إن ما حدث في العشرية الحمراء و يحدث اليوم من تغيير في القوانين و المنظومات و تدمير للمؤسسات كلف الشعب بعضا من أقدس حقوقه الديمقراطية، و ربما العشرية الحمراء كانت تشبه نوعا ما أسطورة الخطر الأحمر، لأنها تناسب الذهنية المسيطرة آنذاك عندما غرقت الشعوب في بحر الهستيريا الدموية، فكان ضحيتها الشعب دفع ثمنا غاليا ، وكما قال فرنكلين روزفلت الرئيس الثاني و الثلاثون للولايات المتحدة : " كان على هذه الأمة أن تتحمل حكومة لم تكن تسمع شيئا و لا ترى شيئا و لا تفعل شيئا، كانت الأمة تتوجه إلى الحكومة و لكن أنظار هذه كانت تحدق إلى مكان آخر فعاشت في سراب و دمار".وقد خلق هذا الدمار هوة سحيقة ما زالت تفصل و بشكل خاص المجتمع الجزائري عن ممارسته الفعلية للعمل السياسي رغم ما تعيشه الجزائر من مستجدات و هي تنتظر بشوق كبير متى تتحقق المصالحة الوطنية التي وعد بها رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة منذ توليه كرسي الرئاسة في عهدته الأولى من سنة 1999، و مضى ما يقارب ست سنوات ولم يتحقق هذا المشروع الإصلاحي و لم تحن ولادته حتى و لو كانت بطريقة قيصرية ، لأن الفكر الدكتاتوري و هو فكر ظلامي ما يزال يعزل هذا المشروع و يشكل الهوة الكبرى للإنسان الجزائري باعتباره كائنا اجتماعيا بطبعه يريد إقحام نفسه في قضايا مجتمعه و مساهمته في طرحها و مناقشتها و اقتراح الحلول الناجعة لها. و في ظل سياسة تكميم الأفواه و قطع الألسن نجد الكل يخشى من ممارسة العمل السياسي و الابتعاد عن حفره و مطباته ونسمع الجميع يردد مخاطبا الآخر (دعك من البوليتيك évite la politique ، وكأننا ما زلنا نعيش عصر الاستبداد و الإستدمار ولما لا و نحن نعيش استدمارا فكريا مدمرا. لم تكن السلطة وحدها التي تمارس هذا النوع من الاضطهاد الفكري لإخضاع الفرد و ضمه تحت جناحها بل كانت جميع الأطراف مجندة لحصر الجميع في دائرتها المغلقة تشكله كما تريد داخل كتلتها و هو مضمد الأعين دون أن يعي ما يجري حوله ودون أن تفسح له المجال للممارسة السياسية. إن مفهوم الممارسة السياسية يعني لدى العامة حق الانتخاب و حق مراقبة السلطة وانتقادها و محاسبتها، و من هذه المفاهيم تجعلنا نتساءل من ينتقد السلطة؟ هل الشعب و بالتالي نكون قد حققنا القفزة المطلوبة و هي الديمقراطية الذي يكون فيها للشعب نصيب في الحكم عن طريق ممثليه و هي الأحزاب، هذه الأخيرة التي وضع فيها الشعب ثقته و هذا بالضرورة يدعوها إلى نوع من التحرر من كل القيود و الضغوطات و السؤال يطرح نفسه و الجزائر تعيش التعددية الحزبية ألا يفسح هذا الحق المجال لتضارب الأحزاب فيما بينها؟ هذا هو واقع اليوم، بعض الأحزاب الجزائرية شكلت ما يسمى بالتحالف ، هذا التحالف لا يعني بالضرورة ضعف كل حزب على حدا بل لضرب قوة ما و إعطاء الضربة القاضية رغم اختلاف برامجها و نظامها الداخلي. إن وجود الحزب يعني الكفاح من أجل الوصول إلى السلطة و كأن هذه الأخيرة تحولت إلى سلعة معروضة في سوق المزاد ، سوق يسيطر عليها المحتكرون و رجال النفط بينما المشترون النافذين لمنصب رسمي يتبادلون الشتائم و هذا ما يحدث بين جل الأحزاب الجزائرية سواء تلك التي تبنت النهج الديمقراطي أو التي اتبعت المنهج الإسلاموي أو الراديكالي العلماني و ما أكثرها الأحزاب السياسية في الجزائر ما يفسر تواجد الوعي السياسي و التحضر السياسي و هي في حقيقة الأمر لا تحمل من مبادئ سوى ما يسيء إلى الشعب و تكاد تقول له في سخرية : "احلم أيها الشعب ما طاب لك من الحلم فإننا بفضلك نصل إلى ما نريد و سننالك و نحملك كل المسؤوليات لأننا نتقن صنع المؤامرات و قلب الصفحات و ما أنت سوى ورقة انتخابية بيضاء..!".. وهكذا كانت الخيانة العظمى و هي جريمة سياسية تهدف إلى الإضرار بسلامة الوطن من الداخل قبل الخارج و نظام الحكم فيه ، لأن الممارسة السياسية أدت إلى نشوء مشكلات انتهت بتفكك المجتمع بسبب التعددية الحزبية التي انقسمت بدورها إلى شريحتين: مستغِلة تقف إلى جانب النظام و مستغَلة يقصيها النظام فلا تجد بدا من مناهضته .إن خيانة ترتكب ضد حكومة ما لجريمة أخف وطأة من خيانة ضد الشعب، هناك ألوف الطرق لخيانة الشعب فمن الممكن الاستبداد به بواسطة العنف و الإرهاب و من الممكن تجريده من أملاكه و حقوقه بإعلان قوانين جائرة و تحويل المحاكم إلى أدوات قمع و نشر الدعاية الكاذبة و تحريض فئتين من المجتمع الواحدة منهما ضد الأخرى دون ما سبب، و إشعال نيران الحرب و هكذا تخان الشعوب من خلال مؤامرة حاكتها أيادي فئة معينة تتمتع بشيء من الامتيازات قررت أن تحتفظ بالحكم مهما كلف الأمر و إن تضاعفت امتيازاتها على حساب التضحية بالأكثرية العظمى... إن الذي يتكلم و يخطب علينا على منبر حسن الإضاءة مكلل بالزهور و على رأسه أعوان ترقبه، ما هو سوى أداة تحركه تلك الأيادي، و بالتالي تجاوز وضعه كشخص و هكذا انقرضت شخصيته، لأن الحيلة و الكذبة و الخدعة كانت أسرار فكره، و الكراهية و زرع البلبلة نسيج كلماته تحت شعارات عديدة باسم الديمقراطية و الوطنية أحيانا و أخرى باسم التعددية و حرية الآخر أو باسم التمدن و التحضر و أخيرا باسم المصالحة الوطنية و العفو الشامل، وكانا هذين الأخيرين مجرد لعبة سياسية ، فقد بدأ بوتفليقة في عهدته الرئاسية من الخطوة التي تجعل المواطن يردد مقولة ما أشبه اليوم بالأمس و تحت هذا الغطاء و هو المصالحة الوطنية سمحت لكل دخيل أن تطأ قدماه الجزائر و كانت هذه المصالحة قد دخلت حيز التطبيق دون سن قوانين لها و دون أن تمر على الاستفتاء الشعبي و ذلك بعودة الأقدام السوداء في الوقت الذي كانت الجزائر تحتفل بالذكر الخمسون لاندلاع ثورة التحرير الكبرى تلاها الحج اليهودي إلى تلمسان التاريخية و المشي على تراب الأرض الطيبة، و لو نلقي نظرة فاحصة على جرائدنا اليومية نرى كم هي عميقة عزلتنا عن الوطنية و شغفنا بالشعارات المزيغة و الكلمات الرنانة المخادعة التي أجهضت كل ما هو وطني و ألقت عليه ظلالا أمام جمهور مخدر سجين مشاكله اليومية، وهو في حرب كبيرة من أين يدفع فاتورة الغاز و الكهرباء و..و..الخ، ووقف هذا الأخير (الجمهور) على عقارب الساعة ونسي أن عقارب الساعة تدور في حركة متواصلة ، فاختزله الزمن، و بقي في تناقض عسير دون أن يكون له دور مباشر في اتخاذ قراراته ، فاقدا بذلك لأي وعي اجتماعي أو سياسي ،يحركه رجل السياسة على هواه، حتى يكون له حق الانتساب إلى أعلى المراكز البرلمانية، هذا هو رجل السياسة في الجزائر ممثلا ميكيافليا بارعا يستعمل كل الوسائل لكي يفوز و ينتصر، كان تمثيله في كلمات منمقة تخدر الجمهور، فينساق هذا الأخير كالأعمى.. إنه عصر التخدير السياسي المحض ، كانت فيه السياسة هي المفهوم المطلق لكل واقع اجتماعي فأصبحت الوطنية سياسة، و العمل سياسة، و الفضيلة سياسة، و الحب سياسة و أضحت السياسة هي السبيل الأفضل للوصول إلى المركز، و ضاع من قاموس الفضيلة ذلك الفيلسوف الذي يترفع عن الأنانية و يعيش لأجل الآخرين. ومن هذا المنطلق ألا يجدر بنا أن نتساءل في عفوية أين هو الوطني الحقيقي في الجزائر المستقلة؟ هل هو ذلك الجالس على كرسي المسؤولية في غرفة مكيفة، له سكرتيرة خاصة به، بحيث تقتصر وظيفته سوى توقيع الوثائق و الملفات و لا يدري ماذا يحدث من ورائه و في غيابه، فكان مجرد مظهرا أو لوحة حائطية تزين جدران الغرفة..، أم ذلك الذي يضرب الأرض بساعديه، إن الوطني الحقيقي في الجزائر هو ذلك الأسْوَدُ الذي أحرقته الشمس و هو ينبش من أجلنا المحاجر، يكسر الصخر ليتخذ منه أداة لإيوائنا، هو عون النظافة، القائم على ستر عوراتنا المنتشرة في القمامات، هذا هو المسؤول الحقيقي، لأنه واجه الواقع و فجر ثورة اسمها ثورة البناء، فكان سيدا على سيده، أما رجل السياسة فقد تناول الأشياء تناولا استغلاليا، تعامل بسياسة لا تتوافق و الجمهور فمسخ نفسه، أغواه الخطاب السياسي الأجوف الذي استخدمته الإيديولوجية السائدة القائمة على سياسة فرق تسد، باسم التغيير و التجديد، و هكذا داست السياسة على كل ما سمي بالاختصاص، و أصبحت مقولة الرجل المناسب في المكان المناسب أكبر أكذوبة عرفتها التعددية في الجزائر، و بدلا من أن يقوم من بيده زمام الأمر بتغيير الذهنيات و المعاملات (معاملة الحاكم لمحكومه)، ها هو يعمل على تغيير الوزراء و الوزارات فلو سألت أي مواطن جزائري عن أي وزير دولة أجنبية لأجابك فورا أما أن تسأله عن وزير دولته فلا يجد جوابا لأنه في الجزائر نسمع أن وزيرا قد استبدل بآخر بين عشية و ضحاها ، ذلك كله في غياب المنهجية السياسية التي كانت نتيجتها كارثة اقتصادية راح ضحيتها الشعب لأن أولئك القائمين على شؤون البلاد يدخرون فائضا احتياطيا و هم مؤمنون اقتصاديا في البنوك السويسرية دون أن يمنحوا فرصة لهذا الجمهور البائس أن يبني ذاته ووعيه في مناخ واع و رقعة يكون للإنسان فيها كرامة و كبرياء، و هنا كانت الخيبة السياسية فكان الاغتراب السياسي و كان الاغتراب الإنساني بأتم معنى الكلمة ، فهل يستطيع العقل الجزائري أن يجد صيغة جزائرية معاصرة مستمدة من تراثه و تاريخه لمعالجة هذا الاغتراب و استعادة الذات المفقودة ؟ و هذه الأحزاب التي تسعى دوما لعقد مؤتمراتها لإعادة بناء هيكلها ألا يجدر بها أن تعقد مؤتمرا جامعا يحضره الشعب غير المتحزب منه و الحكومة دون خرق المبدأ البديهي وهو حرية الشعب في اختيار حكومته و حاكم يحكمه ويسير شؤونه العامة، حاكم يملك تمام رشده، حاكما يبني السيادة الجماعية و يجمع بين الحزب و الدولة و الشعب، يكون الشعب هو الدولة ، دولة يمارس فيها الشعب حقه في السيادة، دولة هي من الشعب و بالشعب و إلى الشعب و يكون الحزب وسيطا بينهما ، فقد وجد الحزب من أجل الشعب يمارس من خلاله قيادته للشعب و من أجل الشعب وجدت الدولة.لكم نحن إذن في أمس الحاجة إلى هذا النمط من الرجال يكون النتاج الاجتماعي و السيد الواعي للمجتمع ، نمط يمكنه من السيطرة على المجتمع و على الطبيعة و على نفسه و بالتالي يمكن أن يكون هذا النمط ذا شخصية كاريزماتية تحركها روح الهجوم و لا تتراجع أمام الصعوبات...