لماذا ارتفع مستوى البحر في تونس؟..خبير في علوم المناخ يكشف..    تنبيه للمتساكنين: انقطاع مياه الشرب بهذه المناطق بداية من هذه الساعة..#خبر_عاجل    عاجل: اليوم آخر أجل لإيداع التصريح الشهري لهؤلاء    معلومة غريبة في تونس: الكاميرا ممنوعة في قاعات النشاط برياض الأطفال !    عاجل : حملة كبرى على المحتكرين بتوسن : حجز أطنان من الغلال والخضر الفاسدة    نيوزيلندا: عاصفة شديدة تعطل الرحلات الجوية وتقطع الكهرباء عن الآلاف    عاجل: بودة الأطفال هذه تواجه قضايا جديدة    بطولة ايطاليا : نابولي يحتفظ بالمركز الثالث بعد تعادله مع روما    الترجي في مواجهة حاسمة: من سيكون خصمه في ربع نهائي دوري الأبطال؟    هام: هذا ردّ النجم الرياضي الساحلي بعد ماتش الترجي    كأس العالم لسلاح السابر: المنتخب التونسي للوسطيات يُتوج بالذهبية    طقس شتوي اليوم وأمطار بهذه المناطق..#خبر_عاجل    عاجل/ "براكاج" مروع لسائق "تاكسي"..وهذه التفاصيل..    ''قرة العنز'' وقتاش توفى؟    وقتاش يدخل الربيع لتونس؟    خطوة جديدة نحو العالمية: سيدي بوسعيد تحت أنظار اليونسكو فهل تصبح تراثا عالميا؟    عاجل/ السعودية تدعو الى تحري هلال شهر رمضان..    كيفاش تتصرف كان ولدك قالك إنه تعرّض للتحرش؟    اليك 5 خطوات بسيطة لجهاز هضمي صحي خلال رمضان    كأس العالم لسلاح السابر: المنتخب التونسي للوسطيات يتوّج بذهبية منافسات الفرق    دورة تونس الدولية للجيدو - المنتخب التونسي للاكابر والكبريات يظفر ب11 ميدالية منها 4 ذهبية    بداية من اليوم: جامعة الثانوي تدخل في سلسلة إضرابات إقليمية    السلفادور.. ضبط أكبر شحنة كوكايين بتاريخ البلاد    المجلس الوطني للحزب الجمهوري يتداول في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويدعو إلى "حوار وطني جامع"    تداعيات ملفات إبستين في فرنسا.. تحقيقات قضائية بتورط مواطنين    زعيم كوريا يفتتح حيا سكنيا جديدا لعائلات قتلى حرب أوكرانيا    عاجل/ غلق لهذه الطريق بسبب فيضان هذا الوادي..تحذير للمواطنين..    إدراج حصن غار الملح ضمن قائمة التراث الإسلامي لل'إيسيسكو'    وزارة التجارة .. برنامج رقابي خاص استعدادا لشهر رمضان    «الطّهّارُ»    صدر حديثا .. "كتاب أجمل فسيفساء تونس" عبر عدسة صلاح جابر وسرد لأومبيرتو بابالاردو    «الخميس الأزرق» بصفاقس .. حين تتحوّل الثقافة إلى مساحة حوار ورؤية مشتركة    مع الشروق : استعادة الروح !    غدا تحري هلال رمضان المعظم    أولا وأخيرا ..اللهم بارك في دجاج "المكينة"    الاحتلال يعلن رسميا خطة الضم للمرة الأولى منذ 1967 ..نكسة أخرى في الضفة    من مريض القلب الذي يمكنه صيام شهر رمضان؟    صفاقس.. لجنة الفلاحة البرلمانية تعاين أوضاع موانئ الصيد وتبحث عن حلول    عاجل/ اختراق هواتف صحفيين ونشطاء: فضيحة تجسس مدوية..كشف سر أخطر سلاح رقمي عن طريق الخطأ..    ضربات موجعة للاحتكار: مداهمة مخازن ومسالخ عشوائية وحجز مواد غذائية وإيقافات    بعد اكتمال نصاب المرشحين.. الثلاثاء القادم موعد قرعة ربع نهائي دوري أبطال أفريقيا    وزيرة الأسرة تدعو إلى تكثيف الرقابة على مؤسسات الطفولة    بن عروس: تظاهرة "قرية اللغات" بمعهد التنشيط الشبابي والثقافي ببئر الباي تفتح المجال أمام التلاميذ والطلبة للانفتاح على لغات وثقافات عدد من شعوب العالم    وزير التربية يؤكد على ضرورة استعادة الانشطة الثقافية داخل المؤسسات التربوية    عاجل/ فضيحة وثائق "ابستين": فرنسا تتخذ هذا الاجراء..    الاحتفاظ بألفة الحامدي    منوبة: في نهارين تسجل 21 مخالفة اقتصادية    الاقتصاد التونسي يُسجّل نموًّا ب 2.5% خلال 2025    سيدي بوزيد: تأكيد انتظام التزويد بالمواد الأساسية خلال شهر رمضان    عاجل/ درجة انذار كبيرة ب6 ولايات..والرصد الجوي يحذر..    رضا شكندالي: لماذا لا يشعر التونسي بانخفاض التضخم؟    رمضان ودواء الغدة الدرقية: وقتاش أحسن وقت باش تأخذوا؟    الرابطة الثانية: برنامج مباريات اليوم    الرصد الجوي: درجة انذار كبيرة ب6 ولايات    تونس والسنغال: 6 عمليات ناجحة بتقنيات حديثة لتوسيع الصمام الميترالي بالقسطرة في مستشفى دلال جام    الإعلان عن نتائج الأعمال المقبولة في الدورة 24 لمهرجان الأغنية التونسية    الدراما تسيطر والكوميديا تتراجع ..لماذا تغيّرت برمجة رمضان على تلفزاتنا؟    بين تونس وأثيوبيا: دفع التعاون في المجال الصحّي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إنتقام إمرأة...!! قصة بقلم : نبيل عودة
نشر في الفجر نيوز يوم 21 - 04 - 2010

img align="left" src="http://www.alfajrnews.net/images/iupload/nabilaouda.jpg" style="width: 112px; height: 130px;" alt="كانت على فراش الموت ، أعطوها شهرا واحدا كأقصى حد .. فهمت ذلك رغم أن لا أحد يريد أن يعترف أمامها ، بما صار معروفا لديها من الهمس حولها. ما كان يقلقها حقا أن زوجها صار مرتبطا منذ أقعدها المرض قبل نصف سنة ، بفتاة شقراء بجيل ابنه. لم ينتظر وفاتها.. ليدعها على الأقل تودع عالمها بشعور مريح ، بلا هواجس تأكل قلبها . الشعور أنها أصبحت شيئا ينتظرون موته ، شيئا زائدا يثقل على الجميع ،صعب عليها.. حتى الشهر المحدد لها صار ثقيلا على الذين حضنتهم وأعطتهم قلبها وجهدها وراحتها بلا حساب . تقضي معظم يومها مع مساعدة تقوم على خدمتها ، استأجرها زوجها ليريح نفسه أولا.. كثيرا ما بحثت عن دمعة تريحها فلم تجدها. لم تكن تعرف هل تبكي ذاتها أم تبكي خراب عالمها قبل موتها؟ كانت تعلم أن زوجها ليس لوحده في الطبقة الأولى .. ولكن من أين لها القوة لتتحرك وتكشف ما يجري تحت أنفها ؟ ومساعدتها ترفض أن تقول ما يدور في البيت .. دائما تتهرب من الإجابة .. لا تغضب عليها .. هذه وظيفتها. عندما كان زوجها يحضر شقراءه ، كانت تلتزم مساعدتها الطبقة الثانية بحجة التنظيف أو الاستراحة .. كانت تشعر بحسها أولا ، وبتطور قدرة سمعها ثانيا ، بكل حركة تجري في الطابق الأرضي ، كانت تسمع الضحكات المخنوقة ، حسها لا يخطئ. ما كانت تطلبه أن يرحم زوجها أيامها الأخيرة ، أو ربما ساعاتها الأخيرة.. ولكنها تشعر بالغضب من وقاحة تلك الشقراء التي وجدت بشخص زوجها ، أبا وعشيقا في نفس الوقت.. كان قليلا ما يدخل غرفتها .. وإذا دخل فبابتسامة مصطنعة ليسألها عن صحتها: - " إن شاء الله تتحسني " وكأنه يقول لها : - " خلصينا ، موتك رحمة لك ولنا" . أحيانا تفكر بعقابه .. ولكنها لا تعرف كيف تعاقبه دون أن تلحق الضرر بابنهما الوحيد . صارحت ابنها بما يعتلج في صدرها ، حقا تشعر بأنه يحبها ويبكي مصيرها ، ولكنه بما يخص والده له موقف آخر : - " هل تريدينه أن يتمدد مريضا إلى جانبك ؟" شرحت له ما وصلها من صديقاتها وما تلمسه وتحسه وتسمعه داخل بيتها : - " ألا حرمة لبيتي وأنا صاحبته الشرعية حتى اليوم ؟ ليفعل ما يريد خارج منزلي . عندما اموت ليفعل ما يشاء !" فرد بشكل منعها من فتح الحديث معه مرة أخرى: - " أمي ماذا جرى لك ، على ماذا أنت قلقة ؟ .. هل تريدين أن تجري أبي معك .. " ولم يكمل الجملة ، كانت تعرف انه يعني : - " إلى القبر " . تغابت وقالت له : - " لينتظرني حتى أموت على الأقل ، وليفعل ذلك بعيدا عني ودون علمي ، هل كوني مريضة في ايامها الأخيرة يجعلني لا شيء في بيتي ولدى زوجي ؟" وكم تمنت دمعة .. لكن دموعها قد جفت منذ عرفت ما ينتظرها. قبلها ابنها على جبينها وشعرت بدمعة حارة تسقط على جبينها.. وسارع يخفي دموعه ويخرج مسرعا.. تاركا لها عذاباتها وانتظار النهاية التي بدات تشعر ببطء حركتها .. صارت تتمنى ان ينتهي عذابها بسرعة.. كم تتمنى أن ترى حفيدها الأول، ولكن لا يبدو ان الزمن سيمنحها هذه السعادة. قبل أسبوعين سألت ابنها : - " أين وصلت زوجتك ؟" فأجاب : - " إنها في السابع.. " كم تتمنى الموت ، وكم تتمنى أن ترى حفيدها قبل موتها.. ربما الألم الوحيد الذي يعذبها من موتها ، حرمانها من رؤية حفيدها وملاعبته . أما زوجها فلم يكن الأمر يعنيه وكأنه جاء من كوكب آخر.. لا يحدثها بأي موضوع ، وحين سألته عن تجهيزات الحفيد ، التي كانت تتمنى أن تقوم بها ، تبين أن الأمر لا يعنيه كثيرا : - " أمه ستجهز له ما يريد ، أعطيتها شيكا مفتوحا " كل ما يعنيه عشيقته الشقراء التي أعادته مراهقا بجيل الكهولة. لو كان الأمر معكوسا هل كانت تتصرف مثله ، أم تقبر نفسها إلى جانبه ، تقوم على خدمته وحضانته حتى يتمنى أن يطول به المرض رغم ما فيه من آلام رهيبة..؟ لماذا ما يطلب من المرأة لا يطلب من الرجل؟ وماذا تفيدها هذه الأفكار في حالتها الميؤوس منها ؟ ستمحى ذكراها من هذا المنزل.. سينسون أنها كانت أما وزوجة مخلصة وخدامة وجارية وخليلة ... ستصبح مجرد ذكرى لا يتذكرون إلا أيامها الأخيرة المليئة بالعذاب لها ولأهل البيت . سيقولون : - " ربنا أراحها واراحنا " وهي لم تكن تحلم براحة من هذا النوع . على الأقل كانت تريد موتا دون أن تعذبها مشاعر الغيرة.. أو الشعور أنها أصبحت عالة ينتظرون موتها وإقفال صفحة متعبة من حياتهم.. وكأنهم قد تخلصوا من آفة بيئية. أسعدهم ستكون الشقراء.. سيخلو لها الميدان .. ستقلب كل أغراضها وتأخذ ما يعجبها وتلقى بقية أغراضها للقمامة. ما كان يسري عنها قليلا حديثها التلفوني مع صديقاتها ، اللواتي حافظن على مودة وعلاقة ، ولكن زياراتهن باتت قليلة في الفترة الأخيرة ربما بسبب ما يدور في البيت .. كانت لها صورة تحبها كثيرا ، هي وابنها عندما كان في العاشرة من عمره ، وقد عملت منها نسخة مكبرة علقتها أمام السرير منذ تلك الأيام ، كانت تبدو امرأة مكتملة الجمال ، صدرها عريض واسع ، ورقبتها ممتدة ، وقوامها جميل متناسق يشع حيوية وأنوثة. هل ستكون الشقراء بمثل جمالها ؟ آه ما أصعب الأفكار عندما تتخيل زوجها ، الذي تزوجته بعد قصة حب ،تملأها حتى اليوم بالمشاعر الجميلة .. مع شقرائه ، التي وصلها أنها كانت من المتسابقات على لقب ملكة جمال .. كيف وصلها؟ وماذا وجدت به غير أمواله وقدرته على الصرف بلا حساب؟ وفجأة خطرت لها فكرة جهنمية. اتصلت بأحدى صديقاتها .. - ايفلين .. آمل أني لا أزعجك يا روحي .. - إطلاقا .. لا تفكري أبدا انك تزعجيني .. آسفة لم أزرك في الأسبوع الأخير .. ولكني سأزورك بالتأكيد غدا .. أنت دائما على بالنا .. أرجو أن تكوني بخير.. - شكرا يا ايفلين .. أنا متعبة جدا.. ولكن لي طلبا صغير ا.. - تأمري يا روحي.. - لي صورة .. الصورة التي أمام سريري .. مع ابني .. تذكرينها ؟ ... أريد من صديق ابنك الرسام الذي رسم صورة لك ، أن يرسم لي الصورة إياها ،سابقيها هدية لزوجي ... وسأدفع له ما يطلبه . - اتكلي علي .. سأرتب لك الموضوع .. في اليوم التالي حضر الرسام مع ايفلين . نظر إلى الصورة وقال: - سأرسمها لك .. مسألة يومين .. - ولكن لي طلب يا عزيزي.. - تفضلي... - أريدك أن تضيف للصورة عقدا من اللؤلؤ والألماس يغطي كل صدري ، أترك هذا لخيالك البارع .. وكذلك أقراط من الألماس .. واسوارتي ذهب ضخمتين مع الأحجار الكريمة ... ضع في كل يد واحدة .. ولا بأس من إضافة دبوس يأخذ العقل على الفستان في الصدر .. تفنن به .. - هذا سهل .. سأجعل الجواهر تبدو حقيقية يمكن لمسها باليد.. - رائع ... رائع . خذ دفعة على الحساب أخذ مبلغا لم يحلم به .. انزل الصورة ، لفها بشرشف أبيض ، وخرج مسرعا بينما ايفلين تحملق بصديقتها غير قادرة على فهم ما يجري حولها .بعد أن خرج الرسام استجمعت ايفلين نفسها وسألت: - ماذا تفعلين يا صديقتي؟ منذ متى تحبين الجواهر ؟ - اسمعي يا ايفلين ، أنت أقرب الناس إلي بعد ابني، سأصارحك .. اقسمي أن يبقى ما تسمعيه سرا بيننا ؟ - أقسم .. - زوجي كما يعلم الجميع ، وأنت أيضا ، رغم انك ترفضين الاعتراف أمامي بما تعرفينه ، يخونني مع شقراء بعمر ابنه .. سحرها بأمواله .. أنا سأودع هذا العالم المجنون .. ما هي إلا أسابيع أو أيام .. ولكن تخيلي ، عندما تكتشف الشقراء الصورة ،.وترى الجواهر التي تأخذ العقل.. ستبدأ بالبحث عنها ... أريدها أن تتعذب.. - ولكن لا جواهر لديك ... - هذا هو الأمر .. انه انتقام صغير ليس الا .. وليسامحني الله ... لن تصدق زوجي إنها مجرد صورة واني لم أكن ، رغم أمواله ، أعشق الذهب والجواهر . ستبحث عن جواهري التي في الصورة.. حتى لو ظهر لها كل الأنبياء وأبلغوها بأن الجواهر غير موجودة ، لن تقتنع أني لم أكن أملك الجواهر التي سيلبسني إياها الرسام ... نبيل عودة – كاتب وناقد وإعلامي – الناصرة" /كانت على فراش الموت ، أعطوها شهرا واحدا كأقصى حد .. فهمت ذلك رغم أن لا أحد يريد أن يعترف أمامها ، بما صار معروفا لديها من الهمس حولها. ما كان يقلقها حقا أن زوجها صار مرتبطا منذ أقعدها المرض قبل نصف سنة ، بفتاة شقراء بجيل ابنه. لم ينتظر وفاتها.. ليدعها على الأقل تودع عالمها بشعور مريح ، بلا هواجس تأكل قلبها .
الشعور أنها أصبحت شيئا ينتظرون موته ، شيئا زائدا يثقل على الجميع ،صعب عليها.. حتى الشهر المحدد لها صار ثقيلا على الذين حضنتهم وأعطتهم قلبها وجهدها وراحتها بلا حساب .
تقضي معظم يومها مع مساعدة تقوم على خدمتها ، استأجرها زوجها ليريح نفسه أولا.. كثيرا ما بحثت عن دمعة تريحها فلم تجدها. لم تكن تعرف هل تبكي ذاتها أم تبكي خراب عالمها قبل موتها؟
كانت تعلم أن زوجها ليس لوحده في الطبقة الأولى .. ولكن من أين لها القوة لتتحرك وتكشف ما يجري تحت أنفها ؟ ومساعدتها ترفض أن تقول ما يدور في البيت .. دائما تتهرب من الإجابة .. لا تغضب عليها .. هذه وظيفتها.
عندما كان زوجها يحضر شقراءه ، كانت تلتزم مساعدتها الطبقة الثانية بحجة التنظيف أو الاستراحة .. كانت تشعر بحسها أولا ، وبتطور قدرة سمعها ثانيا ، بكل حركة تجري في الطابق الأرضي ، كانت تسمع الضحكات المخنوقة ، حسها لا يخطئ. ما كانت تطلبه أن يرحم زوجها أيامها الأخيرة ، أو ربما ساعاتها الأخيرة.. ولكنها تشعر بالغضب من وقاحة تلك الشقراء التي وجدت بشخص زوجها ، أبا وعشيقا في نفس الوقت..
كان قليلا ما يدخل غرفتها .. وإذا دخل فبابتسامة مصطنعة ليسألها عن صحتها:
- " إن شاء الله تتحسني "
وكأنه يقول لها :
- " خلصينا ، موتك رحمة لك ولنا" .

أحيانا تفكر بعقابه .. ولكنها لا تعرف كيف تعاقبه دون أن تلحق الضرر بابنهما الوحيد . صارحت ابنها بما يعتلج في صدرها ، حقا تشعر بأنه يحبها ويبكي مصيرها ، ولكنه بما يخص والده له موقف آخر :
- " هل تريدينه أن يتمدد مريضا إلى جانبك ؟"
شرحت له ما وصلها من صديقاتها وما تلمسه وتحسه وتسمعه داخل بيتها :
- " ألا حرمة لبيتي وأنا صاحبته الشرعية حتى اليوم ؟ ليفعل ما يريد خارج منزلي . عندما اموت ليفعل ما يشاء !"
فرد بشكل منعها من فتح الحديث معه مرة أخرى:
- " أمي ماذا جرى لك ، على ماذا أنت قلقة ؟ .. هل تريدين أن تجري أبي معك .. "
ولم يكمل الجملة ، كانت تعرف انه يعني :
- " إلى القبر " .
تغابت وقالت له :
- " لينتظرني حتى أموت على الأقل ، وليفعل ذلك بعيدا عني ودون علمي ، هل كوني مريضة في ايامها الأخيرة يجعلني لا شيء في بيتي ولدى زوجي ؟"
وكم تمنت دمعة .. لكن دموعها قد جفت منذ عرفت ما ينتظرها.
قبلها ابنها على جبينها وشعرت بدمعة حارة تسقط على جبينها.. وسارع يخفي دموعه ويخرج مسرعا.. تاركا لها عذاباتها وانتظار النهاية التي بدات تشعر ببطء حركتها .. صارت تتمنى ان ينتهي عذابها بسرعة..
كم تتمنى أن ترى حفيدها الأول، ولكن لا يبدو ان الزمن سيمنحها هذه السعادة. قبل أسبوعين سألت ابنها :
- " أين وصلت زوجتك ؟"
فأجاب :
- " إنها في السابع.. "
كم تتمنى الموت ، وكم تتمنى أن ترى حفيدها قبل موتها.. ربما الألم الوحيد الذي يعذبها من موتها ، حرمانها من رؤية حفيدها وملاعبته . أما زوجها فلم يكن الأمر يعنيه وكأنه جاء من كوكب آخر.. لا يحدثها بأي موضوع ، وحين سألته عن تجهيزات الحفيد ، التي كانت تتمنى أن تقوم بها ، تبين أن الأمر لا يعنيه كثيرا :
- " أمه ستجهز له ما يريد ، أعطيتها شيكا مفتوحا "
كل ما يعنيه عشيقته الشقراء التي أعادته مراهقا بجيل الكهولة. لو كان الأمر معكوسا هل كانت تتصرف مثله ، أم تقبر نفسها إلى جانبه ، تقوم على خدمته وحضانته حتى يتمنى أن يطول به المرض رغم ما فيه من آلام رهيبة..؟
لماذا ما يطلب من المرأة لا يطلب من الرجل؟
وماذا تفيدها هذه الأفكار في حالتها الميؤوس منها ؟
ستمحى ذكراها من هذا المنزل.. سينسون أنها كانت أما وزوجة مخلصة وخدامة وجارية وخليلة ... ستصبح مجرد ذكرى لا يتذكرون إلا أيامها الأخيرة المليئة بالعذاب لها ولأهل البيت . سيقولون :
- " ربنا أراحها واراحنا "
وهي لم تكن تحلم براحة من هذا النوع . على الأقل كانت تريد موتا دون أن تعذبها مشاعر الغيرة.. أو الشعور أنها أصبحت عالة ينتظرون موتها وإقفال صفحة متعبة من حياتهم.. وكأنهم قد تخلصوا من آفة بيئية.
أسعدهم ستكون الشقراء.. سيخلو لها الميدان .. ستقلب كل أغراضها وتأخذ ما يعجبها وتلقى بقية أغراضها للقمامة.
ما كان يسري عنها قليلا حديثها التلفوني مع صديقاتها ، اللواتي حافظن على مودة وعلاقة ، ولكن زياراتهن باتت قليلة في الفترة الأخيرة ربما بسبب ما يدور في البيت ..
كانت لها صورة تحبها كثيرا ، هي وابنها عندما كان في العاشرة من عمره ، وقد عملت منها نسخة مكبرة علقتها أمام السرير منذ تلك الأيام ، كانت تبدو امرأة مكتملة الجمال ، صدرها عريض واسع ، ورقبتها ممتدة ، وقوامها جميل متناسق يشع حيوية وأنوثة.
هل ستكون الشقراء بمثل جمالها ؟
آه ما أصعب الأفكار عندما تتخيل زوجها ، الذي تزوجته بعد قصة حب ،تملأها حتى اليوم بالمشاعر الجميلة .. مع شقرائه ، التي وصلها أنها كانت من المتسابقات على لقب ملكة جمال .. كيف وصلها؟ وماذا وجدت به غير أمواله وقدرته على الصرف بلا حساب؟
وفجأة خطرت لها فكرة جهنمية.
اتصلت بأحدى صديقاتها ..
- ايفلين .. آمل أني لا أزعجك يا روحي ..
- إطلاقا .. لا تفكري أبدا انك تزعجيني .. آسفة لم أزرك في الأسبوع الأخير .. ولكني سأزورك بالتأكيد غدا .. أنت دائما على بالنا .. أرجو أن تكوني بخير..
- شكرا يا ايفلين .. أنا متعبة جدا.. ولكن لي طلبا صغير ا..
- تأمري يا روحي..
- لي صورة .. الصورة التي أمام سريري .. مع ابني .. تذكرينها ؟ ... أريد من صديق ابنك الرسام الذي رسم صورة لك ، أن يرسم لي الصورة إياها ،سابقيها هدية لزوجي ... وسأدفع له ما يطلبه .
- اتكلي علي .. سأرتب لك الموضوع ..
في اليوم التالي حضر الرسام مع ايفلين . نظر إلى الصورة وقال:
- سأرسمها لك .. مسألة يومين ..
- ولكن لي طلب يا عزيزي..
- تفضلي...
- أريدك أن تضيف للصورة عقدا من اللؤلؤ والألماس يغطي كل صدري ، أترك هذا لخيالك البارع .. وكذلك أقراط من الألماس .. واسوارتي ذهب ضخمتين مع الأحجار الكريمة ... ضع في كل يد واحدة .. ولا بأس من إضافة دبوس يأخذ العقل على الفستان في الصدر .. تفنن به ..
- هذا سهل .. سأجعل الجواهر تبدو حقيقية يمكن لمسها باليد..
- رائع ... رائع . خذ دفعة على الحساب
أخذ مبلغا لم يحلم به .. انزل الصورة ، لفها بشرشف أبيض ، وخرج مسرعا بينما ايفلين تحملق بصديقتها غير قادرة على فهم ما يجري حولها .بعد أن خرج الرسام استجمعت ايفلين نفسها وسألت:
- ماذا تفعلين يا صديقتي؟ منذ متى تحبين الجواهر ؟
- اسمعي يا ايفلين ، أنت أقرب الناس إلي بعد ابني، سأصارحك .. اقسمي أن يبقى ما تسمعيه سرا بيننا ؟
- أقسم ..
- زوجي كما يعلم الجميع ، وأنت أيضا ، رغم انك ترفضين الاعتراف أمامي بما تعرفينه ، يخونني مع شقراء بعمر ابنه .. سحرها بأمواله .. أنا سأودع هذا العالم المجنون .. ما هي إلا أسابيع أو أيام .. ولكن تخيلي ، عندما تكتشف الشقراء الصورة ،.وترى الجواهر التي تأخذ العقل.. ستبدأ بالبحث عنها ... أريدها أن تتعذب..
- ولكن لا جواهر لديك ...
- هذا هو الأمر .. انه انتقام صغير ليس الا .. وليسامحني الله ... لن تصدق زوجي إنها مجرد صورة واني لم أكن ، رغم أمواله ، أعشق الذهب والجواهر . ستبحث عن جواهري التي في الصورة.. حتى لو ظهر لها كل الأنبياء وأبلغوها بأن الجواهر غير موجودة ، لن تقتنع أني لم أكن أملك الجواهر التي سيلبسني إياها الرسام ...
نبيل عودة – كاتب وناقد وإعلامي – الناصرة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.