لبنان يعلن الحداد العام    مراجعة علمية تكشف عن فوائد صحية غير متوقعة للتين الشوكي    لبنان.. 182 شهيدا و890 جريحا حصيلة عدوان الاحتلال على بيروت اليوم    أريانة: اختتام فعاليات قافلة تحسيسية حول حقّ أطفال طيف التوحد في الإدماج المدرسي والاجتماعي    عاجل/ الحرس الثوري الإيراني يتوعد إسرائيل إذا واصلت ضرب لبنان..    عاجل/ منخفض جوي جديد وعودة للأمطار بداية من هذا التاريخ..    اقرار الحكم بالسجن عامين اثنين في حق القاضي المعفي هشام بن خالد    بهدوء ...نساء في ظلال الذّاكرة    سوسيولوجيا المقهى    ما مستقبل اللغة العربية في ظل الذكاء الاصطناعي؟    قصة....طيف من البلاستيك    حين يُصبح التصفيق وهمًا..    الاحتفاظ ب8 أشخاص من أجل شبهة القتل العمد والتنقيب عن الآثار..وهذه التفاصيل..    النبض الذي لا يُسمع    تعزيز التعاون البرلماني مع التشيك    وزارة الفلاحة تعلن عن تنظيم حصص صيد التن الأحمر لموسم 2026 وتحدد آجال تقديم المطالب    مع الشروق : بين هدنة النار وموازين القوة    برلمان: جلسة استماع حول صيغة معدّلة لمقترح القانون الأساسي المتعلّق بتنظيم الجمعيات    حملة أمنية بأريانة: حجز 7 أطنان من الخضر والغلال وإزالة نقاط انتصاب عشوائي    قيس سعيّد يعزّي عبد المجيد تبون في وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال    تعزيز التعاون الثقافي بين تونس وكندا محور لقاء بين وزيرة الشؤون الثقافية وسفير كندا في تونس    سليانة: إيقاف تلميذين وصاحب محل هواتف بحوزتهم أجهزة متطورة للغش في الباكالوريا    عاجل: وزارة الفلاحة تحذر من انتشار أمراض فطرية تهدد محاصيل القمح بالشمال    مشروع التجربة الرقمية التفاعلية لمدرج الجم ثمرة تعاون تونسي أمريكي في مجال التراث    بطولة النخبة لكرة اليد: برنامج الجولة الثامنة من مرحلة التتويج    دخول مجاني للمواقع الأثرية والمتاحف    قرابة 7500 فيزا مهنية : فرص سفر وعمل للتوانسة في فرنسا    ضربة موجعة لمافيا "السموم البيضاء": الإطاحة بشبكة خطيرة بحي التضامن وحجز 4 آلاف قرص مخدر    أبطال أوروبا: برنامج مواجهات الليلة    المنتخب الوطني في مجموعة النار بكأس إفريقيا تحت 17 سنة    كلاسيكو مشوّق بين الترجي والنادي الصفاقسي: وقتاش ووين الفُرجة؟    مدير البناءات والتجهيز بوزارة الشباب والرياضة: استئناف أشغال تهيئة ملعب المنزه في الثلاثي الأخير من سنة 2026    التونسية للتموين تطلق أسطولا من السيارات الكهربائية لفائدة أعوانها    مجموعة البنك الأفريقي للتنمية تستضيف حوارًا تشاوريًا بشأن الهيكل المالي الافريقي الجديد    بعد التقاعد: علاش كبار السنّ يحسّوا بأوجاع مزمنة؟...دكتورة تكشف الحقيقة    بشرى للتونسيين..ودعا ل"باقات" الفارينة..    عاجل/ ترامب يهدد هذه الدول..    صادم: شاب يطعن شقيقه ووالده بسيف..والسبب صادم..    هذا علاش علّوش العيد غالي    الاحتفاظ بلاعب كرة سلة بشبهة استهلاك مادة مخدرة    هافرتس يقود أرسنال للفوز 1-صفر على سبورتينغ لشبونة بذهاب ربع نهائي رابطة ابطال اوروبا    تأجيل النظر في قضية مغني الراب سامارا إلى 23 أفريل    درّة زروق تتحدث عن تجربة الإجهاض: ''مازلت نحلم بالأمومة''    عاجل/ النادي الافريقي يعلن..    قبل ما تشري : شوف الفرق بين خبز الفارينة و خبز النخالة ؟    أذكار الاربعاء...ملازمكش تفوتهم    المرصد التونسي للمياه: 167 إنقطاعاً وإضطراباً في توزيع المياه الصالحة للشرب بكامل ولايات الجمهورية خلال شهر مارس 2026    ردود فعل إقليمية ودولية على إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران    موش كان التاكسي: إضراب 27 أفريل يهمّ برشا قطاعات نقل غير منتظم    هل قرّر يوسف المساكني الاعتزال؟    المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني يعلن "الانتصار التاريخي" ويدعو الشعب للوحدة حتى حسم التفاصيل    بين تراجع التزويد وتقاطع المواسم: ما سرّ غلاء المواد الغذائية في الأسواق؟    طقس اليوم: ارتفاع طفيف في درجات الحرارة    تكريم الطاهر شريعة في الولايات المتحدة: مسار ثقافي بين نيويورك وبرينستون وواشنطن    تراجع أسعار النفط دون 100 دولار وارتفاع الذهب عقب إعلان هدنة أمريكية    قبل فقدان الذاكرة.. إشارات خفية تكشف الإصابة بالخرف    كيف تُغذّي الصهيونية المسيحية نرجسية ترامب؟    لحياة أسعد وأبسط.. 6 دروس في الاكتفاء الذاتي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة في مسرحية يحيى يعيش للفاضل الجعايبي:الجزء الأوّل
نشر في الفجر نيوز يوم 14 - 07 - 2010


نَعِيشُ، نعيشُ ويَحْيَا الوَطَنْ؟
بقلم: رضا البركاتي
هي سنة برمّتها وانقضتْ.
انتهت السنة السياسية والانتخابوية والنقابية والقضائية والحقوقية والدراسية أيضا وانسدل الستار على الموسم الثقافي.
ومع نهاية شهر ماي المنصرم انتهت عروض "يحي يعيش" مسرحية الفاضل الجعايبي وجليلة بكّار. ولأنّ الموسم ينتهي بالحصاد والدِّرَاس فلا بدّ من السؤال عن الصّابة. ماذا بقي بالمحصلة من موسم 2010 في حقول الإبداع الثقافي عموما والمسرحي خصوصا؟
ثمّة عناوين جديدة أزهرت في الربيع الفائت وتقدّمت لمعرض الكتاب نذكر منها "رغم أنفك" لعبد الجبّار المدوري و"أبناء السحاب" لمحمّد الجابلّي و"عمّ حمدة العتّال" لمحمّد صالح فليس وغيرُها غيرُ قليل...
أمّا على خشبة المسرح فبعد "خمسون" [1] نذكر "وطن" [2] و"رحيل" [3] و"آخر ساعة" [4] و"الناس الأخرى" [5] وهي من الأعمال التي شدّ لعبها على الركح الاهتمام.
أعمال أدبية ومسرحية وسينمائية وتشكيلية هي مرآة عاكسة لصورة البلد ولاهتمامات النّاس وأحلامهم وانتظاراتهم لذلك تستوجب الوقوف عندها بالتحليل والاستقراء لتتبع حركة الإبداع والسؤال عن مواكبتها لحراك المجتمع ومدى إنصاتها لنبض المخاض وتسجيلها لأنفاس الجنين واستشرافها للآتي.
إذا، بعد "خمسون"، طلعت علينا دار "فاميليا" ب"يحي يعيش".
لستُ أدري لماذا شعرت بشيء من الارتياح لبرمجة العروض بقاعة "المونديال" (هاني جوهرية سابقا) بنهج ابن خلدون. ربّما لأنّي لازلتُ أذكر آخر عرض حضرته بالمسرح البلدي وكيف تسرّب البرد إلى جسمي صاعدا من قدميّ اللتين تجمّدتا. ثمّ إنّ المسرح البلدي بطرازه الذي يذكّر بالنهضة الإيطالية ينتمي إلى المسارح الكلاسيكية ويذكّر بالإرث المعماري الاستعماري... كنت شغوفا به، مولعا بالدخول إلى فضائه الفخم، مبهورا بعلوّ سقفه واصطفاف شرفاته وإطلالة "الميزانين". نقوشه ومنحوتاته وتماثيله تُخْبركَ بأنّك في حضرة مِعمار يمثّل سلطةً هي سلطة الفنّ.
ولكنْ سلطة أيِّ فنٍّ؟ فنُّ من؟
سلطة الفنّ كانت في العشريات الأولى (الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات) بقبضة الدولة "الوطنية الفتيّة"... واليوم، وتحت مظلة العولمة المتوحّشة، تراجع دور القطاع العام واستحوذ عليها التجار الذين تقاسموا الفنون قطعا مرقّمة تشظتْ وانتشرت في سوق البلد – على غرار السُّوق العالمية - سلعا باهتة خاوية لاهثة وراء الربح تتجاور وتتنافس مع الأكلات الخفيفة التي لا تُسْمِن ولا تُغْني من جوع. وهي ألوانٌ فاقعة قبيحة وروائحُ فوّاحةٌ مفضوحة وإيقاعات هزّازة شطّاحة وأصوات نافرة ناشزة وكلمات هابطة مائعة.
ولكنَّ الحركةَ الثقافية في بلادنا تحاول جاهدةً أن تقفَ، أن تفكَّ القيودَ، أن تدفعَ شمسَ الإبداع الفنّي من وراء الحُجُبِ، أن تُطلق الكلمةَ الصادقة، أنْ ترسمَ الصّورة الحيّة، أنْ تُنْشدَ اللّحنَ الخالد.
والفنّ المسرحي في بلادنا تأصّل وله جمعياته وناسه ورجاله ونساؤه أيضا بالتأكيد وإن انحنى منه العودُ الغضّ الطري في بعض الحالات فإنّه لم ينكسرْ – ولن ينكسرَ – وهو في غابة الفنون روض ما انفكّ يطرح ثماره المتنوعة ألوانا وأذواقا...
و"المسرح الجديد" شجرة أصلها ثابت في الثرى وفرعها فارع في الثريا. وهو مدرسة على الخشبة ومذهب في المجال. ودار "فاميليا" اسم وحسب ونسب. والفاضل وجليلة وفاطمة أعلام على رؤوسهم نار.
لقد عوّدنا "المسرح الجديد" برصد حال المجتمع والغوص في الذات الإنسانية مهما تنوّعت واختلفت المواضيع المطروحة من مسرحية إلى أخرى منذ "التحقيق" [6] و"العرس" [7] ف"غسّالة النوادر" [8] التي نزلتْ قربا من سماء الغيم وانطلقت سيولا من الكلام فعرّت المدفون وبشّرت بالميلاد الجديد في خريف الموت. ثمّ "عرب" [9] وقد ولع العُرب بالحرب بلبنان وغير لبنان وتبعتها "فاميليا" [10] وعلى إثرها "عشّاق المقهى المهجور" [11] وصولا إلى "جنون" [12] وأخيرا ومع "خمسون" [13] وقف الشعب يحصي ما حصد بعد نصف قرن من التعمية والتكميم والتعذيب.
ولقد كان كلّ عمل مناسبة للبحث في وسائل التعبير الركحي الملائمة وتجريب أشكال اللعب المسرحي القادرة على التبليغ واستنباط خيوط تواصل جديدة بين قطبي الفعل المسرحي: الممثلون والجمهور.
لقد عوّدتنا الجماعة، في كلّ مرّة، على الجرأة في الطرح والقوّة في الطرق والفنيات في العرض.
واليوم، وبعد "خمسون" ها هو "يحي يعيش".
فما هي مسرحية "يحي يعيش"، "أمنيزيا" [14]؟ أهي مسرحية سياسية أم نفسيّة؟ هل هي فحص دقيق لشخصية الوزير الأوّل المخلوع أم هي تشريح لماكينة السلطة؟ من هو يحي يعيش؟ ومن هي الشخصيات المحيطة به وماذا تمثل؟ كيف تجلّتْ الساحة السياسية ومكوّناتها في هذه المسرحية؟
1. الدخلة:
مدخل الفرجة مدخل القراءة.
لمّا ولجنا القاعة، قاعة السينما والمسرح، لم نر الشاشة البيضاء العملاقة، شاشة الأحلام.
تركتِ الشاشةُ المجال للركح.
على مثل هذا الركح بمسرح الألمب [15] تُنجَزُ الأعمالُ الجليلة والأفعالُ الخالدة والصراعات الكبرى، صراعات الأبطال ضدّ الآلهة والأقدار من أجل تحرير الإنسان وتقرير المصير.
كان الركح فارغا.
الركح فضاء خالٍ من أيّ عنصر من عناصر الديكور. ولا يوجد ستار. كلّ ما في الأمر: سواد. اللون الأسود يسود. تراه في أرضية الخشبة، في الجدار الخلفي، أي في ظهيرة الركح وفي جانبيه اللذين يجسّدان عمقه، وفي جناحيه أي جانبيه على يسار ويمين عرض القاعة حيث بضع درجات في كلّ ناحية تسمح بالصعود إلى الخشبة.
شدّ انتباهي السواد والفراغ اللذان يؤثثان الركح.
ولكنْ ألهَتْني الحركةُ في القاعة وتوافُدُ الضُّيوف والتّطلعُ إلى الوافدين على حفل الافتتاح وتحيّة هذا وفرحة اللقاء بتلك وتهنئة قاصّ بمولوده الجديد... ألهاني كلّ هذا بعض الوقتِ حتى حان الوقتُ.
لم نسمع تلك الطرقات على أرضية الركح إيذانا ببداية العرض.
تقدّم السيد الحبيب بن الهادي، مدير الإنتاج بدار "فاميليا"، ورحّب بالحضور وطلب بكلّ أدب أن يأخذ كلّ مكانه معلنا بداية العرض.
وتحرك كلٌّ في مقعده وعدّل من جِلْسته وبدأ الهدوءُ يعُمُّ القاعةَ والسُّكون يسود وشخَصَت العيون أمامها تنتظر ولمّا امتدّتْ اللحظات وطالتْ صارت العين تَبْحث عن شيء، عن علامة، عن إشارة في الفضاء الركحي الأسود. لا شيْءَ. البؤْرةُ السّوداء سوداءُ، ساكنةٌ، غامضة، مبهمة، مغلقة.
تمطّى الزمن. طال الانتظار.
هي لحظة واحدة وطالتْ.
هل هذا مندرِجٌ في المسرحية؟ هل تعطّل الجماعة وهذا مجرّد تأخير أم بدأ العرض وهذه لوحة الافتتاح؟
لا أظنّ الأمر تأخيرا أو تقصيرا من جماعة المسرح الجديد المدرسة العريقة، الجديّة، التي اكتسبت الاحتراف من زمان وربّانها مولَعٌ بالتوغّل في المجاهل وبالتجريب في بحور الفنون الركحية.
انتبهي أيّتها العين وانْظرِي. وتَيَقَّظْ يا راصد الجمال المنشود وتَهَجَّأْ يا طالبَ الفنّ المفقود.
ما المقصود؟ الركح، مسرح الأحداث وخشبة العرض بؤرة سوداء. ولماذا امتداد لحظة الانتظار، لحظة البداية، لحظة الهدوء هذه أمام هذه البؤرة السوداء؟
لعلّ الدخلة ستكون بالإنارة باللعب على أوتار فنّ الأضواء... نظرتُ إلى سقف الركح فإذا الفوانيسُ العديدة المعلقة سوداءُ هي أيضا بعضها يرسل ضوء عاديا، عاديا جدّا، وأغلبها مغمض الأجفان. الضّوء لا يُوجَّهُ إلى عنصر من الديكور إذ لا ديكور في الفضاء الركحي. ولا يمسح منطقة. لا يحدّد بقعة. بل ظلّ الضوء المرسل بهرة معلقة في هذا الكهف المظلم يحاول الانتشار في المجال ولكنّ السَّواد يَصُدُّه. صراع معلّق بين النّور والعَمَى، بين ضوْء فجرٍ جديد وظلام ليل بهيم. لكأنّه السَّحَرُ.. هل هي لحظة الخلق الأولى في سفر التكوين؟ وامتدّتْ العينُ إلى فوانيس القاعة فوجدتْ القاعةَ مضاءة إضاءة عادية جدّا بل لعلّها أقلّ من العادي نورا وإشعاعا. لكأنّ إنارتيْ القاعة والركح إنارة واحدة لفضاء واحد.
هل هذا جزء من المسرحية؟ هل هو داخل في العرض؟
لعلّه مشهد البداية أو لوحة الافتتاح.
البداية. مشهد يلفّه الهدوء والسكون والصمت والسواد. لا حركة، لا صوْتَ، لا شخصية لا ديكور لا لعب بالأضواء.
ما المقصد؟
وأحسَسْتُ تململا خلفي وسمعتُ همسا هنا وهناك فحسِبْتُ المللَ غزا الحضورَ والحيرةَ تفشّتْ في القاعة. نظرتُ إلى جارتي، وما كنتُ أراها أو أشعر بوجودها، فقالت همسا بعيْنيْها: "انظرْ" وأشارت بوجهها الذي امتدّ والتفتتْ إلى الخلف.
فالتفتُّ.
رأيتُ شخصا في كسوة سوداء في هيأةٍ غريبة، إنّه ليس متفرّجا. اتخذ وجهُه سحنةً ما ثابتة، يمشي ببطء وينظر في الفراغ. وإذا بثان يتبعه بنفس الكسوةِ السوداء والنظرةِ والمِشيَة.
ثمّ انتبهتُ إلى أنّ جانبا من الجمهور الذي قُبَالتي ينظر مشدوها إلى جانب القاعة الثاني، يسار القاعة، الذي صار خلفي. فالتفتّ وإذا بثلاث شخوص أخرى بنفس اللون الأسود والهيأة تتقدّم الهوينى خطوةً فخطوة. تخالُ أقدامهم لا تلمس الأرض. وكأنّهم يمشون على قطن السَّحاب. نظراتهم شاخصة. كلّ واحد تعلّقتْ نظرته بنقطة في الفضاء انشدّ إليها وقد اكتسى وجهه تعبيرة واحدة ثابتة لا تتغيّر، أو هو ينظر إلى الجمهور. يتفحّص الوجوه. يمسح القاعة بنظرته الغائمة السّاهمة. يتقدّم شبحا أسود وقسمات وجهه جامدة لستَ تدري عمّا تعبّر. شبح خارج من ليل، من حلم، من ذاكرة، من زمن ما، من عالم آخر...
ولحق بهم رابع ثمّ خامس وامتدّ صفّ الشخوص وكل واحد قد اتخذّ هيئة وظلّ شاخصا إلى الجمهور يسبح واهما بين وجوه الجمهور. وسمعت حولي من يهمس: "جليلة في الناحية الأخرى". والتفت إلى يمين القاعة، فوجدت نفس الصفّ تقريبا: أربعة أو خمسة ممثلين يتقدّمون ونفس المسافة بينهم وقد بلغ أوّلهم الصفوف الأولى من المقاعد. كان أوّلهم يتقدّم في نفس الهيئة بنفس الخطوة وعينه المشدودة إلى نقطة وعلى وجهه قناعه الذي رسمه بتقاسيم وظهر به.
كان أوّلهم، وهو يقترب من المدرج، ملتفتا إلى الخلف، إلى الجمهور، في حين أنّ جسمه ظلّ متوجّها إلى الأمام، إلى الركح، وهو يمشي القهقرى ويتبعه من كان بعده بنفس الانشداد إلى الجمهور يتفحّص الوجوه ووجهُه بنفس التعبيرة.
وكذلك كان الصفّ الآخر في الطرف الآخر للقاعة والصفّ الثالث في وسط القاعة.
ثلاثة خطوط ارتسمتْ شيئا فشيئا. تتقدّم في بطء.. بطيء. تطلَع من خلفية القاعة، من الجمهور، من خلفه من ضلعه الأيمن ومن ضلعه الأيسر ومن قلبه. والآن، من بين يديه، يبدأ صعود الدرجات عتبةً عتبة، شبحا فشبحا وتغزو هذه الأشباح الطالعة من رحم القاعة خشبة المسرح والصَّمْت دوما يسود والدهشة تتملكنا أكثر والحيرة تقتاتُ منّا.
هذا الجمهور قد صار مشدودا إلى الركح. بعد أن كان إلى الخلف ملتفتا وإلى جانبيه منتبها.
هذه الدخلة وما حفّ بها من إنارة وفراغ الركح واللون الأسود والصّمت وغياب الموسيقى... الدخلة ومجموع العناصر الفنيّة تؤلف معنى.
ولا يمكن أن نفهم إلاّ كون هذا العرض طالع من الجمهور. وهذه الحكاية خارجة من ذاكرة الجمهور، من الذاكرة الجماعية.
وهمست جارتي: "أليستْ هذه "فازة" "بريشتية" [16]؟"
2. الذَّاكرة:
إنّمَا جَماعةٌ بلا ذاكرةٍ قطِيعٌ يُقَادُ إلى المَسْلَخ.
صرنا نتابع تحرُّك الشخوص على الفضاء الركحي، وهي تموج كما الأشباح التائهة كما الأفكار السابحة.
وراحت الجماعة تتحرّك في الفضاء الركحي فتشغله. صارت الجماعة تتحرّك كما الذرّات في معادلة كيميائية، وكأنّهم خلية نحل عند باب المنحل.
ثمّ بدأ الانسحاب من الركح عبر الجانبين، على اليمين واليسار بطريقة مثيرة للانتباه: يمضي الواحد منهم نحو الجدار الأسود، الأظلم وهو يسير إلى الوراء بنفس تلك الهيئة النائمة الحالمة... تعاودك صورة أو فكرة الماشي في النوم وأنت تنظر إلى الشبح الأسود يمشي القهقرى ويقترب الهوينى من جدار الظلام فيغوص فيه تدريجيا. يبتلعه الظلام شيئا فشيئا حتى يغيب كلّيا.
ولمّا غاب آخرهم، بدا أوّلهم، من الناحية الأخرى وبيديه كرسي أبيض. يتقدّم والكرسي أمامه وكأنّه سيقدّمه لأحد. ويتبعه كلّ فريق الممثلات والممثّلين. يخرجون من طيّات الظلام، من هنا وهناك وكلّ واحد يرفع كرسيّه أمامه. وتصطفّ الكراسي بالعرض، في صدارة الركح، قبالة الجمهور، في صفّ مستقيم، منتظّم، ويجلس كلّ على كرسيّه. وسرعان ما يدخل كلّ واحد، أو واحدة، منهم في سِنَةٍ من النوم.
هيئات. آهات. أنّات. شخير. أجسام تتلوّى. أعضاء تتمطى. أياد تمتدّ في الفضاء كأنّها تحاول القبض على شيء معلّق. أحلام هاربة. كلماتٌ تفلتُ من عُقال عقْلٍ نائم فتخرج مبهمة مرّةً مُفصِحةً مرّة أُخرى عن أمنيةٍ، عن رغبة، عن كبتٍ، ممجوجةً بين أشداق فمٍ يتلذّذُ حلاوة النعاس. وقد تستحيل النعسة عند هذا أو تلك حالةَ توجّس وخوفٍ فترى الأعضاء تنكمشُ والرأسَ تنخفضُ واليديْن تمتدُّ دافعةً وترتدُّ مُدافِعة.
ثمّ قاموا تباعا. وراحوا يحلمون يتحرّكون. يتواصلون وهم نائمون.
وفجأة دويّ انفجار.
إنّه انفجار طلق ناري.
ويُحطم انفجارُ الطلقِ الناري جدارَ الصمت المطبق على المشهد. ويهتزّ كلّ واحد من الجمهور ويدكّه الدَّويُّ في مقعده دكّا. وعلى الركح تعمّ حالة فزع مرعب. ويجري كلٌّ في كلِّ اتجاه. ويتتالى دويّ زخّ الطلق الناري. وتتهاوى الأجساد وتتلوّى وتحاول النهوض وتسقط ثانية. والطلق يقتنص كلّ من يتحرّك وكلّ من يظلّ واقفا. ويلاحق كلّ من يحاول الهروب ولا مفرَّ. ويطول المشهد. ولا ينقطع الطلق بل تقلّ وتيرته بقدر ما تقلّ حركة الأجساد. ويسقط آخر من كان واقفا. ويتلوّى جسد هناك فتأتيه طلقة منفردة. وتحاول رأس أن تنهض فترديها طلقة مصفرة مديدة. تتحركّ جثة فتجهز عليها طلقة خاصة.
وتهيّأ لنا، نحن الشهود، أنّ المقصود أحداث 26 جانفي 1978.
وتعود الحركة. وتعود الحياة. وتنضاف الموسيقى.
وفجأة الفجيعة الثانية. ويُلعْلِع الرصاص ثانية. نفس المشهد يتكرّر. هل هي أحداث انتفاضة الخبز في الثالث من جانفي 1984. أم هي أحداث قفصة الأخيرة ذات الهدنة شبه المعلّقة؟
كانت أحلاما تتمطّى بمعسول النعاس. وإذا بها أحلام مزعجة بل كابوس مرعب.
وكاد النسيان يَطْويها. وها هو الفنّ المسرحي يُجليها فَيُحْيِيها.
إنّ جماعةً بلا ذاكرة هي قطيع يُقاد إلى المسلخ.
فما الحكاية؟
3. الحكاية:
حكاية يحي يعيش.
يحي يعيش هو وزير أوّل أُقيل من منصبه. ويعلم بإقالته عن طريق نشرة الأنباء المسائية. ثمّ يتعرّض لجملة من التضييقات: يمنع من السفر. تمنع عليه الزيارات. يتخلى عنه صهره. ثمّ تحرق مكتبته وقد أخذه النعاس أثناء المطالعة. يتخلّى عنه محاميه الذي هو صنيعته. ويعيش في المستشفى في عزلة تامة حيث البوليس متواجد ليلا نهارا دون انقطاع. وتتعاون الإدارة ويمنع على أيّ كان أن يكلّمه أو يتّصل به ما عدا محرز الممرّض أو فريق الأطباء. ووُجِدَ من بينهم مَن نسِيَ قَسَمَ... وقبِلَ أن يلعبَ الدورَ الذي طُلِبَ منه فيأخُذُ الفحص الطبي شكلَ وطابعَ الاستنطاق البوليسي... والمسألة: هل كان حريق المكتبة محاولة انتحار أم محاولة اغتيال أم مجرد حادث؟
ثمّ إنّ الطبيب الخاص لسي يحي قَبِلَ أن يتعاون مع(هم) من أجل المصلحة العامة ولتجنيب الوطن القلاقل وبفضل تقديمه الشهائد الطبيّة المطلوبة فاز بحقيبة وزارة الصحة...
إذا تدور المسرحية حول الشخصية المحورية.
يحي يعيش تجلى بمثابة الشمس. هو المركز والكلّ من حوله في مداره يدورون.
إذا من حوله؟ وماذا حوله؟ وكيف وقع بناء الحكاية ركحيا وعرضها على الخشبة؟
الجزء الثاني والأخير
ملاحظة
(*) نعيش نعيش ويحيا الوطن، هي الصيغة المقترحة من الشاعر أولاد أحمد لتحوير مقطع من نشيد الثورة: نموت نموت ويحيا الوطن. وجاء الاقتراح بدار الاتحاد العام التونسي للشغل أثناء أزمة 1985، لمّا حاصر البوليس والمليشيا دار الاتحاد. ورفع النقابيون النشيد، نشيد الثورة موقّعا بإرادة الحياة...
يحي يعيش
سيناريو ودراماتورجي ونصّ جليلة بكّار والفاضل الجعايبي
إخراج الفاضل الجعايبي
سينوغرافيا قيس رستم
موسيقى جيرار هوربات (آرت زويد)
إنارة الفاضل الجعايبي
ملابس أنيسة البديري
مع جليلة بكّار. فاطمة بن سعيدان. صباح بوزويتة. رمزي عزيّز. معزّ المرابط. لبنى مليكة. بسمة العشّي. كريم الكافي. رياض الحمدي. خالد بوزيد. محمّد علي القلعي.
مساعدة مخرج وتوضيب صوت نرجس بن عمّار
توضيب إنارة نعيم الزغّاب
توضيب الملابس جليلة المداني
توضيب الإنتاج نزهة بن محمّد
إدارة الإنتاج الحبيب بالهادي
إنتاج فاميليا للإنتاج
2010 المسرح الوطني بون ليو آنسي. المركز الوطني للمسرح بوردو. المركز الوطني للمسرح ليموج والمركز الوطني للمسرح إيفري.
ومساهمة معهد التّعاون الفرنسي
بمساندة وزارة الثقافة والمحافظة على التراث.
مع كلّ الشكر لسهام بلخوجة وطاقم فضاء "ناس الفنّ" تونس وفريق فضاء المونديال.
هوامش
[1] خمسون هي المسرحية الأخيرة من إنتاج دار فاميليا، سنة 2006، خمسون سنة بعد الاستقلال، عرضت خارج تونس ثمّ سمح لها بملاقاة الجمهور بتونس بعد حوالي سنتين.
[2] وطن: مسرحية أنجزت في إطار مشروع التخرج بالمعهد العالي للفنون الدرامية بتونس وقدّمت في جوان 2009، وهي بإمضاء: سهام عقيل ومجموعة من الطلبة.
[3] رحيل: مسرحية من إخراج عبد الفتاح الكامل فرقة المزّونة عرضت بضع مرّات بتونس وفي بعض الجهات لاقت نجاحا، إذ فازت ببعض الجوئز، وقبولا حسنا في صفوف الجمهور.
[4] آخر ساعة: مسرحية عزالدين قنّون وليلى طوبال، إنتاج مسرح الحمراء، 2010.
[5] الناس الأخرى: مسرحية توفيق الجبالي، إنتاج مسرح التياترو، 2010.
[6] التحقيق : مسرحية للفاضل الجعايبي، إنتاج المسرح الجديد.
[7] العرس: مسرحية للفاضل الجعايبي، إنتاج المسرح الجديد.
[8] غسّالة النوادر : مسرحية للفاضل الجعايبي، إنتاج المسرح الجديد.
[9] عرب: مسرحية للفاضل الجعايبي، إنتاج المسرح الجديد.
[10] فاميليا: مسرحية للفاضل الجعايبي وجليلة بكّار، فاميليا للإنتاج
[11] عشّاق المقهى المهجور
[12] جنون : مسرحية للفاضل الجعايبي وجليلة بكّار، فاميليا للإنتاج
[13] خمسون: مسرحية للفاضل الجعايبي وجليلة بكّار، فاميليا للإنتاج
[14] أمنيزيا مسرحية للفاضل الجعايبي وجليلة بكّار، فاميليا للإنتاج
[15] الأولمب، جبل الأولمب،
[16] بريشتية: نسبة لبريشت، برتولد بريشت أو بريخت، (1898 – 1956)، رجل مسرح ألماني، تأليفا وإخراجا ونقدا وتنظيرا وشاعر واجه النازية في الثلاثينات والأربعينات ، فرّ إلى فنلادة ولمّا غزتها القوات النازية لجأ إلى أمريكا حيث حوكم واعتبر غير مرغوب فيه. عاد إلى موطنه، بعد نهاية الحرب، وعاش بألمانيا الشرقية حيث واصل نضاله الفكري والثقافي.
في نفس القسم
* قراءة في مسرحية يحيى يعيش للفاضل الجعايبي: يَحْيَ يَعِيش أمْ
نَعِيشُ، نعيشُ ويَحْيَا الوَطَنْ؟
* إحياء الذكرى الأولى لرحيل الطاهر الهمامي
* مسألة للنقاش: من أجل فنّ ثوري!
* الرديف... أو ما سقط سهوا من سفر التكوين
* "يحيى... يعيش" بين المراقبة والمعاقبة
* الهويّة: غير مُطبّع
* برقيّة عاجلة إلى حيتان البحر الأبيض المتوسّط
* الجريمة أكبر من الكتابة
* المهرجانات الصيفية: مناسبات للتهريج وليس للإبداع
* قصة قصيرة: شارع الحريّة
الجزء الثاني والأخير
البديل
14 جويلية 2010


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.