(وات/ تحرير آمال ماجري) - تكتسي مطابخ العائلات التونسية، في يوم عيد الفطر، حُلّة خاصة تفوح منها روائح زكية تعبّر عن ثراء الموروث الغذائي وتنوّعه من جهة إلى أخرى، حيث تحرص كل منطقة على إعداد أطباقها التقليدية التي تعكس خصوصياتها الثقافية وتاريخها المحلي. العادات الغذائية في عيد الفطر: تراث، هوية، وتواصل اجتماعي ورغم هذا التباين، فإن هذه الأطعمة تلتقي في دلالاتها ووظيفتها، إذ تمثل امتدادًا لذاكرة جماعية متوارثة، كما تستجيب في الآن ذاته لحاجيات الجسم بعد شهر كامل من الصيام، من خلال مكوّنات تساعد على استعادة التوازن الغذائي وتحفّز على شرب كميات كافية من الماء، بما يساهم في ترطيب الجسم وتعويض ما فقده من سوائل. وتحتفي العائلات التونسية بعيد الفطر باعتباره مناسبة ذات رمزية خاصة، لا تقتصر على بعدها الروحاني والديني فحسب، بل تتجاوز ذلك لتشكّل لحظة اجتماعية بامتياز تستعيد فيها الأسر دفء اللقاء وتماسك الروابط. كما تمثّل هذه المناسبة فرصة لإعادة تأقلم الجسم تدريجيًا مع نسق الأكل بعد شهر كامل من الصيام. وتزدان الموائد بهذه المناسبة بأصناف متعددة من الأطعمة التي تعكس خصوصيات كل جهة، بل وكل منطقة، في تناغم يعكس ثراء المخزون الغذائي التونسي، فيما يتبادل الناس الأطباق والحلويات في ما بينهم، تكريسًا لقيم التضامن والتآلف التي تميّز المجتمع. وتحرص العائلات التونسية على صون هذا الموروث الغذائي ونقله عبر الأجيال، إذ تتولّى الأمهات دورًا محوريًا في ترسيخ هذه العادات لدى بناتهن، من خلال تعليمهن طرق إعداد الأطباق التقليدية والحفاظ على خصوصياتها التي تميّز كل جهة، بما يجعل من المطبخ فضاءً حيًا لتوارث الهوية والذاكرة الجماعية. سفرة العيد.. فسيفساء من النكهات المحلية وفي هذا السياق، يتمسّك متساكنو صفاقس وجربة وجرجيس بإعداد طبق "الشرمولة"كوجبة رئيسية في عيد الفطر، وهو طبق تقليدي يُحضّر أساسًا من الزبيب والبصل، ويمتزج فيه الطعم الحلو بالمالح في تناغم مميّز، ويُقدّم عادةً مع السمك المملّح. ولا يقتصر حضور هذا الطبق على رمزيته التراثية، بل يُسهم أيضًا في تحفيز الجسم على شرب كميات وافرة من الماء، تعويضًا لما فقده خلال شهر الصيام. أما في تونس العاصمة، فتتنوع الأطباق بين "الملوخية" و"الحلالم"، وهي عجائن تقليدية تُطهى بالقديد، في حين تحافظ جهة بنزرت على طقوسها الخاصة من خلال إعداد أصناف من الأسماك مثل "القاروص" و"الوراطة" و"المرجان"، إلى جانب طبق "المدفونة" (مرق بساق الضأن) الذي يُقدّم عادة في ثاني أيام العيد. وفي أقصى الجنوب التونسي، وتحديدًا في بن قردان، يحرص الأهالي على إعداد "عصيدة الفارينة بالمعقود"، وهو طبق تقليدي يجمع بين البساطة والقيمة الغذائية، ويتكوّن من عصيدة الدقيق تُقدّم مع مرق غني بالقرع الأحمر واللحم، ليعكس بدوره خصوصية المطبخ المحلي وتنوّعه. جهود متواصلة للحفاظ على الموروث الغذائي المحلي ولفتت محافظ مستشار في التراث بالمعهد الوطني للتراث بقبلي، مبروكة الطبال، في تصريح ل/وات/، إلى تمسّك أهالي الجهة بعاداتهم الغذائية خلال اليوم الأول من عيد الفطر، حيث يحرصون على إعداد أطباق تقليدية متجذّرة في الموروث المحلي، على غرار "الفول بالكمون" و"مرقة الحمص باللحم". وأوضحت أن التحضيرات تنطلق منذ ليلة العيد، إذ تقوم النساء بتنقيع الفول والحمص استعدادًا لطهيهما صباح يوم العيد، بالتوازي مع إعداد خبز "الجابور" المحشو بالبيض، في طقس جماعي يعكس خصوصية المطبخ المحلي. ومع حلول يوم العيد، تتزيّن الموائد بهذه الأطباق التي لا تقتصر على بعدها الغذائي، بل تتحوّل إلى مناسبة لتبادل الأطعمة بين العائلات، بما يعزّز قيم التآلف والتضامن. وأكدت الطبال أن هذا الحرص على الحفاظ على التراث الغذائي لا ينفصل عن وعي الأهالي بأهميته الصحية، خاصة بعد شهر الصيام، إذ توفّر هذه الأطباق عناصر غذائية ضرورية تساهم في تعويض ما فقده الجسم من فيتامينات، وتساعد على استعادة توازنه بشكل تدريجي. من جهتها، أفادت المتصرف المستشار بوكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، سعاد المتهني، في تصريح ل/وات/، بأن أهالي المكنين من ولاية المنستير يحرصون على إحياء عاداتهم الغذائية خلال عيد الفطر، من خلال إعداد أطباق تقليدية على غرار مرقة لحم الضأن وخبز الطابونة، إلى جانب تبادل الأطعمة مع عائلة الخطيب أو الخطيبة، في طقس يعكس عمق الروابط الاجتماعية ويكرّس قيم التقارب بين العائلات. وأضافت أن من أبرز ما يميّز الجهة "المقروض المكني" أو ما يُعرف ب"لمقروض المجبر"، الذي يختلف عن غيره في طريقة "تشحيره"، إذ يتم غمسه في محلول من السكر والماء لفترة معيّنة، ما يكسبه لونًا أبيض وقوامًا مائلًا إلى التبلور، شبيهًا بحبات السكر، في خصوصية تُضفي عليه طابعًا مميّزًا داخل الموروث الغذائي المحلي. واعتبرت أن الأطباق التي تُحضّر خلال يوم العيد تتميّز بقيمة غذائية هامة، إذ تحرص النساء على إعدادها بعناية لتلبية حاجيات الجسم بعد شهر الصيام، والمساهمة في تعويض ما فقده من فيتامينات، بما يساعد على استعادة التوازن الغذائي بشكل تدريجي. وأكدت محافظ رئيس تراث بالمعهد الوطني للتراث بسليانة، نجاة بدر الدين، في تصريح ل/وات/، أن الجهة لا تختص بأطباق حصرية لعيد الفطر، غير أن الأهالي يتمسّكون بعادات غذائية متوارثة، من أبرزها إعداد "خبز الفطاير" المصنوع من السميد، حيث تحرص النساء صباح يوم العيد على تقديمه ضمن موائد مزدانة بأصناف متنوعة من الحلويات التي أُعدّت خلال شهر رمضان، على غرار "الغريبة" و"المقروض"، في مشهد يعكس استمرارية التقاليد وارتباطها بالمناسبات الدينية. من جانبها، أفادت المختصة في التراث اللامادي بالوطن القبلي ومحافظ مستشار التراث بالمعهد الوطني للتراث بقليبية، منال لمجيد، في تصريح ل/وات/، بأن متساكني الوطن القبلي دأبوا على إعداد طبق "الملوخية" التونسية كوجبة رئيسية في أول أيام العيد، وهي عادة راسخة ترمز إلى البركة والتفاؤل، إلى جانب أطباق أخرى مثل "القلاية" و"الطاجين" بمرق اللحم، فيما يتميّز أهالي مدينة نابل بإعداد خبز السميد التقليدي داخل المنازل. وأضافت أن من بين خصوصيات الجهة أيضًا إعداد "الفاكية"، وهي حمص يُقلى في الزيت بعد نقعه وتجفيفه وفق طرق تقليدية، ثم يُمزج مع الفواكه الجافة كاللوز والجوز والحلويات، في حين تحرص العائلات على تحضير العصائر المنزلية، خاصة عصير الليمون و"الروزاطة"، لتزيين الموائد وإضفاء نكهة احتفالية على أجواء العيد. نصائح طبية: أهمية التوازن بين العادات والصحة من جهتها، أكدت الطبيبة المختصة في التغذية وأمراض التغذية، يسرى حتيرة، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، أن العبرة لا تكمن في المحافظة على العادات الغذائية في حد ذاتها، بقدر ما ترتبط بقيمتها الغذائية ومدى توازنها، مشيرة إلى أنه يمكن التخلي عن بعض هذه العادات عندما تصبح مضرّة بالصحة. وأوضحت أن التراث الغذائي يفقد جانبه الإيجابي حين يتجاوز الحدود الموصى بها، خاصة فيما يتعلق بالأطعمة الغنية بالملح، التي لا يُنصح بالإفراط في استهلاكها رغم الاعتقاد الشائع بأنها تساعد على تحفيز شرب الماء. وذكّرت في هذا السياق بتوصيات منظمة الصحة العالمية التي تدعو إلى عدم تجاوز 5 غرامات من الملح يوميًا، تفاديًا للإصابة بأمراض القلب والشرايين وارتفاع ضغط الدم. وشدّدت حتيرة على أهمية الاعتدال في كميات الأطعمة المستهلكة خلال الوجبة الواحدة، بدل التركيز فقط على الحفاظ على العادات، داعية إلى اعتماد نظام غذائي متوازن على غرار حمية البحر الأبيض المتوسط، التي تقوم أساسًا على استهلاك الخضروات والأسماك وزيت الزيتون، لما لها من فوائد صحية مثبتة. تابعونا على ڤوڤل للأخبار