القصرين.. القبض على شخصين بشبهة الانتماء إلى تنظيم إرهابي    الصومال.. مقتل 6 أشخاص بتفجير استهف حافلة بالعاصمة    سوسة: سرقة محطة تزويد بالوقود    ابوذاكر الصفايحي يتذكر ويذكر: من اجمل الأمثال والحكم التي قيلت في الأم    فيروس كورونا.. غدا انطلاق إجراء التحاليل السريعة للإطار الجامعي والطلبة    رفع عينات ل 6 أفارقة إجتازوا الحدود التونسية بالڨصرين    لأول مرة منذ سنة ونصف.. تسجيل ارتفاع في نسبة البطالة    سليانة.. القبض على شاب بصدد ترويج مادة مخدرة    3 عناصر متطرفة تهاجم جلسة خمرية بساطور    نجل حسن حسني يكشف سبب وفاته ويروي تفاصيل لحظاته الأخيرة    الجيش المصري يوجه ضربات جديدة للعناصر الإرهابية بشمال سيناء    الجامعة التونسية لكرة القدم تتكفل بإتمام أشغال إنارة ملعب المتلوي    مواعيد مباريات مرحلة التتويج لبطولة الرابطة المحترفة الثانية    عجوز ال110 عام تتغلب على فيروس كورونا    هل يسحب الكاف كأس السوبر من الزمالك بسبب قضية الوداد والترجي؟    تحوير ظرفي لمسالك خطوط النقل العابرة لساحة باردو يبدأ غدا الاثنين    تعرض منزل رياض محرز الى سطو مسلح    العاصمة/ حاولا اختطاف فتاة من خطيبها وتحويل وجهتها    محمد الهنتاتي يكشف فضائح مالية وجنسية لسيف الدين مخلوف    ماكياج صيف 2020..ألوان أحمر شفاه    جربة: جمعية مدى للمواطنة تكرّم مجموعة من الأطفال    جربة: جمعية صيانة الجزيرة تطالب بوقف طلاء المساجد بألوان غريبة    اليوم.. تونس تحتفل بعيد الأمّهات    سيدي بوزيد.. فلاحو منطقة أم العظام يطالبون السلطات بجبر الاضرار التي لحقت ضيعاتهم جراء تساقط البرد    وكالة السلامة المعلوماتية تحذر من ثغرات على نظام «أندرويد»    جندوبة : العثور على جثة مجهولة الهوية بمحطة القطارات    صلاح الدين المستاوي يكتب لكم/ شهر رمضان لهذا العام شهر تميز بالاستفادة و الإفادة رغم الحجر الصحي    في البدء..من يوقف حرب المصالح في ليبيا؟    المسالك الجديدة للحافلات العابرة لساحة باردو    ليبيا...مخاوف من تكرار السيناريو السوري    إصابة واحدة جديدة بفيروس كورونا في تونس    اتّهمته ب«الإنحياز» للوداد...جماهير الترجي تثور على رئيس ال«كاف»    منحرف حاول افتكاك سلاح امني امام مقر اقليم سوسة وهذا ما جاء في اعترافاته    مرتجى محجوب يكتب لكم/ سيدي الوزير : يمكنك البقاء في فرنسا !    أخبار النادي الصفاقسي : كاتب عام «سوسيوس» ينفي توتر العلاقة مع الهيئة    احتجاجات عنيفة في أمريكا: استدعاء للجيش واعلان حظر التجول    القصرين/ الاطاحة بداعشي كان يتدرب على كيفية صنع المتفجرات    حزب العمال يؤكد رفضه لأي وجود عسكري أمريكي في تونس    قضية سامي الفهري: جمعية القضاة تطالب بإرجاعها إلى الرئيس الأول لمحكمة التعقيب    بعد قراراتها الأخيرة...دعوات للاستنجاد بالشارع لإسقاط هيئة الإفريقي    مثلما كان متوقعا...محمد العربي يترشح لرئاسة الرابطة «المُحترفة»    كورونا: أكثر من 6 ملايين مصاب في العالم والوفيات تتجاوز 367 ألفا    طقس اليوم.. سحب رعدية بهذه الولايات    مصر.. حبس فتاة "تيك توك" 4 أيام على ذمة التحقيق    عدم خلاص مستحقات فنّانين في الأعمال الدرامية    وداعا حسن حسني    يوميات مواطن حر : لباس الفخامة من فخامة الشخصية    القلعة الخصبة: تساقط البرد يخلّف أضرارا فادحة في مزارع الحبوب والأشجار المثمرة    أبو ذاكر الصفايحي يذّكر ويتذكر: سطورو كلمات في عيد الأمهات    يوميات مواطن حر: ضاعت بوصلتي في يمّ ذاكرتي    قفصة: القبض على 4 اشخاص واسترجاع مسروق من المصوغ بقيمة تجاوزت 60 مليون    حجز كراسات مدعمة ومواد غذائية    تعديلات ظرفية على خطوط الحافلات والمترو    محمد العربي الرئيس الحالي للرابطة المحترفة لكرة القدم يترشح لخلافة نفسه    حجز وتحرير محاضر ومخالفات في حملات للشرطة البلدية    وفاة الفنان المصري الكبير حسن حسني    تراجع ب28 بالمائة في عائدات النقل للخطوط التونسية    العمل أسمى أنواع العبادة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





قراءة في مسرحية يحيى يعيش للفاضل الجعايبي:الجزء الثاني والأخير
نشر في الفجر نيوز يوم 14 - 07 - 2010


نَعِيشُ، نعيشُ ويَحْيَا الوَطَنْ؟
بقلم: رضا البركاتي
الجزء الأوّل
للتذكير كنّا قد وضعنا، في العدد الفارط، في الجزء الأوّل من هذا المقال، مسرحيةَ يحيى يعيش في إطارها العام، في خضمّ الحراك الثقافي، وفي إطارها الخاص، في الساحة المسرحية وفي المسار الإبداعي للفاضل الجعايبي وجليلة بكّار، في المسرح الجديد ودار فاميليا.
ثمّ دخلنا المسرحية. وتوقفنا مطوّلا مع الدخلة على قدَر طولها وبأناة على قدَر بُطْئها وبهدوء على قدر صمتها واعتبرناها مدخلا للقراءة ورأينا فيها نقْشةً بريشتية.
لقد غاب الحوار في الجزء الأوّل من المسرحية واعتمد التعبيرُ أساسا على الممثلين وهيئاتهم وحركاتهم وظهورهم من بين صفوف الجمهور كما شدّنا عُرْي الركح وخُلُوِّه من الديكور... ورأينا في كلّ ذلك إشارة واضحة لكون الحكاية نابعة من الجمهور، طالعة من الذاكرة الجماعية... بل أنّ القاعة والركح فضاء واحد من حيث الاستغلال في الأداء المسرحي والإنارة كما أنّ الجمهور والممثلين واحد فالممثلون من الجمهور والجمهور يلعب دور الحضور ودور الشاهد ومنه يطلع الممثلون... فهو صاحب الحكاية التي تخرج من صفوفه، من ذاكرته، من أحلامه، من...
وأخيرا عرضنا تلخيصا موجزا لحكاية يحيى يعيش الوزير الأوّل الذي عُزِل من منصبه وحُوصِر ومُنِعَ من السفر وكان ضحيةً لحريق شبّ بمكتبته... لا ندري إن كان محاولة اغتيال أو محاولة انتحار أو مجرد حادث.
لا أخفي أنّي عند هذا الحدّ تملّكتني الحيرة من هذه المسرحية.
لم تزرع المسرحية فيَّ حيرة بشأن موضوع ما، مسألة ما، قضيّة ما ولكنّي وجدتُني في حيرة بشأن المسرحية ذاتها. أشعر بقلق تجاهها. هناك أمر ليس في محلّه. لكأنّ بيني وبين المسرحية وعد ولم يقع الإيفاء به. أو بيني وبين مخرجها، مؤلفها، صاحبها، فردا كان أو جماعة، عقد ما ولم يقع احترامه.
سألت حولي عن الرأي في المسرحية، عن الانطباع الحاصل، عن القراءة، عن.. الفهم وغالبا ما يسأل الناس بعضهم عن أعمال المسرح الجديد ودار فاميليا: هل فهمتَ المسرحية؟
وانتظرتُ الأصداء لعلّ وعسى ينجلي المستور ويتجلّى المغمور تحت الغموض المركب بتقنيات الفنون الركحية.
ثمّ عدْتُ لمشاهدة المسرحية ثانية قبل أن ينتهي برنامج عرضها وتبيّن لي في الأثناء أنّ الذين عادوا لمعاودة الفرجة ليسوا قلّة...
هناك من عاد مبهورا مسحورا ولعلّ دور الفنّ عنده ووظيفته وفعله يتوقف عند المتعة والفتنة والافتتان والسحر والانبهار من ناحية الشكل ومن ناحية المضمون يكتفي بالكليشيات التي تفضح عيوب الواقع وتشهر بالفعائل وتكشف العمائل سواء كان ذلك للترويح عن النفس وتفريج الكربة من نكد اليومي الرازح على الكاهل أو لإضفاء طابع النقد الاجتماعي والسياسي على العمل الفني فينهض مشحونا بالجرأة...
وهنالك من عاد ليراجع درسه ويفهم نصّه ويرتّب حكايته وينظّم مفاصلها ويتعرّف الأشخاص الفواعل ويحدّد الأحداث الكبرى ويرسم خطّ الصراع ويفصل الزمن الماضي عن حاضر الزمن السّاري وعن زمن الخيال والحلم والارتداد و.. الهذيان أيضا.
ولكنّي عدتُ لأتثبت كيف تخرج الذاكرة من التلفزة الرسمية.
عُدْتُ لأبحثَ عن حلقة مفقودة، عمّا ليس فيما هو معلن، منشور، معروض.
عدتُ لأتبيّن بعض الأشباح وأستجلي صورتها.
عدت لأسأل عن زمن الاستشراف.
أخبار السلطة في التلفزة وذاكرة الناس في قلوب الناس.
إذن تلك هي الحكاية.
بدأت الحكاية ب: "عيد ميلاد سعيد" وانتهت ب:"عيد ميلاد سعيد". بدأت دقيقتين أو ثلاث قبيل الثامنة مساء موعد نشرة الأنباء بالتلفزة الوطنية. وأوّل ما نَبسَتْ به شفةٌ كان السؤال عن الوقت.
وانتهت بالسؤال عن الوقت، في الدقيقة التاسعة والخمسين بعد السابعة.
سي يحي ظهر واحتجّ وارتجّ وتكلّم وعبّر عن موقفه ودافع عن سياسته وتصوّراته واختياراته فوضّح مبادئه وبيّن صدقه وولاءه للوطن وطرّز دفاعه بألوان المقولات المنتقاة من المعجم الديني التي جاءت بصوت مُفَخَّمٍ مُنَغَّمٍ كأنّه صادر من طبقة ما بين السّماء والأرض فأضفى قدسية رسمية على خطاب رجل رسمي خارج السلطة لا ينفكّ يؤكّد كونه من السلطة وإليها...
وقبالة سي يحي السلطة. فكيف تجلّتْ السلطة؟
السلطة لم تظهر. لم تتجسّد في شخصيّة تمثّلها. لم تتجلّ بوضوح ولكن وَقَعَ التعبير عنها بضمير الغائب (هم). هي غائبة بل هي هامة هلامية لم تتجلّ ركحيا ولكنّها كانت حاضرة بثقلٍ بفعلها الذي يتلخص في عزل سي يحيى ومراقبته ومنع كلّ اتصال به وصدّ كلّ من ينوي الاهتمام بالشأن العام وذلك عبر أدواتها: البوليس حول داره وفي المطار وفي المستشفى.. في كلّ مكان والمليشيا التي دخلت البيوت وقسّمت العائلات فابن محرز الممرّض مليشيا... وكذلك الإدارة وقد غُيِّبَ القانونُ ودِيسَتْ المؤسسات فأصبحت الإدارة جهازا يَمْتَثِلُ لتعليمات البوليس ويهاب المليشيا، كذلك كان شأن إدارة المستشفى. فالمتفرج يشعر بحضورها الخانق يزداد خنقا كلّما تقدّمتْ الحكاية وزاد التضييق كبْسًا حول سي يحي.
هذا سي يحيى.
وهذه السلطة.
لوحة سوداء. كابوس. وسي يحيى يرفض أن يُدْلِيَ بتصريح ولا ينفكّ يؤكّدُ أنّه من السلطة وإليها.
لقد استمتعنا بتلك الدخلة الرائعة التي دامت أكثر من نصف ساعة (والمسرحية تدوم حواليْ ساعتين). كان الأداء رائعا والفنيات الركحية غاية في الجمال إذْ جمعتْ بين قِلّة الوسائل وبساطة الطرُق وقوّة الدلالة وعمق المعنى ففتحت الركح على القاعة وأدمجتْ القاعة في الركح وولّدت الممثلين من الجمهور وقالت لنا الدخلةُ بصريح العبارة الركحية أنّ الحكاية منّا وإلينا وعنّا من ذاكرتنا الجماعية وعن همّنا العام المشترك.
هذا هو الوعد. هذا هو العقد.
وعد معلن بالفنيات الركحية.
عقد مبرم بالتقنيات البريشتية [1].
وإذا بها حكاية سلطة عن السلطة في صفوف السلطة والقادح خبر عزل في التلفزة، تلفزة السلطة.
لذلك قالت العُقَلاءُ: أخبار السلطة في التلفزة وذاكرة الناس في قلوب الناس.
استحضار الغائب وتغييب الحاضر.
إنّ العالم الذي أنشأته المسرحية ميكرو [2] مجتمع به الوزير والطبيبة والمحامي ومضيّفة المطار والصحفية والممرضون والعاملات أيضا. وبه إشكال سياسي.
فما هي صورة العمّال والعاملات ومن إليهم في المجال النقابي والسياسي؟
قدّمت الفرقة لوحات جميلة تذكّر بتلك اللوحات التي كانت تبدع فيها بنات وأولاد تونس الذين كانت تهزّهم في الستينات فورة "الاستقلال" وحماسة الوطنية وبناء الدولة الجديدة وقد وفدت علينا تلك الألعاب مع أفواج من الأطباء من أوروبا الشرقية التي كانت تتغنّى بانتصار الشّعب على الفاشية والنازية وصعود الشغيلة إلى دفّة الحكم والبناء الاشتراكي.
ذكّرني المشهد بتلك الحركات الجماعية. فطفا الماضي البهيّ ليخفف من وطأة الحاضر الرديء. وغابت الأشرطة الحمراء والعصي الخفيفة الملوّنة التي يلوّح بها الشبان في الهواء في زهو، والأطواق (الدوائر البلاستيكية) التي ترقص بها البنات، وطلعت أدوات عاملات التنظيف... فتحركت المجموعة في الفضاء الركحي طولا وعرضا في صفوف متلاحقةٍ داخلةً خارجة والظهورُ مَحْنِية والرؤوسُ مُطأطأة والأيادي ممدودة والأقدام مُهرولة والأسطل تَهتزّ وتنتفضُ كدلاء بئرٍ نَضَبَ ماؤها والمكانس تُرْفَعُ وتُخْفَضُ كرايات تَنْتصِرُ وتَنْهزِمُ.
وفي مشهد لاحق خرجت صباح بوزويتة لتقرأ باسم زميلاتها العاملات في حضرة سي يحي عريضة تصف حالتهنّ وظروف العمل ومعاناتهنّ اليومية وتطلب من سي يحيى التدخل لترسيم عدد منهنّ...
لقد كان نصّا جميلا مرتّبا ترتيبا حسنا عجيبا وكان أداؤه بديعا... ولكنّه ماذا يفيد في السياق العام؟
لكأنّ الجماعة لا تفهم أنّه انتهى سياسيا وليس له أيّ قدرة أو دخل أو فعل.
أو هل المقصود أنّ هؤلاء يفهمون أنّه من السلطة وإلى السلطة وأنّه، ولعلّه، وكأنّه، عائد إلى موقعه وما هذا إلاّ مجرد مرور عابر قرب الشعب الكريم وسوف يطفو ثانية ويعلو بقدرة العليم القدير وعندها سيتذكر سي يحي هؤلاء الناس الطيبين الذين ظلوا يؤمنون به، لمّا نسيه الكلّ، ويرفعون من شأنه لمّا زلّت به القدم... لذلك وجب الرهان عليه؟
ثمّ محرز الممرّض الذي يُكلّف بالسّهر على سي يحيى وهو الوحيد الذي يبقى على اتصال به...
نتابع التقدّم الأحداث فإذا بمحرز نقابي...!!
هكذا، في سياق الحوار، تطلق الصفة النقابية عليه. وعدا ذلك لم نر منه ما يشير إلى الصفة النقابية.
فكيف يقع اختياره لتلك المهمّة؟ هل للإدارة ثقة فيه؟ هل هو نقابي في السريّة أم في سرّه؟... فكيف تطلق عليه هذه الصفة مجانا؟
وبعد ذلك، نُفاجَأ ثانية لمّا تطلق صفة ثانية على محرز فإذا هو إسلاميٌّ وأيُّ إسلاميٍّ؟ إسلاميٌّ ذو ميولات عروبية.
ومحرز هو الذي رتّب اللقاء مع الصُحُفيّة التي تسعى منذ البداية (في مشهد المطار) للحصول على حوار مع سي يحي.
ويصرّح محرز لزوجته، في نهاية المسرحية، أنّه يريد الوقوف إلى جانب سي يحي وإعانته على الفرار من البلاد.
من هو محرز؟
قد يوجد أمثال محرز في الساحة النقابية التي تضمّ الجميع -على كلّ لون يا كْرِيمَهْ- ولكن، من ناحية البناء الدرامي، تبدو شخصية محرز شبيهة بذلك الكيس الذي يُحْشَى به كلُّ شيء (Fourre-tout)، كلّ الأشياء التي قد يحتاجها مسافر على عجل.
إنّ المسرحية في بنائها ولعبها وإخراجها راقية، قويّة، متينة في مجملها لا شكّ في ذلك... ولكن لماذا هذا الخلل في بناء شخصية محرز التي غطّى على هناتها، رياض الحمدي بحضوره الركحي وحسن لعبه وصدق أدائه؟
عموما، إنّ صورة النقابي المقدّمة والحاصلة لا تتماشى والزلزال الذي هزّ في الدخلة ودوّى رصاصه ولعلع والذي فُهِم على أنّه أزمة 26 جانفي النقابية...
هل يعود ذلك إلى قلّة الاهتمام بهذا الصنف وعدم الاكتراث بنشاطه...؟
أو لعلّه موقف من العمل النقابي وما إليه يحمله أصحاب العمل المسرحي.
أمّا ما يمكن تسميته باليسار في معناه الواسع فهو غير ممثل في يحيى يعيش وإن كان لا يمكن اعتبار هذا نقيصة إذْ قد نُلَامُ على المطالبة بحشره في موضوع لا يعنيه!... فإنّنا نتساءل بالمناسبة عن صورة اليسار في خمسون.
لقد اخْتُزِلَتْ صورته في يوسف. فهل يمثل يوسف لوحده اليسار التونسي طيلة خمسين سنة؟
في الحقيقة يمثّل يوسف الجيل الأوّل، الجيل المؤسس لليسار الجديد، ولا أعرف أحدا لا يُكِنُّ له الاحترام كلّه ولا يَعْترفُ حقّ الاعتراف للجيل الرائد.
ثمّ الأهمّ من كلّ هذا من هو يوسف؟ وكيف قُدِّمَ هذا الرمز؟ كيف ظهر على الركح هذا النموذج الذي يختزل مسارا كاملا ليسارٍ لا يزال واقفا وعلى الدرب يسير؟
يوسف مُقْعَدٌ. يظهر على كرسي تقوده زوجته (مريم – جليلة بكار). عاجزٌ. مَهْزوم. لا يتكلّم. هو مناضل يساري حطّمته السجون وأقعده التعذيب. تعود ابنته أمل التي ربّاها على مبادئه، مبادئ الحداثة والحرية والمسؤولية... أمل – التلميدة- التي عادت إلى المنزل وهي تَبْكي يوم قال لها أستاذ التربية الدينية أنّ المرأة عورة... تعود أمل – الأستاذة - من فرنسا.. مرتديةً الحجاب.
وفي فرنسا كان صديقها أو خطيبها طبيب فرنسي وهو مناضل في جمعية أطباء بدون حدود وهو تروتسكي [3] وإذا به هو أيضا يعتنق.. الإسلام ويصبح.. سيف الدين..!!!
هكذا إذن صورة النقابيين والديمقراطيين والتقدميين واليسار مشوّشة في أحسن الحالات أو مشوّهة إن وجدت أو هي مغيّبة.
قد يقول القائل: فشلت "الدولة الوطنية" في مشروعها المجتمعي وعجز اليسار عن تبليغ مشروعه للمجتمع وطاح جدار برلين وهذه الحركة الإسلامية تطفو على الساحة.
ولكن لا يعني ذلك أنّ تجربة اليسار قد توقّفت أو انتهت... هذا غير موضوعي ويجانب الواقع لأن حِراك اليسار ظلّ موجودا وسيظلّ موجودا يدافع عن إنسانية الإنسان ما دام الصراع الاجتماعي قائم بين الناس. واليسار التونسي حبل وصاله ممدود وسلسلة تجاربه لا تنقطع وإن اختلفت الرؤى والمواقف والتكتيكات من جيل لجيل.
هذا أنا أنتمي إلى اليسار الثقافي (والاسم الحركي: الأجنف الثقافي) وهذه وذاك من اليسار النقابي والثالث ناشط في المجال الحقوقي وذاك مختصّ في مقاومة التعذيب والآخرون في النضال الجمعياتي وتلك مناضلة نسائية وهؤلاء طلبة يساريون يرفعون القبضة عالية وقد قضّوا السنة الدراسية وراء الشمس وهؤلاء يعلنون في المحاكم انتماءهم إلى حزب يساري والقاضي يقاطع ويضرب بمطرقة الأحكام والسجّان يُجلجل بحزمة المفاتيح.
هذا هو اليسار التونسي العنيد... هذا ما كان وهذا ما حدث أيّام سي يحي أيّا كان سي يحي... لنقل طوال خمسين طوتها خمسون.
العمل الفنّي الذي يتحلّى بالصدق الفنّي والقراءة الموضوعية والمعرفة الحقيقية للواقع يستحضر فيه الرسّام عصارة الألوان جميعِها كما يستحضر فيه الأديب عند الإنشاء عصارة القوانين التي تحكم حركة المجتمع ومختلف القوى الفاعلة.
لماذا بقي أدب بلزاك [4]، الذي ينتمي إلى طبقة النبلاء والمنحاز سياسيا إلى المَلَكِيَة، حيّا؟ لأنّه كان شاهدا صادقا على التحولات الاجتماعية فصوّر بصدق وموضوعية كلّ الأطراف الفاعلة: طبقة النبلاء الآفلة وطبقة البرجوازية الصاعدة وطبقة العمّال الواعدة.
فلماذا تمعن دار فاميليا، وهي في اعتبارنا دار كبيرة، في استحضار الغائب وتغييب الحاضر؟
ولماذا يقع اختزال الواقع في ثنائية: سلطة – إسلاميين. وهي ثنائية من إنتاج الطرفين؟
فكيف تتجلّى صورة الإسلامي؟
الإسلاميون:
بين الفزّاعة والدّمية
الإسلاميون ظاهرة هامة في واقعنا، مضخّمة في الحياة الاجتماعية والسياسية ومغيّبة في أغلب الأعمال الفنية تجنّبا للمحضور - دون منشور- ولكنّ الجرأة الفنيّة التي تميّز الفاضل وجليلة ودار فاميليا تمكّن من التطرّق إلى الموضوع بحريّة. والموقع الذي تحتلّه الجماعة يدعّم كلّ مشروع.
كيف يتجلّى الإسلامي في الأعمال الفنيّة عموما؟ وفي مسرح الجعايبي خصوصا؟
نادرا ما يقع التعرّض إلى الظاهرة ويقع تجاهلها وكأنّها غير موجودة أو غير هامّة أو إن شئت هي موجة على هامش المجتمع وقد حسم أمرها بالحلّ الأمني. ويقدّم الإسلامي حين يقع التعرّض إليه بنفس الصّورة التي يقدّمه بها الغرب: صورة الإرهابي. كذلك كان الشأن في شريط "ميكنغ أوف" للنوري بوزيد. وتُختزل الصورة في الصورة السلبية (كليشي-Cliché) المحمّضة في مخابر البنتاغون والمستنسخة في مخابر السلطة. وتُغَيَّبُ الأسباب والمسببات والملابسات والظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والإعلامية والسياسية والتاريخية والحضارية... بدْءا بالصدمة الحضارية (إذْ كيف نقف اليوم في العصر ونواجه بوش، ونحن لا نزال، في الأمس، في لحظة الصّدمة، أمام نابوليون [5]؟)
صورة الإرهابي هي صورة نمطية للإسلامي ولا تعكس الواقع المركّب، المعقّد، المتعدّد... وهي بناء ذهني سياسي وثقافي وليست مجانبة للصواب فحسب بل هي خطيرة لأنّها، تماما مثل قانون الإرهاب، لا تساهم في حلّ المشكل وإنّما تصبّ النفط على النّار وتؤجج صراعا مفتعلا، مشبوها، مشوّها... لا ناقة فيه ولا بعير لكلّ الأطراف المتقابلة.
وفي مسرح الفاضل وجليلة كيف كان الأمر؟
في يحيى يعيش لم تقدّم الظاهرة الإسلامية ممثّلة مباشرة في شخصية أو شخصيات على الركح. وإنّما ظهرت في الخلفية، في خيوط النسيج فنُذكِّرُ مثلا بالإشارة لكون محرز إسلاميا. وبتلك العبارة المحتجّة الفاضحة التي أطلقتها إحداهنّ في وجه سي يحيى: "تبزنس مع لِخْوانجية". وأخيرا ما سبق وأن لاحظنا عن المعجم الديني في خطاب سي يحيى.
أمّا في خمسون فإنّ الظاهرة الإسلامية ظاهرة كالقضاء لا راد لها...
فأمل ابنة يوسف المناضل اليساري تجلّى لها الإسلام في أبهى صورة وارتوت من الصوفية فبان لها بهاءُ الخالق في مطلق حسنه وعجزُ المخلوق في كلّ فعله وتفاهة كينونته خارج دائرة العشق الربّاني فوضعت الحجاب وشاركتْ، جودة، السكنَ وهي زميلة لها في العمل، أستاذة، هي أخت في الدين، فَجَّرَتْ نفسها في ساحة المعهد تحت سارية العلم...
في خمسون صورتان: أمل وجودة.
إذا انبنت صورة جودة على العنف والتفجير والموت والإرهاب، فإنّ صورة أمل انْبَنَتْ، على نقيض ذلك، على المذهب الصوفي المُؤَسَّسِ على اللطف والمودّة والعشق المؤدي إلى الذوبان في ذات الخالق.
صورتان متقابلتان: الإرهابي والمتصوّف. الفزّاعَة والدُّمْيَة.
لئن وقع تجاوز كليشي الإرهابي بإدراج تجربة هي على النقيض منها فإنّ الظاهرة في مجملها لا تزال في حاجة إلى معالجات في شتّى ألوان الفنون علاوة على ضرورة العناية بها في البحوث والدراسات في مختلف العلوم: الإجتماعية والنفسية... والإنسانية عموما.
ويمكن أن نشير هنا إلى الكشف الذكي الذي قدّمه محمد الجابلي [6] في روايته الأخيرة أبناء السحاب لمّا بنى شخصية الابن بناء متماسكا معقولا في تفاعل بين تَمَزُّقِ الأسرة وأزمة المجتمع وانقلاب القيم وضياع المراجع من ناحية، وحيرة الشاب وضياعه في هذا الخضمّ المزبد.
الإسلام مبثوث في المجتمع التونسي، متزاوج مع النسيج الثقافي والحضاري والفكري للمجتمع وهو في وئام متوازن مع منزع الشعب التونسي للحداثة للمعاصرة للتقدّم للتسامح... وأقولها لللائكية.
الناس مسلمون ولكن لا يعني ذلك أبدا أنّهم إسلاميون.
فما معنى إسلاميّ؟ إنّها عبارة تستعمل (عمدا) بالمعنى الذي تفيده كلمة (زَعْ) التي تسوق الإبِلَ جميعَها. أو هي كذاك الكيس الذي تُحْشَرُ به كلُّ الأشياء حشْوًا. تحت إسلامي تجد بن لادن ورموز النهضة وأستاذ التربية الإسلامية وحمزة، ابن جارك، المراهق الذي يصلّي الصبح حاضرا في مسجد الحيّ ومروى ابنة زميلك التي وضعت الحجاب لسبب لا يعلمه من لم يبحث في الظاهرة... وصولا إلى عمّ عثمان العطار الذي رفض فتح دفتر (كريدي) لعرف ولد محرز الفرملي...
والإسلاميون الذين هم.. إسلاميون فإنّهم ليسوا كلاّ متجانسا. ليسوا كتلة واحدة بنفس المفاهيم والتصوّرات والمعتقدات ولا يصادقون على نفس البرنامج الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ولو وضعت أمامهم مختلف البرامج التي تشقى، كلّها، لتصل إلى عموم الناس، وتسنّى لهم قراءتها ومناقشتها والتفكير في واقعهم وحاجياتهم وطموحاتهم وفيها، لاختلفوا وتوزعوا بينها أحزابا (والحزب هو الجماعة أو الفريق).
الخاتمة
واستشراف الآتي
هذه إذن هي مسرحية يحيى يعيش المسرحية السياسية أو النفسية أو إن شئت البوليسية فالمهمّ ليس هذا أو ذاك، لأنّه بات من الواضح أنّ المسرحية مركبة وذات مستويات وأبعاد متعدّدة، وإذا كان هاما أن نحاول ضبط الموضوع والحكاية وإذا كان النظر في فنون الإخراج والتقنيّات والأساليب وكيفية الأداء مهمّا أيضا، فإنّ الغاية من كلّ ذلك تظلّ دوما، في نهاية المطاف، السعي إلى استجلاء المقصود.
كانت الفرجةُ ممتعةً حقّا بذلك الأداء الممتاز، والفرقةُ متجانسةً فعلا في ذلك اللعب دون نشاز.
جليلة بكار أدّت بروعتها المعهودة عدّة أدوار فكانت على التوالي: الطبيبة والصحفية والعاملة... وكذلك الشأن بالنسبة لفاطمة سعيدان التي طلعت علينا في ألف لبوس وكلّما أطلّتْ أدّتْ وأبدعتْ فأمتعتْ.
واللّوم الوحيد هو ذاك الشعور بأننا دخلنا من الباب وخرجنا من الخوخة لأنّ مسرحية يحي يعيش لم تعتن إلاّ بيحي يعيش.
والمسرح العظيم في تقديري هو المسرح الذي، إلى جانب الجمال والفِتْنَة، يزرع فيك الحيْرةَ والسؤال ويدفعك إلى التفكير في ما هو كائن وفي ما يجب أن يكون. لا يتوقف عند توصيف الظاهرة ويتفنّن في جزئياتها وأطرافها والحواشي بل يدفعك إلى البحث عن الأسباب والجذور والخلفيات والدوافع وعن النتائج أيضا... الفنّ العظيم يجعلك تستكشف الظاهرة فتستجلي وجه النقد وقفاه (قطعة النقد) وذاك هو النقد الوجيه أي التحليل أو الاستقراء الصائب.
وما ضرّ لو تضمّن العمل الفنّي إشارة، ومضة، غمزة، إشارة، شعاعا استشرافيا يفتح نافذة أو كوّة نلتفت من خلالها إلى الآتي، آتي هذا الجمهور.
فماذا يعني أن يرى سي يحي أوصاله وقد قُطِّعتْ ونُشرتْ في كلّ اتجاه؟
كذلك كانت نهاية سي يحي.
هكذا كانت نهاية يحي يعيش:
وفجأة يختفي
"...أصوات تنادي
كاينّها طالعة من قاع بير
تلحّ
تهمس
توشوش
تزفّر
تغنّي في إسمي
يحي يحي سي يحي
حلّيت عينيّ وخزرت
ريت يحي يعيش
ساق
يدّ
راس
كلّ طابق وحده مخلوع
منشّر عالرّابع شيرة
وغبت... "
في نهاية شهر جانفي 1980، كنّا بمدينة الكاف في التربص الجهوي لنوادي السينما الذي يجمع نوادي ولايات الشمال [7]. وكان البرنامج واضحا: نخصّص حصص النّهار للدراسات والاطلاع على المدارس السينمائية والنقاشات والتدرب على إنجاز الورقات التقديمية والنقدية ونفرد الحصص المسائية للتطبيق، للتدرب على حصة "نادي السينما يعرض ويناقش" أي للفرجة، لتقديم الأفلام وعرضها ومناقشتها.
في تلك الليلة، كان البرنامج يشتمل على.. مسرحية. تجمّعت الكراسي واقتربت من بعضها وتراصت أمام التلفاز.
ليلتها كانت قفصة تهتزّ تحت وطأة أحداث.. قفصة – وما أكثر وأفجع أحداث قفصة الجريحة دوما - تلك الأحداث التي أودت بصحّة الوزير الأوّل، السيّد الهادي نويرة، وأقعدته وعزلته عن مهامه. ولكنّ وزير الإعلام آنذاك كان ذكيا، على ما يبدو، لأنّه لم يلغِ عرض "غسّالة النوادر"...
واليوم وقد تقلّصت أطر النقاش وفضاءاته ومناسباته ها أنّي أطرح هنا ما عندي عسى أنْ أدْلِيَ بِدَلْوِي مع من يُدْلِي دون أن أزعج السّاقي ولا المُرتوي.
على كلّ لقد نجحتْ المسرحية وأيّما نجاح بجُرأتها وفنيّاتها وموضوعها في تحريك السواكن بطرق المسكوت عنه فهزّت جمهورها وأقضَّتْ مضاجعه وأثارت النقاشَ بين المتفرِّج وذاتِه وموضوعِه وأحْيَتْ سهراتٍ أمتعتْ وآنستْ فطوبى لكلّ من طلعَ على الخشبة ولكلّ من شارك من الكواليس.
وإنّي لأشعر بلون من الحزن لمّا أرى عملا فنيّا من ديارنا يُشرق للحياة ويمرّ هكذا دون أن ينتبه له أغلب الناس دون أن يلعب دوره في الإمتاع والمؤانسة والمنافسة والمناقشة... لأنّ العيون مشدودة إلى إشهار وإعلانات وواجهات تجار الأحلام الفاسدة والأيدي مكبّلةٌ بالشقاء اليومي أمّا العقولُ فهي كليلة مغلولة بقيد الغرائز البهيمية والمسلّمات السّخيفة.
رجل المسرح، كما كلّ فنّان، هو شاهد اللحظة ومتورّط فيما يحدث الآن وهنا ومساهم في بلورة الوعي الجمعي وهندسة الأرواح وتشكيل الإرادة العامة ومواجهة الأقدار المزوّرة وصنع التاريخ...
ولن يكون ذلك ما لم يعبّر الفنّان بحرية تامة.
لن يكون ذلك ما لم يتوفّر الصدق الفنّي.
لن يكون ذلك ما لم يصل العمل الفني إلى الجمهور الواسع.
وما لم يملأ صداه وسائل الإعلام الجماهيري التي يؤثّثها الإسفاف والدعارة والنفاق والبخور والشعوذة.
زائدة:
كلمة، سي يحي، لو سمحت.
وأخيرا وليس آخرا، يسرّني، سي يحي، لو سمحت، باسمي وباسم كلّ لوخيّان الثقفوت ومحبّي الثقافة وزقزقة العصافير والمولعين بالإستيتيقا والمغرمين بالمواضيع الجادة والمصابين بتخمة الثقافة المعلبة والقابعين تحت السّور والمنبوذين في الشوارع الخلفية والمنسيين وراء أحزمة المدينة وكلّ المتروكين والمتروكات والمهملين والمهملات... المسكونين بالفنّ المسرحي وغير المسرحي، يسرّني، سي يحي، لو سمحت، أنْ أطرح على سامي مسامعكم الطاهرة هذه الأسئلة البدائية، الإبتدائية، البسيطة، السّاذجة سذاجة البدوية.
هي أسئلة حرّى، ملتهبة، حارقة. هي، على الفم كالسِّوَاكِ الحار، ولكنّها أسئلة للفم معطّرة، وللأسنان منظّفة، وللّثة مطهِّرة، لأنّ الفم الذي لا يُفْتَحُ ولا يسأل فمٌ نَتِنٌ. إذن أطرحها سي يحيى. ألقي بها وأمضي.
كم مرّة، سي يحي، عُرِضتْ يحي يعيش؟ وكم تخمن عدد الذين شاهدوها؟
ما هي النسبة المائوية للتلاميذ الذين لم يدخلوا ولو مرّة واحدة إلى قاعة مسرح؟ والطلبة؟
كم ملعبا أمرتم بتشيبده سي يحيى؟ وكم ملعبا مولتم تعشيبه؟ كم مقفزا يوجد بالمؤسسات التعليمية والمقفز، سي يحي، هو مستطيل به كدس رمل يقفز به التلاميذ في حصّة الرياضة ويسمّى (سوطوار: اسم مكان من فعل قفز).
كم قاعة مسرح بُنيتْ في البلد دون اعتبار ما بنته العكري؟ وتُسْمَعُ من قاعة مسرح قاعة بمواصفات الفنّ المسرحي، سي يحيى، ولا تُحْتسبُ قاعاتُ دور الشعب شبه المغلقة شبه المفتوحة، متعدّدة الاختصاصات أحادية الاستغلال وقد بُنِيَتْ بميزانية وزارة الثقافة... ومفتاحها، يا سي يحيى، عند ولد محرز الفرملي؟.
كم سجّلت التلفزة الوطنية، منذ بُعِثتْ في الستينات، من مسرحية من إنتاج الفرق التونسية؟ ومتى كان ذلك؟ وكم بثّتْ منها؟ وأذكّرك سي يحيى أنّك كم مرّة افتخرت بتأصّل المسرح في بلادنا وأعلنت أنّنا الأوائل في إفريقيا والوطن العربي، وعددت الفرق بدءا بالمسرح الوطني وفرقة بلدية تونس وفرق المحترفين والهواة وفرق المسرح الجهوي ونوادي المسرح والمسرح الجامعي والمسرح المدرسي، أيضا سي يحيى، وما أدراك ما المسرح المدرسي!).
كم مقابلة في كرة الأرجل سجّلتْها وبثّتْها تلفزتُنا الوطنية العتيدة؟
نعم؟
ماذا...؟
طبعا...!
نعم! أنا أسأل وأسائل التلفزة الوطنية. ولِمَ لا أسائلها؟
أودّ فقط، سي يحيى، أنْ أذكِّرَ أنّي، وأنّه، وأنّها، وأنّهما وأنّنا جميعا، ومنذ قرابة ربع قرن، ندفع ضمن فاتورة الكهرباء "معلوم الإذاعة والتلفزة". وآخر فاتورة بها أكثر من ثلاثة دنانير: 7963, !... كم عدّادا عائليا دفع هذا المعلوم في الأيّام الأخيرة، يا سي يحي؟ إذا كان معدّل العائلة التونسية عشرة أفراد هناك مليون فاتورة... عشرات ملايين الدنانير في السنة في صندوق تلفزتنا الوطنية الموقّرة... هذه التي يسمّونها المليارات... لا أتصوّر الكمَّ ولا أقدر على العدِّ.
كم نصيب الثقافة منها عموما والمسرح، على سبيل المثال، يا سي يحي؟
إلى كم مليار تصل ميزانية فريق من فرق كرة الرجلين يا سي يحي؟
وكم تقدّر ميزانيات كلّ الفرق المسرحية مجتمعة من جزيرة جالطة شمال طبرقة إلى رمادة جنوب تطاوين، ومن برج الرومي ظهري بنزرت إلى رجيم معتوق قِبْلِي دوز؟
يُقال، يا سي يحي أنّ معدّل الدخول لمسرحية لفرقة من القسم الوطني 200 متفرج في العرض الواحد. فإذا عُرِضت عشرة مرّات (وهذا فتحٌ مُبين) شاهدها 2.000 متفرج!... ويُعتبر هذا الجمهور ضئيلا في مقابلة واحدة تدور بين فريقين من العالم الثالث (عفوا، أقصد القسم الثالث، سي يحيى، إنّها وربّ الكعبة زلّة لسان) ومن صنف الأداني في ملعب أشهب بقرية من قرى مناطق الظلّ!...
وفي انتظار الموسم الثقافي القادم، سي يحي، يعيش يحيى يعيش ويربّي الرّيش، ونعيش نعيش ويحيا الوطن.!
وهلمّوا هلمّوا لكم سديد النظر والسلام عليكم.
الجزء الأوّل
هوامش
[1] البريشتية: بريشتية: نسبة لبريشت، برتولد بريشت أو بريخت، (1898 – 1956)، رجل مسرح ألماني، تأليفا وإخراجا ونقدا وتنظيرا وشاعر واجه النازية في الثلاثينات والأربعينات ، فرّ إلى فنلادة ولمّا غزتها القوات النازية لجأ إلى أمريكا حيث حوكم واعتبر غير مرغوب فيه. عاد إلى موطنه، بعد نهاية الحرب، وعاش بألمانيا الشرقية حيث واصل نضاله الفكري والثقافي.
[2] ميكرو مجتمع: مجتمع مصغّر
[3] تروتسكيٌّ: نسبة إلى ليون تروتسكِي، أحد قادة الثورة الاشتراكية 1917 بروسيا، رفيق لينين وستالين، اختلف في العشرينات مع ستالين وترك تيارا ماركسيا له مقولاته في الثورة والبناء الاشتراكي.
[4] بلزاك: أحد أبرز أعلام الرواية وروّادها في فرنسا والعالم، يُعتبر أب الرواية الفرنسية
[5] نابيون: لوي نابوليون بونابارت والمقصود حملته على مصر نهاية القرن 18 بداية 19 التي أحدثت الصدمة الحضارية.
[6] محمد الجابلّي: قاص وناقد ناشط في الساحة الأدبية آخر ما صدر له : ابناء السحاب، أفريل 2010
[7] نوادي سينما ولايات الشمال الناشطة سنتها: بنزرت وماطر وتونس والمرسى وقرطاج وباجة وجندوبة والكاف وتاجروين والدهماني وسليانة وقعفور. وانعقد في نفس الوقت تربص نوادي الوسط بسوسة والثالث: تربص الجنوب بصفاقس (دون تعليق- no comment).
البديل
14 جويلية 2010


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.