الطبوبي : اتحاد الشغل يصاب بنزلة برد لكن...    وزير الخارجية يلتقي بعدد من أفراد الجالية التّونسيّة المقيمة بألمانيا    معهد الرصد الجوي شبكة يقتني رادارات جديدة لمتابعة العواصف    عاجل: دولة عربية ''سوم'' الطماطم فيها يرتفع بشكل مُلفت    الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة تنظم دورة تكوينية حول التنقلات الكهربائية بصفاقس من 24 الى 26 مارس 2026    عاجل: هاندا أرتشيل وحبيبها السابق في دائرة التحقيق بقضية مخدرات    لسعد الشابي يقود الخالدية إلى التتويج بكأس السوبر البحريني    الوداد الرياضي المغربي يتعاقد مع المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون    حادث مرور قاتل بهذه الجهة..وهذه حصيلة الضحايا..    سفارة الجمهورية التونسية بالقاهرة تنظم عرضا للفيلم التونسي " وراء الجبل" يوم 26 مارس 2026 بالمعهد الفرنسي بالمنيرة    عاجل/ استهداف قاعدة عسكرية في العراق..وهذه حصيلة الضحايا..    سانشيز: نتنياهو يسعى لتدمير لبنان كما دمر غزة    فرص لكل التلامذة التوانسة :كل ما تحب تعرفوا على المنصة المجانية    عاجل/ ملامح زيادة الأجور لعام 2026: النسبة والتطبيق قد يؤجل لهذا الموعد..    صغارك في خطر... ملابس الموضة السريعة ممكن تسبب التوحد ومشاكل نمو    بطولة كرة اليد: تعيينات مواجهات الجولة الخامسة ذهابا لمرحلة التتويج    بطولة الكرة الطائرة: تعيينات مواجهات الجولة الأخيرة لمرحلة التتويج    وزارة التجارة تعلن تلقي 342 شكاية خلال شهر رمضان..وهذه التفاصيل..    بعد دعوة واشنطن إيران للتفاوض.. أسعار النفط تتراجع    فتح بحث تحقيقي إثر العثور على جثة عون بلدي مشنوقاً بباب العسل    السجن مدة عشرة أعوام في حق سمير الحناشي    مواعيد تهّم التوانسة : الشهرية وقتاش ووأقرب jour férié    وزارة الأسرة تحتفي بالعيد الوطني للطفولة تحت شعار "أطفال آمنون في الفضاء الرقمي ... مسؤوليّة مشتركة"    علاش الزيدة مفقودة في تونس؟ الحقيقة الكلّ يكشفها علي الكلابي    خطير/ تعرض المترو 5 و6 الى حادثتي تهشيم واعتداء على الركاب..#خبر_عاجل    تحسن في الوضع الجوي اليوم..    عاجل: القبض على جانحين حاولوا سرقة دراجة نارية بسكين كبير في سوسة    سينر يقلب الطاولة على ميكيلسن ويواصل كتابة التاريخ    رحيل مخرج مصري معروف    عاجل/ بعد اصدار أوامر بنشر 2000 عنصر- ممثل خامنئي يتوعد الجنود الأمريكيين: "اقتربوا"..    عاجل/ طائرات مسيرة تستهدف مطار الكويت ونشوب حريق..    75% من الأدوية في تونس تُصنّع محليًا    تونس تحتضن اللقاء العلمي الأول حول العلوم العصبية والطب الفيزيائي يوم 27 مارس 2026    سوسة: انقطاع الكهرباء على بعض الأحياء نتيجة صيانة الشبكة...بداية من هذا التاريخ    عاجل : حكم بحبس شقيق شيرين عبد الوهاب 6 أشهر    انفراج أزمة السكر: مخزون يكفي 6 أشهر في تونس... التفاصيل    عاجل: فيضانات محلية مرتقبة في عدة دول خليجية    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليرفربول بنهاية الموسم الحالي    خطة أمريكية من 15 بندا لإنهاء الحرب مع إيران    بنزرت: ترشح 8352 تلميذا وتلميذة لإجتياز إمتحان "الباكالوريا رياضة " وتهيئة 16مركز إختبار    وزير الخارجية يستعرض في برلين واقع وأفاق الشراكة الاقتصادية بين تونس وألمانيا    هل تساعد القهوة على خسارة الوزن؟ التوقيت يصنع الفرق    طهران تبلغ واشنطن بعدم رغبتها في استئناف المفاوضات مع ويتكوف وكوشنر وتفضل التعامل مع نائب الرئيس    تونس "ألق لا يقاوم» يستقطب جيلًا جديدًا من الزوار، وفقًا لصحيفة "نيويورك تايمز"    تونس تشارك في الدورة الدولية المفتوحة للجيدو للاصناف الشابة بداكار بأربعة عناصر    حبس شقيق شيرين عبد الوهاب 6 أشهر: ما القصة؟    اليوم العالمي لمكافحة السل: عميد الأطباء البيطريين يؤكد أن القضاء على السل العقدي ممكن عبر تكريس مفهوم الصحة الواحدة    معرض صفاقس لكتاب الطفل يعود في دورته 31..إشعاع ثقافي متجدد وبرنامج ثري    بطولة النخبة الوطنية لكرة اليد (مرحلة التتويج): برنامج مباريات الجولة الخامسة    عاجل/ بشرى للتونسيين..مخزون السدود يتجاوز ال50 بالمائة.. وهذه التفاصيل..    رقم معاملات قطاع الاتصالات في تونس يتجاوز 4.1 مليار دينار خلال 2025    مدينة الثقافة تحتفي باليوم العالمي للمسرح    الدورة الاولى لمعرض الورود والازهار من 26 الى 28 مارس 2026 بمنطقة بوترفس من معتمدية طبرقة    اليوم: سحب عابرة مع أمطار متفرّقة بهذه المناطق    في مشهد سماوي بديع.. القمر يقترن بالثريا الليلة    عاجل/ هذا موعد عيد الاضحى فلكيا..    هل صحيح اللي ''العرس'' في شوال مكروه؟    حديث بمناسبة ...عيد الفطر في تونس سنة 1909    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تكامل الإنسان في مدرسة الأنبياء
نشر في الخبير يوم 17 - 02 - 2012


خطبة الجمعة...

تكامل الإنسان في مدرسة الأنبياء
الحمد لله الذي خلق فقدر، و حكم فعدل، و تفضّل فأجزل، و الصلاة و السلام على سيّدنا محمّد الذي بلّغ الرسالة، و أدّى الأمانة، و بيّن و فصّل، و أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، لسان الصدق، و عقل الإسلام، صلى الله عليه و على آله و صحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين. أمّا بعد:
فيا إخوة الإيمان: يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم:
" مثلي و مثل الأنبياء من قبلي كمثل قوم بنوا دارا فأحسنوها و جمّلوها إلاّ موضع لبنة، فجعل الناس يدخلون إليها و يقولون: ما أعظمها و ما أجملها لو أكملت هذه اللبنة.. فكنت أنا تلك اللبنة و أنا خاتم الأنبياء ".
نتصوّر أنفسنا أمام بناء حضاري كبير، متين في أساسه، شامخ في عظمته، مرصوص في بنيانه، رائع في هندسته، متناسق في ألوانه، جميل في مناظره، استغرق بناؤه أحقابا طويلة، و تعاضدت في إنشائه خبرات المهندسين، و جهود البنّائين، و أيدي العاملين على مرّ العصور، و تعاقب الأجيال، كل جيل يبني فيه لبنة، و يزيد فيه حسنة حتى تكامل البناء من جميع جوانبه.
هذا البناء الشامخ المتكامل هو الإنسان الذي جعله الله خليفة في الأرض، و سخّر له ما في الأرض جميعا، من بحار و أنهار، و جبال و أشجار و طير و حيوان، و سماء و هواء، و مخلوقات و كائنات، ليقوم بواجب عمار الأرض و بنائها، و يحسن أداء الأمانة التي حمّلها الله إياها بمقتضى عبوديته الخالصة لله تبارك و تعالى.
و قد زوّد الله هذا الإنسان بقدرات هائلة، و وهبه صفات عظيمة، و منّ عليه بالعقل و الحرّية، و أودع فيه ملكات تعينه على أداء مهمّته. و أرسل له الرسل ليجعلوا منه الإنسان الخليفة الفاضل، فقاموا ببناء عقيدته و أخلاقه، و تهذيب سلوكه و صفاته، و تنمية عقله و ملكاته، و استغلال طاقاته و قدراته، و الحدّ من عنفوانه و كبريائه، ليصبح الإنسان الخليفة الذي يبني و لا يهدم، و يعمّر و لا يدمّر، و يصلح و لا يفسد.
و إنّ الدّارس لسير الأنبياء – صلوات الله عليهم – يجد أنّهم قد تعاونوا جميعا على بناء الإنسان، إذ قام كل نبيّ بما أوحى الله إليه ببناء لبنة في صرح الإنسان بدءا من آدم عليه السلام الذي وضع أول لبنة، و انتهاء بخاتم النبييّن محمد بن عبد الله الذي وضع آخر لبنة اكتمل بها البناء، و لم يعد بعده من حاجة إلى أنبياء و مرسلين، لأنّ الهدف من إرسال الرسل هو البناء، و قد اكتمل بناؤه فانقطع الوحي، و ختمت الرسالات بالإسلام..
و قد بنى آدم لبنة التوبة، و بنى نوح لبنة الولاء للعقيدة، و بنى هود لبنة الشكر، و بنى صالح لبنة الإقتصاد، و بنى إبراهيم لبنة الطّاعة، و بنى لوط لبنة العلاقة الجنسية السليمة، و بنى يوسف لبنة العفّة و الطّهارة، و بنى شعيب لبنة العلاقات المادية المستقيمة، و بنى موسى لبنة اللّين في مجابهة الطغيان، و بنى داود لبنة الحكم العادل، و بنى سليمان لبنة الصناعة الحربية و المدنية، و بنى عيسى لبنة التسامح و الإحسان، و استفاد خاتم النبيين محمد صلى الله عليه و سلم من بنائهم جميعا، و درس تجاربهم مع أقوامهم، واقتدى بكمالات أفعالهم، و تعلّم من مدارسهم ما ينبغي لبناء الإنسان، كما قال تعالى له: " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ".. ( الأنعام 90 ). و وضع لبنة العقل و العلم و الحكمة و التزكية فتكامل البناء و ختمت النبوّة..
و يلاحظ من خلال حياة الأنبياء أنهم جميعا يشتركون في تأسيس العقيدة الحقّة، و يتشابهون في أسلوب البناء، و طريقة الدعوة، المتمثّلة في الحوار الهادئ، الذي يوقظ العقل و يؤثر في السلوكيات العامة، و ينفض غبار الجهل، و يحارب التقليد الأعمى، و يدعو إلى التجديد، و يصحّح مسار الإنسان..
و مهما بحث الإنسان في سيرة أي نبيّ من الأنبياء فلن يجد إكراها على العقيدة، ولا إجبارا على الإتّباع، ولا عنفا في الدعوة، ولا استخداما للقوّة في نشر الأفكار..
و سنعرض في جريدة الجمعة – إن شاء الله تعالى – رؤية لهذا التكامل في بناء الإنسان من خلال تجربة كلّ نبيّ على حدة، في مدرسة النبوّة متّبعين في ذلك استعراض حياة النبيّ و دعوته و عاقبة قومه من خلال القرآن الكريم.. ثم تسليط الضوء على فقه الدّعوة و فقه الحياة في سيرته و دعوته، و ما يستفيد منه مجتمعنا اليوم من هذه التجارب لترميم شخصية الفرد و تهذيب سلوك المجتمع..
قصّة نبيّ الله آدم عليه السلام
إذا علمنا أن الله تبارك و تعالى، حتى يهدي الخلق، و يعرّفهم المهمّة التي خلقوا من أجلها، كان لا بدّ أن يرسل إليهم رسولا من مدرسة النبوّة، بالمنهج الذي يريده.. و بغير هذه الطريقة، و بدون الرسل لم يكن للبناء أن يكتمل، و لا للعقل البشري أن يهتدي إلى مراد الله من الخلق..
و لكن الذي خلق هو وحده القادر على أن يقول لنا كيف تمّ الخلق، إنّه وحده الذي يعلم يقينا كيف حدث ذلك، الله تبارك و تعالى يقول لنا: إنّ ه خلق آدم عليه السلام، ثم خلق من آدم زوجه حواء، مصداقا لقوله سبحانه: " و خلقَ منها زوْجَهَا ". ( سورة النساء الآية:1 )
و قد اختلف العلماء في ذلك.. بعضهم قال: إنّ الله أخذ جزءا من آدم أو ضلعا منه، و خلق منه حواء، و قد يكون هذا صحيحا.. بينما البعض الآخر يقول: خلق منها زوجها، أي من جنس آدم عليه السلام، و الله تعالى ذكر لنا قصّة خلق آدم، و اكتفى بها عن ذكر خلق حواء، على أساس أنّها من نفس الجنس وهو البشر.. و يقص علينا الحقّ تبارك و تعالى قصّة الخلق الإنساني فيقول في سورة البقرة: " و إِذْ قالَ رَبُّكَ للملائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأَرْضِ خَليفَةً قالوا أَتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها و يَسْفِكُ الدِّماءَ و نحنُ نُسَبِّحُ بِحمْدِكَ و نُقَدِّسُ لَكَ قال إنّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمونَ ". ( سورة البقرة الآية: 30 )
هنا تكون بداية التأمل، هي قوله تعالى: " و إذ قال ربُّك للملائكةِ "، إنّ التنبيه هنا لكلّ قارئ للقرآن الكريم أنّ له خالقا و ربًّا، هذا الخالق الربّ اسمه: " الله "، إنّه اسمٌ لواجِد الوجود المالك لطلاقة القدرة في الكون و الخلق، و من رحمة الله بنا أنّه أخبرنا بوجوده و اسمه لأنّ اسم " الله " لا يدركه العقل، إنّ العقل يدرك فقط وجود قوّة هائلة وراء الكون، و إنّ الكون بإبداع صنعه لا بدّ أنّ وراءه قوّة خارقة و صانع جبّار..
إنّ الموقف هنا يوضّح الخلق و الإنشاء و التربية و الإيجاد على قدر، لذلك يقول تعالى كلمة : " رَبُّكَ " ليوضّح أنّه ربّ كلّ شيء.. أمّا عن الملائكة فهذا هو الإخبار الأوّل عنهم في الترتيب المصحفي، لقد خلق الله الملائكة و أخبرنا بذلك و وصفهم في أكثر من موضع بالقرآن الكريم، بل و حدّد أنواعا منهم، إنّهم: " لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ و يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ". ( سورة التحريم الآية: 6 )، و منهم الحفظة، و منهم الرقيب على أقوال و أفعال الإنسان، و منهم المدبّرات أمرًا تلك الملائكة المسخّرة لأقدارٍ أرادها تبارك و تعالى..
مادة خلق الملائكة:
الملائكة غيب كالجنّ تماما، إنّهم أجناس تختلف في شكلها و مادتها و تصويرها عن الإنسان، و الملائكة غيب لا نراه و لا بدّ أن نؤمن بوجودهم كما أمرنا الله.. فالملائكة هم من خلق الله و من جنس يختلف عن البشر و عن الجنّ، و على الإنسان أن يؤمن بوجودهم إذا كان مؤمنا، فليس كلّ ما خلق الله يحسّ به الإنسان، إنّ الإنسان لا يرى " الميكروب " أو الفطريات أو الإلكترون، و لم يصل إلى رؤية هذه الأشياء المخلوقة إلاّ بعد التقدّم العلمي السريع و المتميّز..
و عندما نتأمّل قول الحقّ تبارك و تعالى: " و إِذْ قالَ رَبُّكَ للملائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأَرْضِ خَليفَةً قالوا أَتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها و يَسْفِكُ الدِّماءَ و نحنُ نُسَبِّحُ بِحمْدِكَ و نُقَدِّسُ لَكَ قال إنّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمونَ ". ( سورة البقرة الآية: 30 ). نجد أنّه يتضمّن:
أوّلا: بلاغا من الله تعالى للملائكة أنّه جاعل في الأرض خليفة..
ثانيا: أنّ الملائكة لم يسألوا عن الأرض كأنّهم على علمٍ مسبّق بها، و لم يسألوا عن الخليفة بل فهموا مراد الله سبحانه بقوله عن الأرض و الخليفة..
ثالثا: إنّ استدراك الملائكة كان على الإنسان نفسه الذي أخبرهم الله أنّه خليفته، فهم يرون أنّه سوف يفسد في الأرض و يسفك الدماء.. و من ذلك نستنبط أنّ الملائكة كانوا على علم بوجود الأرض.. و من ذلك نستنبط أيضا أنّ الملائكة رأت خلقا آخر عاش على الأرض و أفسد فيها، فكأنّهم عاشوا التجربة من قبل و لكن عليهم أن يذعنوا لأمر الله الذي يأمر فلا يعصيه أحدٌ.. الملائكة أخبرهم الله تعالى بأنّه: " جاعِلٌ في الأَرْضِ خَليفَةً " ( سورة البقرة الآية: 30 ). لأنّهم سوف يخدمون هذا الخليفة و سوف يكونون مسخّرين لخدمته حتى ينجح في مهمّته على الأرض..
الملائكة لم تعترض، و لكنّها سألت على وجه الاستكشاف و الاستعلام و عن الحكمة، لا على وجه الاعتراض و التنقيص لبني آدم و الحسد لهم كما يتوهّم البعض، قالوا: " أَتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها و يَسْفِكُ الدِّماءَ ".( سورة البقرة الآية: 30 ). ثم أضافوا: " و نحنُ نُسَبِّحُ بِحمْدِكَ و نُقَدِّسُ لَكَ ". أي أنّنا نعبدك دائما لا نعصيك، فإن كان المراد بخلق هؤلاء أن يعبدوك، فها نحن لا نفتر عن عبادتك ليل نهار..
اللهم اغفر للمرمنين و المؤمنات، و المسلمين و المسلمات الأحياء منهم و الأموات. اللهم يسّر أمورنا، و اغفر ذنوبنا، و توفّنا مع الأبرار، و لا تسلّط علينا بذنوبنا من لا يخافك و لا يرحمنا، و أصلح ذات بيننا، و وفّق ولاّة أمورنا، و صلّى الله على سيّدنا محمّد و على آله و صحبه و سلّم..
يسألونك قل... Encadré
السّؤال: لماذا حرّم الإسلام على المرأة المسلمة أن تتزوّج المسيحي، مع أنّه يجوز للمسلم أن يتزوّج المسيحية ؟..
( شكري ع . م - من تونس )
الجواب: يقرّر العلماء أنّه يجوز للمسلم أن يتزوّج من امرأة مسيحية إذا رضيت بذلك، و كانت تؤمن بعيسى عليه السلام و الإنجيل، و كذلك يجوز للمسلم أن يتزوّج من امرأة يهودية، إذا كانت تؤمن بموسى عليه السلام و التوراة، لأنّ كلاّ من المسيحية و اليهودية تعدّ امرأة " كتابية " أو " من أهل الكتاب "، و معنى الكتابية التي تؤمن بدين إلهي..
و بقاء هذه المرأة على دينها لا يمنع حِلَّ زواجها من المسلم شرعا..
و قد استدلّ العلماء على جواز هذا الزواج بقول الحقّ تبارك و تعالى في سورة المائدة الآية 5: " اليومَ اُحِلَّ لكُمُ الطَيِّباتُ و طَعَامُ الذين أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لكُمْ و طَعَامُكُمْ حِلٌّ لهُمْ و المُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِناتِ و المُحْصَنَاتُ مِنَ الذينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذا أَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ و لا مُتَّخِذي أَخْدانٍ وَ مَن يَكْفُرْ بالإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَ هُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرينَ ".
و أما زواج المسلمة من غير المسلم – يهوديّا كان أو مسيحيا – فهو حرام. و قد روي عن جابر أنّ النبي صلى الله عليه و سلم قال: " المسلم يتزوّج النصرانية، و لا يتزوّج النصراني المسلمة ". و لعلّ السرّ في ذلك هو أنّ المسلمة تؤمن باليهودية و النّصرانية كما جاءنا من عند الله تعالى، و المسلمة أيضا تؤمن بموسى و عيسى عليهما السلام، و أمّا اليهودي و المسيحي فإنّهما لا يؤمنان بالإسلام و لا برسوله صلى الله عليه و سلم..
و لذلك يُخاف الخطر على دين المسلمة لو وقعت تحت قوامة غير المسلم عن طريق الزواج، لأنّ غير المسلم لا يحترم مبادئ الإسلام و لا يخضع لأحكامه.. كما أنّ الزواج فيه نوع من الولاية على الزوجة من الزوج، و الله سبحانه يقول في سورة النّساء الآية 141: " و لَنْ يَجْعَلَ اللهُ للكافِرينَ على المُؤْمِنِينَ سَبيلاً ".. وكذلك يُخْشى من الزوج غير المسلم أن يغرّر بزوجته المسلمة ليخرجها عن دينها، أو يغرّر بأولادها حتّى يخرجوا عن دينهم.. و الله تبارك و تعالى أعلم.
السّؤال: إذا كان لشخص خمسة و عشرون ألف دينار دَيْنًا على شخص آخر، هل تجب عليه الزّكاة عن هذا المال في مذهب المالكية ؟..
( عبد الله ب . م . ت من العمران الأعلى )
الجواب: جاء في مذهب المالكية أنّ الإنسان يزكّي الدّيْن بعد قبضه، و يدفع زكاته سنة فقط و إن بقي عند المَدين سنوات، و تعتبر السنة من يوم تملّكه لأصل الدّيْن، و هذا إذا لم يتعمّد صاحب المال إبْقاء الدَّيْن عند المدين فرارا من الزكاة، و إلاّ كان عليه أن يدفع زكاته عن السنوات التي بقي فيها المال عند المدين..
و لزكاة الدّين هنا شروط منها: أن يكون أصل الدَّيْن نقودا بيده فيسلّفها، أو عروض تجارة يبيعها بثمن معلوم إلى أجل، و أن يقبضه صاحبه المدين، و أن يقبضه نقودا من المدين، و أن يكون المقبوض من الدَّيْن بالغا النّصاب الذي تجب فيه الزكاة، فلو كان المقبوض أقلّ من هذا النّصاب لم تجب فيه الزكاة حتّى يبلغ نصابه.. و الله تبارك و تعالى أعلم.
الجمعة في الحديث النبوي
فضل صلاة الجمعة و وجوبها
عن أبي هريرة، رفعه: " من اغتسل يوم الجمعة غُسلَ الجنابة، ثم راح فكأنّما قرّب بدنةً، و من راح في الساعة الثانية فكأنّما قرّب بقرة، و من راح في الساعة الثالثة فكأنّما قرّب كبشًا أقرن، و من راح في الساعة الرابعة فكأنّما قرّب دجاجةً، و من راح في الساعة الخامسةَ فكأنّما قرّب بيضةً، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ".
( أخرجه الستّة )
الدّعاء في الساعة التي في يوم الجمعة
عن إسماعيل بن إبراهيم، عن محمّد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه و سلم: " في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلّي يسأل الله خيرا إلاّ أعطاه ". و قال بيده. قلنا: يقلِّلُها، يُزَهِّدُها..
في روضة السنّة
مكانة الأمّة في الجنّة
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأسند ظهره إلى قُبّةٍ من أدم، ثمّ قال: " أمّا بعد: أترضون أن تكونوا رُبُعَ أهلِ الجنَّةِ ؟ " قلنا: نعم يا رسول الله، قال: " و الَّذي نفسي بيده، إنّي لأرجو أن تكونوا نصفَ أهلِ الجنّةِ، و إنَّهُ لا يدخُلُ الجنَّةَ إلاَّ كُلُّ نفسٍ مسلمةٍ/ و إنَّ مَثَلَ المسلمينَ يومَ القيامةِ في الكُفَّارِ في العدد كَمَثَلِ الشعرَةِ البيضاء، في الثَّوْرِ الأسْوَدِ، أو الشعرة السوداء في الثور الأبيض ".
( أخرجه ابن حبان ).
لكلّ نبيّ دعوة مستجابة
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: " لكلّ نبي دعوة مستجابة يدعو بها، و أريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمّتي في الآخرة ".
( أخرجه البخاري في الصحيح 6304 و مسلم 339 ب86 )
و قال معتمرٌ: سمعتُ أبي عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه و سلم قال: لكلّ نبيّ سأل سُؤْلاً ". أو قال: " لكلّ نبيّ دعوةٌ قد دعا بها فأُسْتُجيبَ، فجعلتُ دعوتي شفاعةً لأمّتي يوم القيامة ".
( أخرجه البخاري في الصحيح 6305 و مسلم 334 ب86 )
كلمات
* الصّبرُ على أداء الواجب درجة رفيعة من درجات الأخلاق الإنسانيّة.. و أرفع منها، الصّبر على أداء واجب لا يطلبه أحدٌ منك، و لا يحاسبك أحدٌ عليه.. و أرفع من هاتين الدرجتين، صبر الإنسان على واجب يضار بأدائه و ينتفع بتركه..
و تلك، درجة الأئمّة من المصلحين..
( عبّاس محمود العقّاد رحمه الله )
من دعاء الأمّ
بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على نبيّنا محمّد و على آله و صحبه و التابعين..
اللهمّ يا ذا الجلال و الإكرام، يا حيّ يا قيّوم، ندعوك باسمك الأعظم الذي إذا دُعيت به أجبت، أن تبسط على أمّي من بركاتك، و رحمتك، و رزقك..
اللهمّ ألبسها العافية حتّى تهنأ بالمعيشة، و اختم لها بالمغفرة حتّى لا تضرّها الذنوب، اللهمّ أكفها كلّ هول دون الجنّة حتّى تبلّغها إياها، برحمتك يا أرحم الراحمين..
و صلّى الله على سيّدنا محمّد و على آله و صحبه أجمعين..
آية و معنى
وحدة الإنسانيّة
قوله تعالى: " يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا ربَّكُمُ الّذي خَلَقَكُمْ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ و خلق منها زوْجَهَا و بَثَّهُما رِجَالاٌ كثيرًا و نساءً و اتّقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام ".
( سورة النّساء الآية: 1 )
الشرح:
من حكمته تعالى، أنّه جعل العالم بمثابة الأسرة الواحدة المترابطة العناصر، المتعاونة فيما بينها، المتحابة المتواددة بين أفرادها.. يحبّ كلّ انسان أخاه، و يريد الخير له، فالإنسان أخو الإنسان أحبّ أم كره، لأنّ المعيشة واحدة، و الهدف و المقصد واحد، و المصير المحتوم هو واحد أيضا حينما ينتهي هذا العالم، و يعود لعالم آخر للحساب و الجزاء، و تحقيق العدل و الإنصاف التام بين البشر..
و القرآن الكريم نصّ صراحة على وحدة الإنسانية، و وحدة الأسرة، و وحدة الأخوة الإيمانية بين المؤمنين بالله و رسله و كتبه و اليوم الآخر.. أمّا الوحدة الإنسانية التي تجعل البشرية بمثابة الجسد الواحد و النّفس الواحدة، فقد جاء الإعلان عنها في مطلع سورة النساء المدنية النزول..
قوله تعالى: " يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم "، هذا نداء إلهي عام لكلّ البشر، كافرهم و مؤمنهم، من كان موجودا يوم نزول هذه الآية، و من كان غير موجود، إلى يوم القيامة، إذ البشرية كلّها عبيد له وهو أرحم بها من أنفسها، لذا أمرها بتقواه، و تكون تقواه بالإيمان به، و طاعته و توحيده في عبادته و الإيمان برسوله الخاتم محمّد صلّى الله عليه و سلم و طاعته في أمره و نهيه..
و قوله تبارك و تعالى: " الذي خلقكم من نفس واحدة " وهي آدم عليه السلام.. و قوله عزّ و جلّ: " و خلق منها زوجها "، يعني خلق من آدم عليه السلام حوّاء إذ خلقها من ضلعه، و زوّجه بها فكانت زوجا له.. و قوله سبحانه: " و بثّ منهما رجلا كثيرا و نساءً "، إذِ النّاس كلّهم رجالا و نساءً من ذريّة آدم و حواء.. و معنى بثّ: أي أنشأ و فرّق..
في هذا الجزء من الآية، تنبيه واضح على وجود الإله الخالق الصّانع المدبّر المتقن، و على افتتاح الوجود الإنساني بخلق العالم في الأصل من نفسٍ واحدة، هي آدم عليه السلام أبو البشر الذي خلقه الله و سوّاه بيديه و قدرته من طين، و نفخ فيه من روحه، فكان إنسانا كامل الخلقة و التكوين.. ثم خلق الله تبارك و تعالى حواء من جنس آدم في الطبيعة و التركيب، و البنية و الغريزة، و الأخلاق و الصفات المتشابهة..
و قوله تعالى: " و اتّقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام "، يدلّ على تأكيد الأمر في صلة الرحم، و المنع من قطيعتها، وهي اسمٌ لكافة الأقارب من غير فرق بين المَحْرَمِ و غيره.. و قد صحّ أنّ النبيّ صلى الله عليه و سلم قال لأسماء و قد سألته: أأصل أُمّي ؟: " نعم صلي أُمَّكِ " فأمرها بصلتها وهي كافرة..
و الله تبارك و تعالى أعلم.
* * *
حديث و معنى
استوصوا بالنّساء خيرا..
قوله صلى الله عليه و سلّم: " استوصوا بالنّساء خيرا فإنّ المرأة خُلقت من ضلعٍ، و إنَّ أَعْوَجَ شيءٍ في الضلعِ أَعْلاَهُ، فإذا ذهبْتَ تُقيمُهُ كَسَرْتَهُ، و إنْ تَرَكْتهُ لم يزلْ أَعْوَجَ، فاسْتَوْصُوا بالنّساء ".
( أخرجه البخاري: 5186 و مسلم: 1468 )
الشّرح:
استوصوا: أي ليوص بعضكم بعضا بالنّساء خيرا، فلا تعاملوهُنّ بحسب سلوكهنّ لكثرة إساءتهنّ لما فطرن عليه من ضعف الخَلْقِ و الخُلُق.. و قوله صلى الله عليه و سلم: " فإنّ المرأة خلقت من ضلعٍ " أي خلقها تبارك و تعالى من ضلع آدم بكلمة التكوين، أي بقوله: كونين فكانت.. و في هذا القول: فإنّ المرأة خلقت من ضلع، إشارة إلى علّة ضعف المرأة الملازم لها بحسب الفطرة..
و قوله صلوات ربّي و سلامه عليه: " فإنّ أعْوج شيء في الضلع أعلاه "، إشارة إلى ضعف المرأة في خلقها الملازم لها: سلاطة لسانها، و عليه فإن من ذهب يقيّمها كسرها، أي طلّقها و حرُمَ أنسها و السعادة معها.. و من ترك ما فطرت عليه من الاعوجاج و تحمّل إساءتها دامت عشرته معها و سعِدا بذلك..
و الله تبارك و تعالى أعلم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.