وزارة التربية تُطلق خطّة وطنية شاملة لتحصين المؤسسات التربوية من العنف    تأجيل النظر في قضية مرفوعة ضد راشد الغنوشي الى 27 فيفري الجاري    المختار ذويب (لاعب سابق في النادي الصفاقسي) ...تربطنا علاقات وطيدة بالنادي الإفريقي والانتصار للأجدر    عميد البياطرة من الحمامات ..60 ٪ من الأمراض مصدرها الحيوان    مع الشروق : ليبيا والطريق إلى السلام    وصول دفعة من الحافلات إلى ميناء حلق الوادي ضمن صفقة دولية لاقتناء 461 حافلة جديدة    البطولة الوطنية المحترفة لكرة السلة (مرحلة التتويج): نتائج الدفعة الأولى لمباريات الجولة السادسة    بطولة القسم الوطني أ للكرة الطائرة (مرحلة التتويج): نتائج مباريات الجولة الثانية    أولا وأخيرا .. ...كذبة ما في الجبة الا الله    عاجل/:وزير التجارة يشرف على جلسة عمل حول آخر الاستعدادات لشهر رمضان..وهذه التفاصيل..    في مثل هذا اليوم من سنة 2008...ترجل أيقونة الفكر في تونس مصطفى الفارسي...    يهمّ كلّ تونسي: كيفاش تكنجل المواد الغذائية...معلومات لازمك تعرفها    مجموعة الترجي في دوري ابطال افريقيا.. التعادل يحسم لقاء بترو اتلتيكو وسيمبا    المركّب الصناعي الشعّال يعزّز قطيعه باقتناء 200 أنثى من الضأن البربري    منخفضات جوية عاصفة تضرب شرق المتوسط ابتداءً من 12 فيفري    النجمة الزهراء: تأجيل المؤتمر العلمي الدولي "رجال حول البارون"    سياحة طبيّة واستشفائية: تونس "نموذج افريقي" مؤهل لتصدير خبراته في مجال ملائم للتعاون جنوب-جنوب    انطلاق أشغال أول محطة لإنتاج الكهرباء بالطاقة الشمسية بجزيرة جربة    مدينة صفاقس تحتضن الصالون الوطني للتمويل 2026 من 9 الى 12 فيفري    عقد قرانه بطليقته في قسم الإنعاش: شنوّا الجديد في وضعية وحيد؟    عاجل/ السجن لعدل منفذ وزوجته من أجل هذه التهمة..    القصرين: تحذير صحي بعد تزايد إصابات داء الكلب الحيواني    توزر: حملة تبرّع بالدم بالسوق الأسبوعية بتوزر في إطار تعزيز المخزون الجهوي من الدم    الرياض تستثمر ملياري دولار لتطوير مطارين في حلب وتؤسس شركة طيران سورية-سعودية    العراق: استلام 2250 عنصرا من "داعش" من سوريا يحملون جنسيات مختلفة    بطولة الرابطة المحترفة الاولى (الجولة20-الدفعة1): النتائج و الترتيب    إيران تتوعد بالرد على أي هجوم من الولايات المتحدة بضرب قواعدها في المنطقة..#خير_عاجل    مُقلي ولّا في الفرن...مختصّة تحذّر التوانسة من البريك...علاش؟    بطاقة إيداع بالسجن في حقّ قاضٍ معزول    عميد البياطرة: ''اجعل غذاءك دواءك''    حي النصر : أحكام سجنية لصاحبة مركز تدليك و4 متهمين    باردو: عامل بمحطة غسيل سيارات ينسخ مفاتيح الحرفاء ثم يستولي على سياراتهم ويفككها    الفيديو أثار ضحة: صانعة محتوى تحاول الانتحار في بث مباشر..ما القصة؟!..    عاجل/ تنبيه لمتساكني هذه المناطق: لا تيار كهربائي غدا..    تونس: دعوة لتمكين ''المعاقين'' من جراية لا تقلّ عن ''السميغ''    وفد عن لجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس الجهات والأقاليم يزور جندوبة    إيران تلوّح بتفعيل "الردع البحري"    تقارير اعلامية: فرنسا متورطة في اغتيال نجل القذافي بأمر من ماكرون    عاجل/ العثور على جثة امرأة بهذه المنطقة..    ويُغيّر إسمه: مغنّي راب بريطاني يعتنق الإسلام    تونس تتنفّس: السدود تمتلئ أكثر من 50% والمياه في تحسن مستمر!    الرابطة الأولى: برنامج مواجهات اليوم من الجولة الخامسة ذهابا    عاجل: ''ويكاند'' بطقس متقلّب    استراتيجيات الترجمة    ترامب يرفض الاعتذار عن منشوره بشأن أوباما وزوجته    نقابة الصحفيين التونسيين تنعي الصحفي الهاشمي نويرة    مستشفى شارل نيكول.. أول عملية استئصال رحم بالجراحة الروبوتية    إصدار جديد .. «تأمّلات» مجلة أدبية جديدة يصدرها بيت الرواية    بورتريه ... سيف الاسلام.. الشهيد الصّائم !    رمضان على التلفزة الوطنية: اكتشفوا السيرة النبوية بحلة درامية جديدة    عاجل/ مدينة العلوم تكشف موعد حلول شهر رمضان..    كرة القدم: جولتان فقط خلال رمضان، إليكم رزنامة المباريات الرسمية!    أيام قرطاج لفنون العرائس : جمهور غفير يُتابع عروض مسرح الهواة    تنضيفة رمضان : عادة ولاحالة نفسية ؟    عاجل : قبل كأس العالم 2026.. قرار صادم من مدرب المنتخب المغربي    "كلمات معينة" يرددها صاحب الشخصية القوية..تعرف عليها..    رمضان 2026: موسم كوميدي عربي متنوع يملأ الشاشات بالضحك    نزار شقرون ينال جائزة نجيب محفوظ للرواية ...من هو؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



معيار فقر أو ثراء الدول العربية -نصر شمالي
نشر في الحوار نت يوم 19 - 03 - 2011


معيار فقر أو ثراء الدول العربية

نصر شمالي
يشهد الوطن العربي الكبير انتفاضات ثورية شعبية تاريخية نوعية، متزامنة ومتتابعة، تطرح على طاولة المعالجة والحلّ قضايا الأمة وأوضاعها من أساسها وبجميع جوانبها، الأمر الذي يشير إلى تأهّب الأمة للنهوض بعد طول قعود، ويشير إلى ما سوف يترتّب على ذلك من نتائج ضخمة وعظيمة، إقليمية ودولية.
ولا بدّ أنّ قضية الثراء المالي الفاحش في بعض الدول العربية، والفقر المالي المدقع في بعضها الآخر، تأتي في رأس القضايا التي تستدعي البحث. أمّا المال المقصود فهو الرأسمال المالي، أو السيولة النقدية تحديداً.
إنّ الوضع الطبيعي، المستقرّ، للرأسمال المالي يشترط تكامل حركته وتناغمها مع حركة مجتمعه أو شعبه أو أمته، ويشترط تكامل هذه الحركة وتناغمها مع المساحة الجغرافية والثروات الطبيعية الثابتة، الدائمة، لهذا المجتمع أو الشعب أو لهذه الأمة، فتوفّر الرأسمال المالي، أو السيولة النقدية، لا يشكّل في حدّ ذاته معياراً للثراء وإن شاعت مظاهر الثراء في بلدان أصحابه، مثلما أنّ عدم توفّره لا يشكّل معياراً للفقر، وإن شاعت مظاهر الفقر في بلدان أخرى، فهناك بلدان عربية تفتقر إلى السيولة النقدية، لكنها بثرواتها الطبيعية الثابتة، المستمرّة، البشرية والمادية، أعظم ثراءّ بما لا يقاس من بلدان عربية أخرى وفّر لها النفط عرضاً، ومؤقتاً، سيولة نقدية هائلة تفيض عالمياً، لكنّها منفصلة عن ثروات الأمة، الطبيعية الثابتة والمستمرّة، التي ينبغي أن تتكامل معها.
لقد ذكرت مصادر الأخبار قبل فترة أنّ الصين، بعدد سكانها الذي يقارب المليار ونصف المليار نسمة، تمتلك كاحتياطي نقدي أكثر من ثمانية تريليونات من الدولارات، وأنّ الهند، بعدد سكانها الذي يتجاوز المليار نسمة، تمتلك بدورها أكثر من ثلاثة تريليونات، وأنّ دول الخليج العربية، بعدد سكانها الذي لا يتعدّى العشرين مليوناً، تمتلك أيضاً أكثر من ثلاثة تريليونات، أي ما يعادل احتياطي الهند! غير أنّ الكتلتين النقديتين الصينية والهندية متكاملتين مع أمتيهما، بينما الكتلة النقدية العربية ليست كذلك، فهي منفصلة عن أمتها التي تعدّ حوالي 350 مليوناً، الأمر الذي يضعها في تصرّف الأسواق المالية الأجنبية، ويعرّضها لمختلف أنواع الاحتيال والابتزاز والسرقة، ويجعل مستقبل أصحابها عرضة للضياع التام.
إنّ وظيفة الرأسمال المالي هي تحقيق جدواه الداخلية أولاً، ومن ثمّ جدواه الخارجية. فالمجتمع الخاص هو الذي يعطي رأس المال المالي قيمته ودوره ومداه في الداخل، ثم في الخارج. ولنا أن نتخيّل المليارات، بل التريليونات، مكنوزة في الصناديق الخاصة، ومقيمة في حيّز بشري وجغرافي عاجز عن استيعاب طاقتها، الأمر الذي يفرض توظيفها في ميادين الإقراض أو الاستثمار الخارجي الذي يشبه الإقراض، ثمّ أن نتخيّلها في المقابل تتفاعل مع قدرات أمتها، وتدخل إيجابياً في صميم تفاصيل بنيتها التحتية، وبعد ذلك تنطلق متعاملة بندّية وجدارة مع الرساميل المالية الدولية، مثلما فعلت الصين والهند وغيرهما. إننا عندئذ سوف نكتشف الفارق الحاسم بين الثراء الحقيقي والفقر الحقيقي!
نقول ذلك وقد تابعنا بأسى تطوّرات الأزمة الاقتصادية العالمية، ورأينا رياح الأسواق المالية الدولية العاتية وهي تعصف بالتريليونات المالية النفطية العربية، فتتبدّد أرقام عظيمة منها كما يتبدّد الغبار، وفي مثل لمح البصر، وقد ذكر سوق لندن المالي، وهو المركز الرئيسي من مراكز الربا الدولي، أنّ الصناديق السيادية في "الشرق الأوسط"، تكبّدت في ذروة الأزمة، وخلال ساعات، خسائر جسيمة، بالمليارات، نتيجة اندفاعها إلى الاستثمار في سوق الدولار المتقهقر، وفي المؤسسات المالية التي "تعثّرت" بسبب أزمة الائتمان وسوق العقارات في الولايات المتحدة الأمريكية! أمّا عن ردّة فعل أصحاب تلك المليارات الضائعة فهو ضخّ أموال جديدة في المؤسسات الأوروبية والأمريكية "المتعثّرة"، لإقالتها من عثرتها كوسيلة لحفظ حقوقهم!
إنّ للكتلة النقدية النفطية العربية كتلتها البشرية والجغرافية التي تحتاجها، والتي ينبغي أن تتكامل معها، مثلما هو حال الأوروبيين، أو حال الأمريكيين الذين لا يزيد عددهم عن عدد العرب إن لم يكن أقلّ، ناهيكم عن الصينيين والهنود، بل إنّ الكتلة البشرية العربية أكثر انسجاماً وتجانساً وعراقة، ولا تقلّ عن غيرها استعداداً للتكامل مع الكتلة النقدية المنفصلة عنها وعن وطنها الكبير بمساحاته القارّية الشاسعة، الأمر الذي يلخّص أحد أهمّ وجوه المأساة العربية التي تهبّ الانتفاضات الثورية اليوم للخروج منها.
إنّ عرب الثراء المالي يعانون من الفقر الاجتماعي والجغرافي المدقع، وعرب الثراء الاجتماعي والجغرافي يعانون من الفقر المالي النقدي المدقع، وبينما يواجه عرب الثراء المالي خطر الانهيار الفجائي، والضياع النهائي حقاً وفعلاً، يواجه عرب الثراء البشري مختلف صنوف الإذلال والاضطهاد، والتمزيق والقتل، خوفاً من تكاملهم مع إخوانهم عرب الثراء المالي. إنّه التكامل الذي يعني في حال تحققه نجاتهم واستقلالهم جميعاً، ويعني حضورهم الإنساني جميعاً كأمّة تستحقّ الحياة الكريمة!.
يشهد الوطن العربي الكبير انتفاضات ثورية شعبية تاريخية نوعية، متزامنة ومتتابعة، تطرح على طاولة المعالجة والحلّ قضايا الأمة وأوضاعها من أساسها وبجميع جوانبها، الأمر الذي يشير إلى تأهّب الأمة للنهوض بعد طول قعود، ويشير إلى ما سوف يترتّب على ذلك من نتائج ضخمة وعظيمة، إقليمية ودولية.
ولا بدّ أنّ قضية الثراء المالي الفاحش في بعض الدول العربية، والفقر المالي المدقع في بعضها الآخر، تأتي في رأس القضايا التي تستدعي البحث. أمّا المال المقصود فهو الرأسمال المالي، أو السيولة النقدية تحديداً.
إنّ الوضع الطبيعي، المستقرّ، للرأسمال المالي يشترط تكامل حركته وتناغمها مع حركة مجتمعه أو شعبه أو أمته، ويشترط تكامل هذه الحركة وتناغمها مع المساحة الجغرافية والثروات الطبيعية الثابتة، الدائمة، لهذا المجتمع أو الشعب أو لهذه الأمة، فتوفّر الرأسمال المالي، أو السيولة النقدية، لا يشكّل في حدّ ذاته معياراً للثراء وإن شاعت مظاهر الثراء في بلدان أصحابه، مثلما أنّ عدم توفّره لا يشكّل معياراً للفقر، وإن شاعت مظاهر الفقر في بلدان أخرى، فهناك بلدان عربية تفتقر إلى السيولة النقدية، لكنها بثرواتها الطبيعية الثابتة، المستمرّة، البشرية والمادية، أعظم ثراءّ بما لا يقاس من بلدان عربية أخرى وفّر لها النفط عرضاً، ومؤقتاً، سيولة نقدية هائلة تفيض عالمياً، لكنّها منفصلة عن ثروات الأمة، الطبيعية الثابتة والمستمرّة، التي ينبغي أن تتكامل معها.
لقد ذكرت مصادر الأخبار قبل فترة أنّ الصين، بعدد سكانها الذي يقارب المليار ونصف المليار نسمة، تمتلك كاحتياطي نقدي أكثر من ثمانية تريليونات من الدولارات، وأنّ الهند، بعدد سكانها الذي يتجاوز المليار نسمة، تمتلك بدورها أكثر من ثلاثة تريليونات، وأنّ دول الخليج العربية، بعدد سكانها الذي لا يتعدّى العشرين مليوناً، تمتلك أيضاً أكثر من ثلاثة تريليونات، أي ما يعادل احتياطي الهند! غير أنّ الكتلتين النقديتين الصينية والهندية متكاملتين مع أمتيهما، بينما الكتلة النقدية العربية ليست كذلك، فهي منفصلة عن أمتها التي تعدّ حوالي 350 مليوناً، الأمر الذي يضعها في تصرّف الأسواق المالية الأجنبية، ويعرّضها لمختلف أنواع الاحتيال والابتزاز والسرقة، ويجعل مستقبل أصحابها عرضة للضياع التام.
إنّ وظيفة الرأسمال المالي هي تحقيق جدواه الداخلية أولاً، ومن ثمّ جدواه الخارجية. فالمجتمع الخاص هو الذي يعطي رأس المال المالي قيمته ودوره ومداه في الداخل، ثم في الخارج. ولنا أن نتخيّل المليارات، بل التريليونات، مكنوزة في الصناديق الخاصة، ومقيمة في حيّز بشري وجغرافي عاجز عن استيعاب طاقتها، الأمر الذي يفرض توظيفها في ميادين الإقراض أو الاستثمار الخارجي الذي يشبه الإقراض، ثمّ أن نتخيّلها في المقابل تتفاعل مع قدرات أمتها، وتدخل إيجابياً في صميم تفاصيل بنيتها التحتية، وبعد ذلك تنطلق متعاملة بندّية وجدارة مع الرساميل المالية الدولية، مثلما فعلت الصين والهند وغيرهما. إننا عندئذ سوف نكتشف الفارق الحاسم بين الثراء الحقيقي والفقر الحقيقي!
نقول ذلك وقد تابعنا بأسى تطوّرات الأزمة الاقتصادية العالمية، ورأينا رياح الأسواق المالية الدولية العاتية وهي تعصف بالتريليونات المالية النفطية العربية، فتتبدّد أرقام عظيمة منها كما يتبدّد الغبار، وفي مثل لمح البصر، وقد ذكر سوق لندن المالي، وهو المركز الرئيسي من مراكز الربا الدولي، أنّ الصناديق السيادية في "الشرق الأوسط"، تكبّدت في ذروة الأزمة، وخلال ساعات، خسائر جسيمة، بالمليارات، نتيجة اندفاعها إلى الاستثمار في سوق الدولار المتقهقر، وفي المؤسسات المالية التي "تعثّرت" بسبب أزمة الائتمان وسوق العقارات في الولايات المتحدة الأمريكية! أمّا عن ردّة فعل أصحاب تلك المليارات الضائعة فهو ضخّ أموال جديدة في المؤسسات الأوروبية والأمريكية "المتعثّرة"، لإقالتها من عثرتها كوسيلة لحفظ حقوقهم!
إنّ للكتلة النقدية النفطية العربية كتلتها البشرية والجغرافية التي تحتاجها، والتي ينبغي أن تتكامل معها، مثلما هو حال الأوروبيين، أو حال الأمريكيين الذين لا يزيد عددهم عن عدد العرب إن لم يكن أقلّ، ناهيكم عن الصينيين والهنود، بل إنّ الكتلة البشرية العربية أكثر انسجاماً وتجانساً وعراقة، ولا تقلّ عن غيرها استعداداً للتكامل مع الكتلة النقدية المنفصلة عنها وعن وطنها الكبير بمساحاته القارّية الشاسعة، الأمر الذي يلخّص أحد أهمّ وجوه المأساة العربية التي تهبّ الانتفاضات الثورية اليوم للخروج منها.
إنّ عرب الثراء المالي يعانون من الفقر الاجتماعي والجغرافي المدقع، وعرب الثراء الاجتماعي والجغرافي يعانون من الفقر المالي النقدي المدقع، وبينما يواجه عرب الثراء المالي خطر الانهيار الفجائي، والضياع النهائي حقاً وفعلاً، يواجه عرب الثراء البشري مختلف صنوف الإذلال والاضطهاد، والتمزيق والقتل، خوفاً من تكاملهم مع إخوانهم عرب الثراء المالي. إنّه التكامل الذي يعني في حال تحققه نجاتهم واستقلالهم جميعاً، ويعني حضورهم الإنساني جميعاً كأمّة تستحقّ الحياة الكريمة!.
يشهد الوطن العربي الكبير انتفاضات ثورية شعبية تاريخية نوعية، متزامنة ومتتابعة، تطرح على طاولة المعالجة والحلّ قضايا الأمة وأوضاعها من أساسها وبجميع جوانبها، الأمر الذي يشير إلى تأهّب الأمة للنهوض بعد طول قعود، ويشير إلى ما سوف يترتّب على ذلك من نتائج ضخمة وعظيمة، إقليمية ودولية.
ولا بدّ أنّ قضية الثراء المالي الفاحش في بعض الدول العربية، والفقر المالي المدقع في بعضها الآخر، تأتي في رأس القضايا التي تستدعي البحث. أمّا المال المقصود فهو الرأسمال المالي، أو السيولة النقدية تحديداً.
إنّ الوضع الطبيعي، المستقرّ، للرأسمال المالي يشترط تكامل حركته وتناغمها مع حركة مجتمعه أو شعبه أو أمته، ويشترط تكامل هذه الحركة وتناغمها مع المساحة الجغرافية والثروات الطبيعية الثابتة، الدائمة، لهذا المجتمع أو الشعب أو لهذه الأمة، فتوفّر الرأسمال المالي، أو السيولة النقدية، لا يشكّل في حدّ ذاته معياراً للثراء وإن شاعت مظاهر الثراء في بلدان أصحابه، مثلما أنّ عدم توفّره لا يشكّل معياراً للفقر، وإن شاعت مظاهر الفقر في بلدان أخرى، فهناك بلدان عربية تفتقر إلى السيولة النقدية، لكنها بثرواتها الطبيعية الثابتة، المستمرّة، البشرية والمادية، أعظم ثراءّ بما لا يقاس من بلدان عربية أخرى وفّر لها النفط عرضاً، ومؤقتاً، سيولة نقدية هائلة تفيض عالمياً، لكنّها منفصلة عن ثروات الأمة، الطبيعية الثابتة والمستمرّة، التي ينبغي أن تتكامل معها.
لقد ذكرت مصادر الأخبار قبل فترة أنّ الصين، بعدد سكانها الذي يقارب المليار ونصف المليار نسمة، تمتلك كاحتياطي نقدي أكثر من ثمانية تريليونات من الدولارات، وأنّ الهند، بعدد سكانها الذي يتجاوز المليار نسمة، تمتلك بدورها أكثر من ثلاثة تريليونات، وأنّ دول الخليج العربية، بعدد سكانها الذي لا يتعدّى العشرين مليوناً، تمتلك أيضاً أكثر من ثلاثة تريليونات، أي ما يعادل احتياطي الهند! غير أنّ الكتلتين النقديتين الصينية والهندية متكاملتين مع أمتيهما، بينما الكتلة النقدية العربية ليست كذلك، فهي منفصلة عن أمتها التي تعدّ حوالي 350 مليوناً، الأمر الذي يضعها في تصرّف الأسواق المالية الأجنبية، ويعرّضها لمختلف أنواع الاحتيال والابتزاز والسرقة، ويجعل مستقبل أصحابها عرضة للضياع التام.
إنّ وظيفة الرأسمال المالي هي تحقيق جدواه الداخلية أولاً، ومن ثمّ جدواه الخارجية. فالمجتمع الخاص هو الذي يعطي رأس المال المالي قيمته ودوره ومداه في الداخل، ثم في الخارج. ولنا أن نتخيّل المليارات، بل التريليونات، مكنوزة في الصناديق الخاصة، ومقيمة في حيّز بشري وجغرافي عاجز عن استيعاب طاقتها، الأمر الذي يفرض توظيفها في ميادين الإقراض أو الاستثمار الخارجي الذي يشبه الإقراض، ثمّ أن نتخيّلها في المقابل تتفاعل مع قدرات أمتها، وتدخل إيجابياً في صميم تفاصيل بنيتها التحتية، وبعد ذلك تنطلق متعاملة بندّية وجدارة مع الرساميل المالية الدولية، مثلما فعلت الصين والهند وغيرهما. إننا عندئذ سوف نكتشف الفارق الحاسم بين الثراء الحقيقي والفقر الحقيقي!
نقول ذلك وقد تابعنا بأسى تطوّرات الأزمة الاقتصادية العالمية، ورأينا رياح الأسواق المالية الدولية العاتية وهي تعصف بالتريليونات المالية النفطية العربية، فتتبدّد أرقام عظيمة منها كما يتبدّد الغبار، وفي مثل لمح البصر، وقد ذكر سوق لندن المالي، وهو المركز الرئيسي من مراكز الربا الدولي، أنّ الصناديق السيادية في "الشرق الأوسط"، تكبّدت في ذروة الأزمة، وخلال ساعات، خسائر جسيمة، بالمليارات، نتيجة اندفاعها إلى الاستثمار في سوق الدولار المتقهقر، وفي المؤسسات المالية التي "تعثّرت" بسبب أزمة الائتمان وسوق العقارات في الولايات المتحدة الأمريكية! أمّا عن ردّة فعل أصحاب تلك المليارات الضائعة فهو ضخّ أموال جديدة في المؤسسات الأوروبية والأمريكية "المتعثّرة"، لإقالتها من عثرتها كوسيلة لحفظ حقوقهم!
إنّ للكتلة النقدية النفطية العربية كتلتها البشرية والجغرافية التي تحتاجها، والتي ينبغي أن تتكامل معها، مثلما هو حال الأوروبيين، أو حال الأمريكيين الذين لا يزيد عددهم عن عدد العرب إن لم يكن أقلّ، ناهيكم عن الصينيين والهنود، بل إنّ الكتلة البشرية العربية أكثر انسجاماً وتجانساً وعراقة، ولا تقلّ عن غيرها استعداداً للتكامل مع الكتلة النقدية المنفصلة عنها وعن وطنها الكبير بمساحاته القارّية الشاسعة، الأمر الذي يلخّص أحد أهمّ وجوه المأساة العربية التي تهبّ الانتفاضات الثورية اليوم للخروج منها.
إنّ عرب الثراء المالي يعانون من الفقر الاجتماعي والجغرافي المدقع، وعرب الثراء الاجتماعي والجغرافي يعانون من الفقر المالي النقدي المدقع، وبينما يواجه عرب الثراء المالي خطر الانهيار الفجائي، والضياع النهائي حقاً وفعلاً، يواجه عرب الثراء البشري مختلف صنوف الإذلال والاضطهاد، والتمزيق والقتل، خوفاً من تكاملهم مع إخوانهم عرب الثراء المالي. إنّه التكامل الذي يعني في حال تحققه نجاتهم واستقلالهم جميعاً، ويعني حضورهم الإنساني جميعاً كأمّة تستحقّ الحياة الكريمة!.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.