معرض القاهرة الدولي للكتاب.. معرض الدوحة.. أبو ظبي.. جدة.. عمان.. تونس.هذه العواصم العربية وغيرها العديد احتفت مؤخرا بأضواء وأنوار أغلّفة الكُتب الحديثة والعناوين المُميزة، وأعلنت بفرح عن افتتاح معارضها لعُشاق القراءة. على مقربةٍ من هؤلاء ثمة مدينة كلما سمعت عن خبرٍ يحمل في طياته رائحة الورق تركت العنان لدموعها ونبضات قلبها تتسارع بحزنٍ ووجع، فغزةالمدينة النائمة والمستيقظة على سيمفونية حصارٍ شل جسدها وشوه كافة التفاصيل، تاقت لمُعانقة أحداث معارض الكُتب الجميلة.. تسعة أشهر مرت على غزة بتعاقب ليلها ونهارها وبُطء أيامها ورتابة ساعاتها كانت كفيلة بإصابة مكتبات القطاع بالصمت الحزين وب: "للأسف لا يوجد". كل الحدود مُوصدة وأبواب المعابر لا تُفتّح والاحتلال يُواصل عقابه وحصاره المُستمر بلا انقطاع.. جولة ل"إسلام أون لاين.نت" داخل أروقة المكتبات بغزة اختصرت الصورة بكافة ألوانها، المجلات، الصحف، الروايات العربية والعالمية، الأبحاث والدراسات، أُمهات الكُتب.. كُلها مفقودة، ورفوف المكتبات اعتذرت بحزنٍ لزوارها فلا جديد في جعبتها لتهبهم إياه. شيماء وصديقتها نظرتا بحسرة وامتعاض نحو الكتب الموجودة فلا أغلفة أشفت حنينهما لاحتضان المُميّز، انتقلتا من رفٍ إلى رف ومن زاوية لأخرى والنتيجة واحدة: "لا شيء". بصوتٍ حانق أعرب الشاب سامر عليان عن بالغ سخطه لعدم تعثره بما يريد: "مكتبات غزة فارغة.. أشهر ونحن نحلم بمصافحة الكتب الثقافية الصادرة حديثا، ولكن بكل أسى كلما سألنا عن عنوان اصطدمنا بصخرة الحصار". ويعترف الطالب الجامعي عمّار ياسين بأن إقامة معارض الكتب في الدول العربية كدّرته وأصابته بالإعياء: "كم نتلهف للمُطالعة وملامسة الجديد والرائق.. كل العواصم تحتفي بالقراءة في شتى العناوين، ووحدنا نتجرع الحسرة". أين رجل المستحيل؟؟ في غزة لم تقم أي معارض للكتاب منذ عدة سنوات غير أنها تتلّقف ما يأتيها من الخارج بلهفة، ولكنها هذا العام وبسبب الحصار الخانق المفروض عليها -في حزيران الماضي وحتى اللحظة- ودّعت طقوس الاحتفاء بعبير الثقافة. الطفل نزار حمدان 12 عاما العاشق لروايات الجيب المصرية ارتسمت على وجهه ملامح الأسف وبغضبٍ مضى يقول: "سلسلة رجل المُستحيل للكاتب نبيل فاروق أقرؤها بانتظام ولا يفوتني أي عدد.. الحصار حرّمني من معرفة آخر الأحداث الشيّقة". شقيقه الذي كان برفقته استدرك مُبتسمًا: "كان أدهم صبري (بطل الرواية) يُقاتل في العراق ويُحارب الاحتلال الأمريكي.. ربما الآن هو في غزة ليُخلّصنا من الحصار وآلامه.."، وتمنى الشقيقان أن تنتهي هذه الغمة ليُصافحوا بنَهَم ما افتقدوه من أشهر. أم غسان زنداح تاقت لقراءة المجلات الأسرية والاطلاع على آخر التحقيقات التربوية: "مطلع كل شهر كنت أنتقي العديد منها لأنهل من بحرها.. اليوم لا شيء متوفرا.. حتى أطفالي باتوا يشعرون بالولع لغياب (ماجد) و(ميكي) وباقي قصص الصغار". عناوين مفقودة على قارعة الانتظار جلس طلبة الجامعات وأصحاب الدراسات العليا يتجرعون مرارة الحنين للكتاب، خالد صبيح الطالب في هندسة الكمبيوتر اشتكى من عدم توافر ما وصفها ب"ذراعه اليُمنى": "كل العناوين مفقودة.. إنه أمر فظيع، من شهرٍ لآخر تصدُر عشرات العناوين الجديدة فمن أين لنا بها؟!". سمر رجب سجلت في إحدى جامعات السودان لنيل درجة الدكتوراة في إدارة الأعمال اصطدمت بمكتباتٍ خاوية، بصوت الألم قالت: "لا أجد ما أريده من كُتب وأبحاث، مُصيبة إن استمر الحصار وطال.. كيف سأُتابع دراستي؟". "حاتم اليازجي" صاحب مكتبة "اليازجي" كُبرى المكتبات بمدينةغزة وصف ل"إسلام أون لاين.نت" الأمر بأنه شديد الصعوبة، وأضاف: "بصراحة لقد أثر الحصار علينا بشكل مباشر وكبير.. الرفوف خالية من العناوين الجديدة والإصدارات الحديثة". ولفت إلى أن المثقفين والقُرّاء يُصابون بخيبة كبيرة لدى اصطدامهم بلافتة: "عفوا.. لا يُوجد"، وأوضح أن الجامعات تشعر بالأسف لعدم قدرتها على إثراء مكتباتها وتقديم المهم لطلبتها. وبنبرات حزينة قال اليازجي: "كنا نواكب أحدث إصدارات دور النشر.. نذهب لمعارض الكتاب في شتى العواصم العربية، ولكن للأسف الحصار كتم على أنفاسنا ومنعتنا المعابر المُغلقة من الخروج". نريد حلا
على مدى 25 عاما مُتتالية ومكتبة اليازجي تحزم أمتعتها وتُسافر إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب، هذا العام لسعات الحصار أبقتها حبيسة البقاء وآلاف العناوين الحديثة التي كانت في انتظارها غادرت. " عيونهم تنطق حُزنا" هذا ما ينتاب كل من يأتي ليسأل عن عنوانٍ يريده ويُضيف اليازجي: "إغلاق الحدود في وجه الكتب انعكس سلبا على واقع المُثقفين والطلبة.. أمارات القهر والغيظ ترتسم على وجوههم لدرجة أنهم يصرخونبغضب: نريد حلا.. هاتوا لنا كُتبا ولو عبر الأنفاق"، وأكد أن مكتبات القطاع تُعاني النقص في مُختلف وشتى العناوين: "الرفوف تشتكي.. وتتوق ولو لكتاب حديث". ولفت إلى أن الاعتماد على القراءة الإلكترونية لن يُشفي غليل القُرّاء: "أولا غزة المُحاصرة تعاني من قطع الكهرباء المستمر، ثم إن القراءة الورقية لها سحرها الخاص وما يُميزها عن منافستها، والأهم أن الكُتب الجديدة لن تُنشر عبر الإنترنت فور صدورها بل ستأخذ فترة طويلة". أنقذوا ثقافة غزة "الثقافة بغزة في خطر" تحذير كرره اليازجي أكثر من مرةمُتمنيا على منظمة الأممالمتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) وجامعة الدول العربية وكافة دوائر صنع القرار في العالم بالتحرك من أجل رفع الحصار عن مكتبات القطاع. صاحب مكتبة الهاني الثقافية بمدينة غزة اعترف أنه بات يشعر بالخجل من زوار مكتبته: "يسألونني هل هذه الرواية موجودة؟ هذا الكتاب عندك؟ والإجابات بالنفي القاطع تُصيبهم بالحُزن"، واستدرك: "الكتاب بالنسبة لكثيرين كما الماء والهواء والغذاء"، وطالب كافة المؤسسات الثقافية العالمية بالتدخل لإنقاذ الحياة الثقافية بغزة: "إنها تحتضر.. فمدوا يدكم إليها". مؤسسات حقوقية فلسطينية حذرت من التداعيات الخطيرة لاستمرار سياسية الحصار وإغلاق المعابر على مستوى الثقافة بغزة وطالبت المؤسسات القانونية الدولية الوقوف عند التزاماتها الأخلاقية تجاه ما يحدث من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ودعتها لاتخاذ خطوات فعلية لحماية الحق في القراءة والمُطالعة. علا عطا الله :صحفية من مكتب الجيل للصحافة - غزة.