مدى انتفاع البلاد الساعية إلى النمو من عدالة ذلك التبادل. - يتضح من هذا كلّه أن التحرر من المكان على أهميته وضرورته لا يستطيع أن يحقق معجزة للبلاد الساعية للنمو. إنه يستدعي أن تتفطن البلاد الفقيرة إلى أن مصيرها مرتبط في جانب منه بهجرة يدها العاملة وكفاءاتها العالية والمتدنية، لكنها مدعوة بإلحاح إلى مجموعة من الإصلاحات الاستراتيجية في مجال التعليم والتكوين والصحة وحقوق الإنسان. بهذا الإجراء يمكن وقف النزيف الحاد الذي يهدد مصيرها إن هي اعتقدت أن الركون إلى حل الهجرة سيحقق لها تنمية بشرية شاملة. إن العولمة التي ضيقت من اتساع العالم وأبعاد المكان تحفز على التفكير والمراجعة من أجل وضع سياسات مستقلة ومسالك تغيير على المستوى المحلي دعما لعلاقة نديّة متفاعلة مع الآخر. بهذا نعود إلى جانب من نظرية النسبية لآينشتاين التي تدعونا إلى ألا ننظر إلى المكان على أنه عنصر فراغ ووعاء سلبي لا مشاركة له في الظاهرات الفيزيائية وفي جميع الوقائع. معنى هذا تنموياً، أننا لنصبح أقدر على الاستفادة من حركية تنقل وهجرة ضروريين، محتاجون إلى نجاعة ذاتية لا يمكنها أن تتجسد إلا إذا أعيدت للمكان عافيته الفاعلة وكفاءاته القادرة على التقليص الجدّي من آثار التباينات الكبرى التي تأتي على الأخضر واليابس. • كاتب تونسي