خطير/ كلاب سائبة تنهش سيّدة بكورنيش حمام الأنف..وهذه التفاصيل..#خبر_عاجل    عاجل/ إيران تهدد بضرب هذه المؤسسات الأمريكية في الشرق الأوسط..    برشا عرب دعموه : شكونوا نبيل فهمي الأمين العام الجديد للجامعة العربي ؟    عاجل/ إيران تُطلق 4 دفعات صاروخية باتجاه اسرائيل..    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    بنزرت: إنقاذ كهل بعد سقوطه في البحر والبحث متواصل عن مرافقه    السينما التونسية تتألق دوليا بتتويج ظافر العابدين في مانشستر... فيلم 'صوفيا'    طائرة تخترق منطقة حظر الطيران قرب مقر إقامة ترامب    كأس تونس: برنامج مقابلات الدور ثمن النهائي    الإيطالي يانيك سينر يتوج بلقب بطولة ميامي للتنس    ولاية تطاوين تتسلم 7 حافلات جديدة    وزارة التجهيز: أكثر من 100 قرض لتمويل المواجل إلى موفى 2025    عاجل: منخفض جوي عميق يجلب أمطارا غزيرة وثلوجا إلى تونس... الموعد    صعود قياسي لأسعار النفط مع اتساع الحرب في الشرق الأوسط    بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب    4 عادات يومية على مرضى السكري الابتعاد عنها... التفاصيل    ما تأثير منشور البنك المركزي الأخير على قطاع توريد السيارات؟    توقف مصنع الماء الثقيل الإيراني.. ومنشآت الكهرباء تتعرض لهجمات    وزير التشغيل يبحث مع مدير عام شبكة اليونسكو يونيفوك،أفاق تطوير المنظومة الوطنية للتكوين المهني    ترامب: السماح بمرور ناقلات نفط عبر هرمز مؤشر إيجابي على تقدم المفاوضات مع إيران    تصعيد رسمي مغربي بعد "استعراض مثير" للسنغال في باريس    الحرب على إيران.. غارات على منشآت إيرانية حيوية وترمب يتحدث عن خياراته العسكرية    سباق محموم على الذاكرة التونسية.. من يحمي ما تبقّى من تراثنا؟    من دراما رمضانية إلى منصة عالمية ...جينيريك مسلسل وادي الباي «ذيب شارد» يكتسح العالم    معركة «هرمجدون» (Armageddon) في الرؤية اليهوديّة    في معرض ليبيا للغذاء ...تونس تتألق وتعزّز حضورها الإقليمي    مع الشروق : من موقعة «الجمل» إلى موقعة الصواريخ فرط الصوتية !    استباح الفضاء العام والمنازل .. طوفان البراكاجات يتمدّد؟!    منوبة: تظاهرة الفروسية التقليدية "فزعة الفرسان" تلوّن الشارع بعروض الفروسية والاصالة    قفصة: تنظيم التظاهرة الثقافية والرياضية والصحية "ربيع عليم" في دورتها الأولى بعمادة عليم بمعتمدية السند    للحفاظ على صحة الدماغ وتعزيز قوته: 5 عادات يجب تجنبها    جريمة مروعة تهز هذه الجهة..#خبر_عاجل    الشيخ محجوب المحجوبي: هذي العادة في المقبرة غلط والدين يقول غيرها    صادم: خلاف على الميراث يودي بحياة امرأة ب60 سنة    كيفاش تتعامل مع الطفل حديث الولادة.. دليل لكل أم    الترجي الرياضي يستضيف صان داونز يوم الاحد 12 افريل القادم في الثامنة ليلا    جائزة أفضل مخرج لفيلم صوفيا بمهرجان مانشستر السينمائي الدولي    الدورة الثالثة للاولمبياد المحلي للمطالعة من 04 أفريل الى 02 ماي 2026 بالمكتبة العمومية ببوعرادة    عاجل/ تنبيه..بداية من الغد: هذه الولايات دون ماء..    عاجل/ اصطدام بين قطارين في الجزائر..    بداية 24 أفريل..دولة عربية تدخل التوقيت الصيفي    شوف مواعيد مباريات الجولة 24 للرابطة الأولى... ما تفوتش المواجهات القوية!    قبل الكلاسيكو: النجم يرّد على الجامعة التونسية لكرة القدم    عاجل: مبادرة تشريعية...شوف كيفاش التعويضات على حوادث المرور باش تتضاعف!    اعلام بثينة بن يغلان بقرار التمديد في الايقاف التحفظي في قضية صندوق الأمانات والودائع    الأمطار الرعدية تجتاح الشمال والوسط... شوف المناطق المعنية!    من الحبوب إلى الأشجار المثمرة: جهود جبارة لتقريب المعلومة الفلاحية وتأمين المحاصيل بوادي مليز    المنتخب الياباني منافس تونس في المونديال يفوز وديا على نظيره الاسكتلندي 1-0    عاجل: شوف غضب رئيس الكاف... السنغال في ورطة كبيرة    شركات النقل في ألمانيا تحذر من موجة ارتفاع الأسعار بسبب غلاء المحروقات..#خبر_عاجل    وزارة التجهيز.. استئناف حركة المرور بالمدخل الجنوبي للعاصمة    احسن دعاء للميت    طريقة الرقية الشرعية من العين والحسد    بشرى سارة لمرضى السكري.. وداعاً للحقن اليومية..    باجة: منتدى الفلاحة البيئية والتجديد الزراعي يدعو إلى استثمار التنوع البيولوجي لتحقيق السيادة الغذائية والانتقال الزراعي    تونس تشارك في الدورة 57 للصالون الدولي لصناعات التجميل بمعرض بولونيا بايطاليا    عجز الميزان التجاري الطاقي لتونس يسجل انخفاضا بنسبة 16 بالمائة    انطلاق فعاليات المؤتمر الدولي الطبي الثاني للوقاية من أمراض القلب والشرايين بجزيرة جربة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



معيار فقر أو ثراء الدول العربية -نصر شمالي
نشر في الحوار نت يوم 19 - 03 - 2011


معيار فقر أو ثراء الدول العربية

نصر شمالي
يشهد الوطن العربي الكبير انتفاضات ثورية شعبية تاريخية نوعية، متزامنة ومتتابعة، تطرح على طاولة المعالجة والحلّ قضايا الأمة وأوضاعها من أساسها وبجميع جوانبها، الأمر الذي يشير إلى تأهّب الأمة للنهوض بعد طول قعود، ويشير إلى ما سوف يترتّب على ذلك من نتائج ضخمة وعظيمة، إقليمية ودولية.
ولا بدّ أنّ قضية الثراء المالي الفاحش في بعض الدول العربية، والفقر المالي المدقع في بعضها الآخر، تأتي في رأس القضايا التي تستدعي البحث. أمّا المال المقصود فهو الرأسمال المالي، أو السيولة النقدية تحديداً.
إنّ الوضع الطبيعي، المستقرّ، للرأسمال المالي يشترط تكامل حركته وتناغمها مع حركة مجتمعه أو شعبه أو أمته، ويشترط تكامل هذه الحركة وتناغمها مع المساحة الجغرافية والثروات الطبيعية الثابتة، الدائمة، لهذا المجتمع أو الشعب أو لهذه الأمة، فتوفّر الرأسمال المالي، أو السيولة النقدية، لا يشكّل في حدّ ذاته معياراً للثراء وإن شاعت مظاهر الثراء في بلدان أصحابه، مثلما أنّ عدم توفّره لا يشكّل معياراً للفقر، وإن شاعت مظاهر الفقر في بلدان أخرى، فهناك بلدان عربية تفتقر إلى السيولة النقدية، لكنها بثرواتها الطبيعية الثابتة، المستمرّة، البشرية والمادية، أعظم ثراءّ بما لا يقاس من بلدان عربية أخرى وفّر لها النفط عرضاً، ومؤقتاً، سيولة نقدية هائلة تفيض عالمياً، لكنّها منفصلة عن ثروات الأمة، الطبيعية الثابتة والمستمرّة، التي ينبغي أن تتكامل معها.
لقد ذكرت مصادر الأخبار قبل فترة أنّ الصين، بعدد سكانها الذي يقارب المليار ونصف المليار نسمة، تمتلك كاحتياطي نقدي أكثر من ثمانية تريليونات من الدولارات، وأنّ الهند، بعدد سكانها الذي يتجاوز المليار نسمة، تمتلك بدورها أكثر من ثلاثة تريليونات، وأنّ دول الخليج العربية، بعدد سكانها الذي لا يتعدّى العشرين مليوناً، تمتلك أيضاً أكثر من ثلاثة تريليونات، أي ما يعادل احتياطي الهند! غير أنّ الكتلتين النقديتين الصينية والهندية متكاملتين مع أمتيهما، بينما الكتلة النقدية العربية ليست كذلك، فهي منفصلة عن أمتها التي تعدّ حوالي 350 مليوناً، الأمر الذي يضعها في تصرّف الأسواق المالية الأجنبية، ويعرّضها لمختلف أنواع الاحتيال والابتزاز والسرقة، ويجعل مستقبل أصحابها عرضة للضياع التام.
إنّ وظيفة الرأسمال المالي هي تحقيق جدواه الداخلية أولاً، ومن ثمّ جدواه الخارجية. فالمجتمع الخاص هو الذي يعطي رأس المال المالي قيمته ودوره ومداه في الداخل، ثم في الخارج. ولنا أن نتخيّل المليارات، بل التريليونات، مكنوزة في الصناديق الخاصة، ومقيمة في حيّز بشري وجغرافي عاجز عن استيعاب طاقتها، الأمر الذي يفرض توظيفها في ميادين الإقراض أو الاستثمار الخارجي الذي يشبه الإقراض، ثمّ أن نتخيّلها في المقابل تتفاعل مع قدرات أمتها، وتدخل إيجابياً في صميم تفاصيل بنيتها التحتية، وبعد ذلك تنطلق متعاملة بندّية وجدارة مع الرساميل المالية الدولية، مثلما فعلت الصين والهند وغيرهما. إننا عندئذ سوف نكتشف الفارق الحاسم بين الثراء الحقيقي والفقر الحقيقي!
نقول ذلك وقد تابعنا بأسى تطوّرات الأزمة الاقتصادية العالمية، ورأينا رياح الأسواق المالية الدولية العاتية وهي تعصف بالتريليونات المالية النفطية العربية، فتتبدّد أرقام عظيمة منها كما يتبدّد الغبار، وفي مثل لمح البصر، وقد ذكر سوق لندن المالي، وهو المركز الرئيسي من مراكز الربا الدولي، أنّ الصناديق السيادية في "الشرق الأوسط"، تكبّدت في ذروة الأزمة، وخلال ساعات، خسائر جسيمة، بالمليارات، نتيجة اندفاعها إلى الاستثمار في سوق الدولار المتقهقر، وفي المؤسسات المالية التي "تعثّرت" بسبب أزمة الائتمان وسوق العقارات في الولايات المتحدة الأمريكية! أمّا عن ردّة فعل أصحاب تلك المليارات الضائعة فهو ضخّ أموال جديدة في المؤسسات الأوروبية والأمريكية "المتعثّرة"، لإقالتها من عثرتها كوسيلة لحفظ حقوقهم!
إنّ للكتلة النقدية النفطية العربية كتلتها البشرية والجغرافية التي تحتاجها، والتي ينبغي أن تتكامل معها، مثلما هو حال الأوروبيين، أو حال الأمريكيين الذين لا يزيد عددهم عن عدد العرب إن لم يكن أقلّ، ناهيكم عن الصينيين والهنود، بل إنّ الكتلة البشرية العربية أكثر انسجاماً وتجانساً وعراقة، ولا تقلّ عن غيرها استعداداً للتكامل مع الكتلة النقدية المنفصلة عنها وعن وطنها الكبير بمساحاته القارّية الشاسعة، الأمر الذي يلخّص أحد أهمّ وجوه المأساة العربية التي تهبّ الانتفاضات الثورية اليوم للخروج منها.
إنّ عرب الثراء المالي يعانون من الفقر الاجتماعي والجغرافي المدقع، وعرب الثراء الاجتماعي والجغرافي يعانون من الفقر المالي النقدي المدقع، وبينما يواجه عرب الثراء المالي خطر الانهيار الفجائي، والضياع النهائي حقاً وفعلاً، يواجه عرب الثراء البشري مختلف صنوف الإذلال والاضطهاد، والتمزيق والقتل، خوفاً من تكاملهم مع إخوانهم عرب الثراء المالي. إنّه التكامل الذي يعني في حال تحققه نجاتهم واستقلالهم جميعاً، ويعني حضورهم الإنساني جميعاً كأمّة تستحقّ الحياة الكريمة!.
يشهد الوطن العربي الكبير انتفاضات ثورية شعبية تاريخية نوعية، متزامنة ومتتابعة، تطرح على طاولة المعالجة والحلّ قضايا الأمة وأوضاعها من أساسها وبجميع جوانبها، الأمر الذي يشير إلى تأهّب الأمة للنهوض بعد طول قعود، ويشير إلى ما سوف يترتّب على ذلك من نتائج ضخمة وعظيمة، إقليمية ودولية.
ولا بدّ أنّ قضية الثراء المالي الفاحش في بعض الدول العربية، والفقر المالي المدقع في بعضها الآخر، تأتي في رأس القضايا التي تستدعي البحث. أمّا المال المقصود فهو الرأسمال المالي، أو السيولة النقدية تحديداً.
إنّ الوضع الطبيعي، المستقرّ، للرأسمال المالي يشترط تكامل حركته وتناغمها مع حركة مجتمعه أو شعبه أو أمته، ويشترط تكامل هذه الحركة وتناغمها مع المساحة الجغرافية والثروات الطبيعية الثابتة، الدائمة، لهذا المجتمع أو الشعب أو لهذه الأمة، فتوفّر الرأسمال المالي، أو السيولة النقدية، لا يشكّل في حدّ ذاته معياراً للثراء وإن شاعت مظاهر الثراء في بلدان أصحابه، مثلما أنّ عدم توفّره لا يشكّل معياراً للفقر، وإن شاعت مظاهر الفقر في بلدان أخرى، فهناك بلدان عربية تفتقر إلى السيولة النقدية، لكنها بثرواتها الطبيعية الثابتة، المستمرّة، البشرية والمادية، أعظم ثراءّ بما لا يقاس من بلدان عربية أخرى وفّر لها النفط عرضاً، ومؤقتاً، سيولة نقدية هائلة تفيض عالمياً، لكنّها منفصلة عن ثروات الأمة، الطبيعية الثابتة والمستمرّة، التي ينبغي أن تتكامل معها.
لقد ذكرت مصادر الأخبار قبل فترة أنّ الصين، بعدد سكانها الذي يقارب المليار ونصف المليار نسمة، تمتلك كاحتياطي نقدي أكثر من ثمانية تريليونات من الدولارات، وأنّ الهند، بعدد سكانها الذي يتجاوز المليار نسمة، تمتلك بدورها أكثر من ثلاثة تريليونات، وأنّ دول الخليج العربية، بعدد سكانها الذي لا يتعدّى العشرين مليوناً، تمتلك أيضاً أكثر من ثلاثة تريليونات، أي ما يعادل احتياطي الهند! غير أنّ الكتلتين النقديتين الصينية والهندية متكاملتين مع أمتيهما، بينما الكتلة النقدية العربية ليست كذلك، فهي منفصلة عن أمتها التي تعدّ حوالي 350 مليوناً، الأمر الذي يضعها في تصرّف الأسواق المالية الأجنبية، ويعرّضها لمختلف أنواع الاحتيال والابتزاز والسرقة، ويجعل مستقبل أصحابها عرضة للضياع التام.
إنّ وظيفة الرأسمال المالي هي تحقيق جدواه الداخلية أولاً، ومن ثمّ جدواه الخارجية. فالمجتمع الخاص هو الذي يعطي رأس المال المالي قيمته ودوره ومداه في الداخل، ثم في الخارج. ولنا أن نتخيّل المليارات، بل التريليونات، مكنوزة في الصناديق الخاصة، ومقيمة في حيّز بشري وجغرافي عاجز عن استيعاب طاقتها، الأمر الذي يفرض توظيفها في ميادين الإقراض أو الاستثمار الخارجي الذي يشبه الإقراض، ثمّ أن نتخيّلها في المقابل تتفاعل مع قدرات أمتها، وتدخل إيجابياً في صميم تفاصيل بنيتها التحتية، وبعد ذلك تنطلق متعاملة بندّية وجدارة مع الرساميل المالية الدولية، مثلما فعلت الصين والهند وغيرهما. إننا عندئذ سوف نكتشف الفارق الحاسم بين الثراء الحقيقي والفقر الحقيقي!
نقول ذلك وقد تابعنا بأسى تطوّرات الأزمة الاقتصادية العالمية، ورأينا رياح الأسواق المالية الدولية العاتية وهي تعصف بالتريليونات المالية النفطية العربية، فتتبدّد أرقام عظيمة منها كما يتبدّد الغبار، وفي مثل لمح البصر، وقد ذكر سوق لندن المالي، وهو المركز الرئيسي من مراكز الربا الدولي، أنّ الصناديق السيادية في "الشرق الأوسط"، تكبّدت في ذروة الأزمة، وخلال ساعات، خسائر جسيمة، بالمليارات، نتيجة اندفاعها إلى الاستثمار في سوق الدولار المتقهقر، وفي المؤسسات المالية التي "تعثّرت" بسبب أزمة الائتمان وسوق العقارات في الولايات المتحدة الأمريكية! أمّا عن ردّة فعل أصحاب تلك المليارات الضائعة فهو ضخّ أموال جديدة في المؤسسات الأوروبية والأمريكية "المتعثّرة"، لإقالتها من عثرتها كوسيلة لحفظ حقوقهم!
إنّ للكتلة النقدية النفطية العربية كتلتها البشرية والجغرافية التي تحتاجها، والتي ينبغي أن تتكامل معها، مثلما هو حال الأوروبيين، أو حال الأمريكيين الذين لا يزيد عددهم عن عدد العرب إن لم يكن أقلّ، ناهيكم عن الصينيين والهنود، بل إنّ الكتلة البشرية العربية أكثر انسجاماً وتجانساً وعراقة، ولا تقلّ عن غيرها استعداداً للتكامل مع الكتلة النقدية المنفصلة عنها وعن وطنها الكبير بمساحاته القارّية الشاسعة، الأمر الذي يلخّص أحد أهمّ وجوه المأساة العربية التي تهبّ الانتفاضات الثورية اليوم للخروج منها.
إنّ عرب الثراء المالي يعانون من الفقر الاجتماعي والجغرافي المدقع، وعرب الثراء الاجتماعي والجغرافي يعانون من الفقر المالي النقدي المدقع، وبينما يواجه عرب الثراء المالي خطر الانهيار الفجائي، والضياع النهائي حقاً وفعلاً، يواجه عرب الثراء البشري مختلف صنوف الإذلال والاضطهاد، والتمزيق والقتل، خوفاً من تكاملهم مع إخوانهم عرب الثراء المالي. إنّه التكامل الذي يعني في حال تحققه نجاتهم واستقلالهم جميعاً، ويعني حضورهم الإنساني جميعاً كأمّة تستحقّ الحياة الكريمة!.
يشهد الوطن العربي الكبير انتفاضات ثورية شعبية تاريخية نوعية، متزامنة ومتتابعة، تطرح على طاولة المعالجة والحلّ قضايا الأمة وأوضاعها من أساسها وبجميع جوانبها، الأمر الذي يشير إلى تأهّب الأمة للنهوض بعد طول قعود، ويشير إلى ما سوف يترتّب على ذلك من نتائج ضخمة وعظيمة، إقليمية ودولية.
ولا بدّ أنّ قضية الثراء المالي الفاحش في بعض الدول العربية، والفقر المالي المدقع في بعضها الآخر، تأتي في رأس القضايا التي تستدعي البحث. أمّا المال المقصود فهو الرأسمال المالي، أو السيولة النقدية تحديداً.
إنّ الوضع الطبيعي، المستقرّ، للرأسمال المالي يشترط تكامل حركته وتناغمها مع حركة مجتمعه أو شعبه أو أمته، ويشترط تكامل هذه الحركة وتناغمها مع المساحة الجغرافية والثروات الطبيعية الثابتة، الدائمة، لهذا المجتمع أو الشعب أو لهذه الأمة، فتوفّر الرأسمال المالي، أو السيولة النقدية، لا يشكّل في حدّ ذاته معياراً للثراء وإن شاعت مظاهر الثراء في بلدان أصحابه، مثلما أنّ عدم توفّره لا يشكّل معياراً للفقر، وإن شاعت مظاهر الفقر في بلدان أخرى، فهناك بلدان عربية تفتقر إلى السيولة النقدية، لكنها بثرواتها الطبيعية الثابتة، المستمرّة، البشرية والمادية، أعظم ثراءّ بما لا يقاس من بلدان عربية أخرى وفّر لها النفط عرضاً، ومؤقتاً، سيولة نقدية هائلة تفيض عالمياً، لكنّها منفصلة عن ثروات الأمة، الطبيعية الثابتة والمستمرّة، التي ينبغي أن تتكامل معها.
لقد ذكرت مصادر الأخبار قبل فترة أنّ الصين، بعدد سكانها الذي يقارب المليار ونصف المليار نسمة، تمتلك كاحتياطي نقدي أكثر من ثمانية تريليونات من الدولارات، وأنّ الهند، بعدد سكانها الذي يتجاوز المليار نسمة، تمتلك بدورها أكثر من ثلاثة تريليونات، وأنّ دول الخليج العربية، بعدد سكانها الذي لا يتعدّى العشرين مليوناً، تمتلك أيضاً أكثر من ثلاثة تريليونات، أي ما يعادل احتياطي الهند! غير أنّ الكتلتين النقديتين الصينية والهندية متكاملتين مع أمتيهما، بينما الكتلة النقدية العربية ليست كذلك، فهي منفصلة عن أمتها التي تعدّ حوالي 350 مليوناً، الأمر الذي يضعها في تصرّف الأسواق المالية الأجنبية، ويعرّضها لمختلف أنواع الاحتيال والابتزاز والسرقة، ويجعل مستقبل أصحابها عرضة للضياع التام.
إنّ وظيفة الرأسمال المالي هي تحقيق جدواه الداخلية أولاً، ومن ثمّ جدواه الخارجية. فالمجتمع الخاص هو الذي يعطي رأس المال المالي قيمته ودوره ومداه في الداخل، ثم في الخارج. ولنا أن نتخيّل المليارات، بل التريليونات، مكنوزة في الصناديق الخاصة، ومقيمة في حيّز بشري وجغرافي عاجز عن استيعاب طاقتها، الأمر الذي يفرض توظيفها في ميادين الإقراض أو الاستثمار الخارجي الذي يشبه الإقراض، ثمّ أن نتخيّلها في المقابل تتفاعل مع قدرات أمتها، وتدخل إيجابياً في صميم تفاصيل بنيتها التحتية، وبعد ذلك تنطلق متعاملة بندّية وجدارة مع الرساميل المالية الدولية، مثلما فعلت الصين والهند وغيرهما. إننا عندئذ سوف نكتشف الفارق الحاسم بين الثراء الحقيقي والفقر الحقيقي!
نقول ذلك وقد تابعنا بأسى تطوّرات الأزمة الاقتصادية العالمية، ورأينا رياح الأسواق المالية الدولية العاتية وهي تعصف بالتريليونات المالية النفطية العربية، فتتبدّد أرقام عظيمة منها كما يتبدّد الغبار، وفي مثل لمح البصر، وقد ذكر سوق لندن المالي، وهو المركز الرئيسي من مراكز الربا الدولي، أنّ الصناديق السيادية في "الشرق الأوسط"، تكبّدت في ذروة الأزمة، وخلال ساعات، خسائر جسيمة، بالمليارات، نتيجة اندفاعها إلى الاستثمار في سوق الدولار المتقهقر، وفي المؤسسات المالية التي "تعثّرت" بسبب أزمة الائتمان وسوق العقارات في الولايات المتحدة الأمريكية! أمّا عن ردّة فعل أصحاب تلك المليارات الضائعة فهو ضخّ أموال جديدة في المؤسسات الأوروبية والأمريكية "المتعثّرة"، لإقالتها من عثرتها كوسيلة لحفظ حقوقهم!
إنّ للكتلة النقدية النفطية العربية كتلتها البشرية والجغرافية التي تحتاجها، والتي ينبغي أن تتكامل معها، مثلما هو حال الأوروبيين، أو حال الأمريكيين الذين لا يزيد عددهم عن عدد العرب إن لم يكن أقلّ، ناهيكم عن الصينيين والهنود، بل إنّ الكتلة البشرية العربية أكثر انسجاماً وتجانساً وعراقة، ولا تقلّ عن غيرها استعداداً للتكامل مع الكتلة النقدية المنفصلة عنها وعن وطنها الكبير بمساحاته القارّية الشاسعة، الأمر الذي يلخّص أحد أهمّ وجوه المأساة العربية التي تهبّ الانتفاضات الثورية اليوم للخروج منها.
إنّ عرب الثراء المالي يعانون من الفقر الاجتماعي والجغرافي المدقع، وعرب الثراء الاجتماعي والجغرافي يعانون من الفقر المالي النقدي المدقع، وبينما يواجه عرب الثراء المالي خطر الانهيار الفجائي، والضياع النهائي حقاً وفعلاً، يواجه عرب الثراء البشري مختلف صنوف الإذلال والاضطهاد، والتمزيق والقتل، خوفاً من تكاملهم مع إخوانهم عرب الثراء المالي. إنّه التكامل الذي يعني في حال تحققه نجاتهم واستقلالهم جميعاً، ويعني حضورهم الإنساني جميعاً كأمّة تستحقّ الحياة الكريمة!.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.