حين أذهب الى القول بأن الاستقلال بالنسبة لدول المنطقة العربية وبلاد العالم الاسلامي ليس الا مسألة نسبية فان ذلك ليس تجديفا مني عكس التيار أو مناكفة مني للحقيقة , فالاستقلال التام يظل رهين تحقق شروط الاستقلال العلمي والتكنولوجي كما تحقق شروط الاكتفاء الذاتي على الصعيد الغذائي والاقتصادي.., بل ان الاستقلال لم يعد مفصولا أيضا عن قدرة الدولة الحديثة على حماية حدودها وصيانة منجزاتها بفضل تحديث وتقانة وفدائية قواتها المسلحة... الاستقلال اليوم له أيضا بعد ثقافي في مواجهة طموحات الاخرين في الهيمنة لغة ودينا وصناعة للتاريخ من منظور المركزية في كل شيء... بل ان الاستقلال لاقيمة له اذا لم يرتبط على الصعيد الداخلي بقيم الحرية والعدل واحترام حقوق الانسان والحريات الأساسية وقيم المواطنة والمساواة أمام القانون ... وربما أكون قاسيا في اصطفاء الشرط اذا أضفت الى كراس شروط الاستقلال مسألة التحديث في بنية الدولة , بما يتيح مساحة واسعة لحق الاختلاف وحق المعارضة وحق التناوب على السلطة والمسؤوليات , بعيدا عن فقه تأليه الحاكم وتحقير المحكوم واعتبار الشعوب رعاعا لايصلح الا للتعبئة الانتخابية... وحين أمر من منطلق ماذكرت للحديث عن الاحتفال بالذكرى الرابعة والخمسين لاستقلال تونس , فانني أسجل من منفاي الذي مرت عليه 18 سنة تثميني لكل طيب وجميل وخالد في وطن تربيت على حبه برغم مغادرتي له في ظروف حلمت فيها بتوسيع مناخات العدل والحرية واصطدمت فيها بقساوة الدولة مع حاملي لواء أحلام التهذيب والاصلاح... أملت علي وطنيتي في سنون الاغتراب القسري عدم المجازفة باستقلالية شأننا السياسي برغم مرارة الجرح الذي حملته معي في سنوات شبابي الأولى , اذ كان يسعني أن أرفع الامي الى أعلى الهيئات ببلد الاقامة , ولكنني كنت أعتبر وباستمرار أن أعراض الخلاف تونسية محضة , وأن علاجاتها ستبقى تونسية الشوق والهوى... مازلت أقيم بجوار مقر برلمان المقاطعة , بل انها مرت علي ظروف اقتربت فيها من رئيس وزرائها , وأتت علي ظروف زارني فيها وفد من قيادة أحد الحزبين الحاكمين بمحافظة سكناي , ورغم ذلك فانني كنت وفي كل مرة أحبذ عدم ادخال القوى الخارجية على خط خلافاتنا الداخلية..., فالشأن التونسي يظل تونسيا حتى وان ذهب البعض الى كوننة القيمة الانسانية وحقوقها... أمر الى سياق ماذكرت في معرض حديثي عن الايمان بقيمة الاستقلال , اذ أنه قيمة مقدسة لايمكن أن يصبح فيها الوطن مزادا علنيا في البرلمان الأوروبي أو الكونغرس الأمريكي أو مجلس العموم البريطاني أو الجمعية الوطنية الفرنسية...,فكل هؤلاء يرفضون عرض قضاياهم الداخلية على الباب العالي العربي اذا تخيلنا وجوده الافتراضي...! أما المسألة الحقوقية فانها اليوم قضية كونية يمكن الاحتراز فيها لدى هياكل وطنية ومدنية عالمية , وهي مطروحة اليوم على دول الغرب بمقدار طرحها على دول العالم الثالث , فالتعديات والانتهاكات تحتاج الى صرخة ضمير انساني بقطع النظر عن هوية مرتكبي الانتهاك... من هذا المنطلق فان القانون الانساني الدولي وحقوق الانسان بمعاييرها العالمية تظل مطمح نضال عالمي مشترك..., وللأسف الشديد فان الغرب ينتهك هذه الحقوق في حروبه التوسعية بمقدار انتهاك بعض أنظمتنا لحقوق المواطنة والسلامة الجسدية حين التعامل مع معارضات الرأي... وبالعودة الى حديث الاستقلال فان مضامينه لايمكن عزلها عن أهمية هذه القيم الكونية في علاقتها بالمواطنة والانسان , وهو مكمن الضعف في خطاب وممارسة الدولة العربية الحديثة... تونس اليوم وفي ذكرى استقلالها الرابعة والخمسين , تظل محجوجة أحببنا أم كرهنا برصيدها في هذا المضمار , برغم منجزاتها ومكتسباتها على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي الذان يقودني الانصاف الى الحديث عنهما برغم الثغرات والتفاوت وبرغم تحديات تقلص الاستثمار الخارجي في ظل تراكمات الأزمة الاقتصادية العالمية... رصيد تنموي معتبر جدا في ظل تهاوي الاقتصاد اليوناني وعزوف الاتحاد الأوروبي عن اسناد واحد من أعضائه الذين لم يتداعى لهم بالحمى والسهر..., وبالمقابل فان الرصيد السياسي التونسي مازال تحت ضغط رغبة الحزب الحاكم في احتكار الفضاء العام وعدم الانفتاح على قوى المعارضة الحقيقية... أجواء احتفالية رسمية تكتسح وسائل الاعلام , وخطاب اعلامي لايعترف الا بالمدح والاشادة , فيما يعطي الانطباع بأن النقد والمغايرة ذنبان صغيران أو كبيران بحسب الجرأة في النقد... في ذكرى الاستقلال يبدو الاعلام مكمن الداء , اذ لاحديث الا عن الانجازات مضخمة تحت وقع الشحن السياسي , فالأرقام تتفوق أحيانا على نظائرها الأوروبية , وتونس تبدو للسامع والمشاهد والقارئ نمرا يتفوق على ماليزيا وأندونيسيا والهونكونغ وكوريا الجنوبية ! تونس نحبها جميعا ونحيي ذكرى استقلالها في فخار , لكن دون كذب على النفس أو طمأنينة نبالغ في رسم معالمها , فالواجب والأمانة يحتمان علينا التقويم الموضوعي دون استنقاص للذات أو شطط أو غلو... تونس حققت استقرارا مطلوبا بلا شك من أجل نهضتها ونمائها , غير أن ذلك كان أحيانا بثمن تقليص دوائر التعبير والحرية لدى النخبة والشارع , وهو ماجعل المواطن والمثقف يميلان الى فقه التقية والمواراة والاعراض والانطواء حين التطرق الى الشأن العام ..., وأحسب أن المسؤولية تحتم على صانعي القرار نزع فتيل الخوف من الشارع عبر توسيع دائرة الحرية والنقد بموازاة مايتحقق للوطن من مكاسب , وليس العكس أي تقليص دائرة حقوق المواطنة بقدر ماتشيده الدولة من معمار أو تنجزه من رفاه...! هناك مكاسب ميدانية ليس من مصلحة المعارضين المجادلة فيها أو المزايدة عليها , وأحسب أن المراس السياسي والخبرة في ادارة الشأن الرسمي ساهما في تنمية هذا المنجز , بالاضافة الى رصيد المجتمع والوطن على صعيد الصحة والتعليم ووسائل الاتصال... لابد من الاقرار بأن مركزية الدولة وحزم القيادة السياسية لعبا دورا في تنمية هذا الرصيد الوطني , غير أن هذا الحزم تحول في مراحل الاحتكاك والمنافسة السياسية الى حالة من الجزر والاحتباس على صعيد أفق وانتظارات التجربة ... في أمانة وموضوعية لابد من القول بأننا كتونسيين نقيم خارج حدود الوطن , نزاوج في احتفالنا بذكرى الاستقلال بين مشاعر الفرحة بأن لنا وطنا ننتمي له على صعيد اللغة والدين والتاريخ والحضارة والمنجزات والذكريات, غير أن ضريبة انتمائنا لهذا الوطن كانت قاسية أحيانا حين كانت بطعم مصادرة حلمنا في مشروع ديمقراطي وطني يتسع لكل أبناء تونس... تونس أيها الأعزاء تزاوج لدى البعض اليوم في ذكرى استقلالها بين معاني الفرحة وبين معاني المرارة , فرحة بخروج العسكر الأجنبي والتخلص من أعباء الجهل والمرض وبناء دولة وطنية حديثة..., ومرارة الحرمان من أطلال وتراب وهواء وأهالي الوطن , حين يصبح الوطن في اعراب البعض مجرد مدائح وأذكار ومواويل ومزامير ودفوف وطبول لاتحتمل "النوتة" الموسيقية...