رئيس الجمهورية: تونس تزخر بالوطنيين القادرين على خلق الثّروة والتّوزيع العادل لثمارها    وجبة غداء ب"ثعبان ميت".. إصابة 100 تلميذ بتسمم في الهند    اتحاد الفلاحة: أضاحي العيد متوفرة والأسعار ستُحدد لاحقًا وفق العرض والطلب    بالفيديو: رئيس الجمهورية يزور مطحنة أبة قصور بالدهماني ويتعهد بإصلاحها    قيس سعيد يزور مطحنة أبة قصور بالدهماني ويتعهد بإصلاحها (صور + فيديو)    "نحن نغرق".. سفينة مساعدات متجهة إلى غزة تتعرض لهجوم جوي (فيديو)    سقوط طائرة هليكوبتر في المياه ونجاة ركابها بأعجوبة    كيف سيكون طقس الجمعة 2 ماي؟    طقس الجمعة: خلايا رعدية مصحوبة أمطار بهذه المناطق    صفاقس ؛افتتاح متميز لمهرجان ربيع الاسرة بعد انطلاقة واعدة من معتمدية الصخيرة    الرابطة الأولى (الجولة 28): صافرتان أجنبيتان لمواجهتي باردو وقابس    توتنهام يضع قدما في نهائي الدوري الأوروبي بالفوز 3-1 على بودو/جليمت    بقيادة بوجلبان.. المصري البورسعيدي يتعادل مع الزمالك    قضية منتحل صفة مسؤول حكومي.. الاحتفاظ بمسؤول بمندوبية الفلاحة بالقصرين    مخاطر الاستخدام الخاطئ لسماعات الرأس والأذن    انهزم امام نيجيريا 0 1 : بداية متعثّرة لمنتخب الأواسط في ال«كان»    عاجل/ "براكاج" لحافلة نقل مدرسي بهذه الولاية…ما القصة..؟    الاحتفاظ بمنتحل صفة مدير ديوان رئيس الحكومة في محاضر جديدة من أجل التحيل    في انتظار تقرير مصير بيتوني... الساحلي مديرا رياضيا ومستشارا فنيّا في الافريقي    ملف الأسبوع.. تَجَنُّبوا الأسماءِ المَكروهةِ معانِيها .. اتّقوا الله في ذرّياتكم    خطبة الجمعة .. العمل عبادة في الإسلام    الطبوبي في اليوم العالمي للشغالين : المفاوضات الاجتماعية حقّ ولا بدّ من الحوار    نبض الصحافة العربية والدولية... الطائفة الدرزية .. حصان طروادة الإسرائيلي لاحتلال سوريا    الوضع الثقافي بالحوض المنجمي يستحق الدعم السخي    أولا وأخيرا: أم القضايا    المسرحيون يودعون انور الشعافي    إدارة ترامب تبحث ترحيل مهاجرين إلى ليبيا ورواندا    المهدية: سجن شاب سكب البنزين على والدته وهدّد بحرقها    الجلسة العامة للبنك الوطني الفلاحي: القروض الفلاحية تمثل 2ر7 بالمائة من القروض الممنوحة للحرفاء    الكورتيزول: ماذا تعرف عن هرمون التوتر؟    انتخاب رئيس المجلس الوطني لهيئة الصيادلة رئيسا للاتحاد الافريقي للصيادلة    لماذا يصاب الشباب وغير المدخنين بسرطان الرئة؟    عاجل/ تفاصيل جديدة ومعطيات صادمة في قضية منتحل صفة مدير برئاسة الحكومة..هكذا تحيل على ضحاياه..    بالأرقام/ ودائع حرفاء بنك تونس والامارات تسجل ارتفاعا ب33 بالمائة سنة 2024..(تقرير)    تونس العاصمة وقفة لعدد من أنصار مسار 25 جويلية رفضا لأي تدخل أجنبي في تونس    ارتفاع طفيف في رقم معاملات الخطوط التونسية خلال الثلاثي الأول من 2025    إقبال جماهيري كبير على معرض تونس الدولي للكتاب تزامنا مع عيد الشغل    مصدر قضائي يكشف تفاصيل الإطاحة بمرتكب جريمة قتل الشاب عمر بمدينة أكودة    وزير الصحة: لا يوجد نقص في الأدوية... بل هناك اضطراب في التوزيع    الطبوبي: انطلاق المفاوضات الاجتماعية في القطاع الخاص يوم 7 ماي    عاجل/ مجزرة جديدة للكيان الصهيوني في غزة..وهذه حصيلة الشهداء..    نحو توقيع اتفاقية شراكة بين تونس والصين في مجال الترجمة    يوم دراسي حول 'الموسيقى الاندلسية ... ذاكرة ثقافية وابداع' بمنتزه بئر بلحسن بأريانة    عاجل/ المُقاومة اليمنية تستهدف مواقع إسرائيلية وحاملة طائرات أمريكية..    توقيع عدد من الإصدارات الشعرية الجديدة ضمن فعاليات معرض تونس الدولي للكتاب    صادم: أسعار الأضاحي تلتهب..رئيس الغرفة الوطنية للقصابين يفجرها ويكشف..    التوقعات الجوية لهذا اليوم..طقس حار..    قيس سعيد: ''عدد من باعثي الشركات الأهلية يتمّ تعطيلهم عمدا''    محمد علي كمون ل"الشروق" : الجمهور على مع العرض الحدث في أواخر شهر جوان    توجيه تهمة 'إساءة استخدام السلطة' لرئيس كوريا الجنوبية السابق    كأس أمم إفريقيا لكرة القدم داخل القاعة للسيدات: المنتخب المغربي يحرز لقب النسخة الاولى بفوزه على نظيره التنزاني 3-2    منظمة الأغذية والزراعة تدعو دول شمال غرب إفريقيا إلى تعزيز المراقبة على الجراد الصحراوي    زراعة الحبوب صابة قياسية منتظرة والفلاحون ينتظرون مزيدا من التشجيعات    مباراة برشلونة ضد الإنتر فى دورى أبطال أوروبا : التوقيت و القناة الناقلة    اتحاد الفلاحة: أضاحي العيد متوفرة ولن يتم اللجوء إلى التوريد    رابطة ابطال اوروبا : باريس سان جيرمان يتغلب على أرسنال بهدف دون رد في ذهاب نصف النهائي    سؤال إلى أصدقائي في هذا الفضاء : هل تعتقدون أني أحرث في البحر؟مصطفى عطيّة    أذكار المساء وفضائلها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الزميل عيسى عبد القيوم في زيارة لضحايا الأيدز الليبيين بمستشفيات روما

لم أكن أتصور وأنا أتجه رفقة أحد الأصدقاء نحو إيطاليا بأنني أتجه نحو عرين الألم .. وأن الرحلة ستجبرني على الإعتراف رغم ما كتبته عن قضية الإيدز بأنني كنت أرسم صورة مبسطة للألم الذى تختزنه قضية بحجم قضية الإيدز .. فما شاهدته يفوق حد التصور .. فهناك قصة الضحايا .. وهناك قصص أخرى مسكوت عنها .. منها قصة أسر الضحايا .. وقصة تقصير مؤسسات الدولة.. وهناك أخطر القضايا وهي عدم إكتراث المجتمع وتخليّه عن واجبه الإنساني والأخلاقي .. أريد أن أتحدث عن كل ذلك فأرجو أن تسعفني العبارات .. فالموضوع أكبر وأخطر من أن ألملم أطرافه فى تقرير من ورقة أو ورقتين .. فالألم الجاثم على صدور أولياء الأمور عظيم الى درجة لو أنه سكب على قارة لأحالها الى سواد قاتم .. فكيف وهو يفترس بيوتاً صغيرة وفقيرة وسط لامبالاة من أطراف يفترض أن وظيفتها رعاية الشعب دون تمييز بين أفراده .
لا أدري من أين أبدأ فكل ما شاهدته يصلح ليكون بداية جيدة .. حسناً سأبدأ من الفكرة ذاتها .. فهذه المرة الثانية التى أقترب فيها من الضحايا وأسرهم .. كانت الأولى فى فرنسا .. وجاءت فى ظرف إستثنائي .. ثم كانت هذه الرحلة يوم الإربعاء 17 يناير2007م .. والدافع شعور بالخجل من تقصيرنا تجاه هؤلاء الأطفال .. فهذه أغرب قضية " رأي عام " أشهدها فى حياتي .. فهل سمعتم عن قضية " رأي عام " لا تهم الرأي العام ؟!! نعم هذه هي الحقيقة.. ومن ليبيا يأتي الجديد .. يا سادة يا كرام .. يا سكان أوربا تحديداً .. هؤلاء الأطفال و من كبر منهم ضيوف عليكم .. وتتعرض قضيتهم لضغوط شديدة جداً .. فأين أنتم منها ومنهم ؟!.. يا سادة هؤلاء الضحايا يحتاجون الى وجودكم الى جوار أسرّتهم .. فلتذهب السياسة الى الجحيم إذا كانت مواقفها لا تزيد على مظاهرة خجولة .. أو كتابات من وراء الحجب .. أو صراخ عبر فضائيات همها الأول إبتزاز الأنظمة عن طريق معارضات " مخصية " .. فلا يمكن لأي صحفي أو مراقب أن يصدق أن قضية الإيدز قضية " رأي عام " وهو يشاهد ضحاياها ينتشرون فى ثلاثة دول أوربية .. دون أن تلتفت إليهم وسائل الإعلام الليبية .. خاصة منها تلك التى تستوطن أوربا .. إنهم يفتقدونكم كبشر .. يفتقدونكم كليبيين .. وأخيراً يفتقدونكم كإعلاميين من صميم عملهم المهني والأخلاقي متابعة قضاياهم وإيصال أصواتهم .. فلا تمنحونهم ظهوركم وهم أحياء .. ثم تنوحون عليهم بعد الممات.. ففى قضية الإيدز عدة مستويات .. منها ما يجب أن نتفق عليه جميعاً .. الدولة والمهجر وأولياء الأمور .. وعلينا أن لا نسمح بتسييس هذا القدر على الأقل وجعله محلاً للتنافس أو المزايدة .. وعندما نصل الى المستويات التى نختلف حولها سيكون لكل حادث حديث .. وعندها ستفتح ملفات كثيرة .. وفى هذا السياق سنرفع القبعة كثيراً لجهود جمعية أولياء أمور الضحايا .. ولرئيسها السيد أدريس لاغا .. والسيد رمضان الفيتوري .. ولكل الأباء الذين يركضون من أجل أن لا ضيع حقوق أبناءهم .. وتحية كبيرة للأمهات رمز المقاومة لهذه القضية.
من هنا كانت البداية .. فما أعتبره واجبي قادني الى كرسي الطائرة.. وقدماي قادتني الى سرير " عبدالمجيد صالح التهامي ".. صافحته وجلست الى جواره على سريره بمستشفى " إسبنزلاني روما " .. فى تلك اللحظة كنت كمن يحاول أن يسترق النظر لرؤية ذاك الوحش القابع فى عروقه .. كشف عن جسده .. وشرع يشرح لنا كما لو أنه أستاذ فى علم التشريح عن شرايينه التى لم تعد قادرة على تقبل أنابيب أجهزة غسيل الكلى .. فأغلقت شرايين فى الكتف .. وأخرى فى الرجل .. وفتحت ثالثة فى البطن .. كنت أحاول أن أبدو متماسكاً .. فلا يمكن لبشر أن يحتمل كل تلك المشارط التى تطارد أثار " الوحش " الهائج داخل الجسد النحيف .. كان يتحدث دون أن يفقد إبتسامته .. وأنا أستمع دون أن أغفل عن معركة الإرادة الدائرة بين الحياة والفيروس القاتل التى تخاض فى تلك اللحظات تحت الجلد الأسمر الذى يخاله الغافل ساكناً لا يتحرك .
عبدالمجيد يبلغ من العمر "23 " عاماً .. من مدنية " القبة " شرق ليبيا .. وهنا تعمدت أن أذكر الرقم لتصحيح بعض الأخطاء .. فالأطفال لم يعودوا أطفالاً.. فهم الأن شباباً .. ومن الخطأ وصف بعضهم إعلامياً بالأطفال .. وصاروا يعرفون قضيتهم جيداً .. ويعرفون كل كبيرة وصغيرة عن مساراتها وإتجاهاتها .. يعرفون حقوقهم الممنوحة والمسروقة على السواء .. حكى لي عن كل شيء .. عن بدايات المرض .. وعن يتمه وفقدانه للأب .. وعن عمه الذى وصفه بأنه بمثابة والده وزيادة .. وعن حرمانه من إتمام دراسته نتيجة لبعد المدرسة عن مكان العلاج .. ولإسباب أخرى يتحمل وزرها المجتمع " المتخلف " ومؤسساته .. سألته عن الكيفية التى يقضي بها وقته ؟!.. فقال : فى متابعة المواقع الألكترونية .. خاصة الثقافية منها .. وعندما سألته : الثقافية فقط ؟! .. أضاف : لا .. بل والطبية أيضا .. فالمرض دفعني للتعرف على الكثير من المواقع الطبية .. وعن أمنياته يتحدث عبدالمجيد قائلا : عندما أفقت من العملية يوم أمس .. تمنيت أن أزور مكة المكرمة .. وأيضا لدى عبدالمجيد رغبة فى زيارة بريطانيا .. ويرغب فى العودة لدراسته فى أقرب وقت .. أمنيات لا تكلف أقل رجال الأعمال حظاً مكاسب يوم فى حياته .. ولكن عبدالمجيد يراها بعيدة المنال .. ردّدت
أمامه عبارة " ما على الله صعيب " .. وأنا أستحضر فى نفسي بعض الشخصيات المحبة للخير .. وأمل أن تكون رسالة عبدالمجيد قد وصلت إليها .. إنتهت الزيارة .. وأصر " عبدالمجيد " على مرافقتي وصديقي الى خارج المستشفى .. وعندما ودعته سألته : هل أنت راضٍ عن الحكم بالإعدام على البلغاريات ؟!.. أجاب بسكينة أحسده عليها : أعرف أنهم قد يتلاعبون بالحكم .. ولكن الحكم النهائي والعادل بين يدي الله .. وعندما إلتفت عبدالمجيد عائداً الى سريره .. لمحت صديقي وهو يحاول أن يخفي دموعه عنه .
الى مستشفى " الماير " بمدينة " فرانسيا " .. أين يتردد " المجبري " .. البالغ من العمر " 8 " سنوات .. شاهدته يقفز .. ويضحك .. ويملأ الدنيا حيوية .. ويغمر المحيط فرحاً .. فهو لم يدرك بعد ماذا يعني أن تكون مصاباً بفيروس " الإيدز " .. تحدث والده .. فيما جلست الأم تراقب إبنها بقلق واضح .. تحدث عن كيفية حقن إبنه الذى كان عمره يومئذ " 52 " يوماً فقط .. وعن رحلة العلاج المريرة .. وتحدث طويلاً عن المشاكل الإجتماعية التى تضاف الى فاتورة المرض .. كان الوالد يتحدث .. وأنا أرقب " محمد " وهو يلهو فى " بهو " المستشفى .. لم أستطع أن أقاوم الرغبة فى المقارنة بينه وبين إبني الصغير.. أو بين إبن أي أب فى الدنيا .. كان يفترض أن يكون الأن على مقاعد الدرس .. أو فى نادٍ .. أو حديقة يلهو مع أترابه .. أي جريمة هذه !! .. أي أخلاق التى يتغنى بها السيد بوش .. وأي قيم التى ينطوي عليها دستور الإتحاد الأوربي العظيم !! .. هكذا بكل بساطة المطلوب إطلاق صراح البلغاريات دون شرط أو قيد !! .. لو إقترحوا فكرة إقامة " محكمة دولية " فلربما قلنا أنهم لا يثقون فى القضاء الليبي .. ولكن أن تحسم القضية بقرار سياسي فهنا أحد علامات الإستفهام الكبيرة حول الدوافع وراء تكالب أوربا وأمريكا على فكرة حسم القضية سياسياً .. وهذا ما يحتم علينا التشبت بالقضية لإفهام الغرب بأنها قضية رأي عام .. وأنه لا الدولة الليبية ولا معمر القذافي .. يستطيع أن ينهي هذه القضية عبر القرار السياسي فقط .. عموما قبّلت محمد كأب يستشعر معنى رؤية إبنه يلهو مع الموت البطيء .. وغادرت الى الشارع وأنا أحمل المزيد من علامات الإستفهام .
الى مستشفى " البنبينو جيسو " بروما .. ومحاولة زيارة طفل هناك .. ولكن للاسف لم تتم لعدم حصولي على الإسم كاملاً .. مما تعذر معه الوصول الى القسم الذى يرقد فيه الطفل .. وهناك إلتقيت " ضحى السيد عماد الدين " البالغة من العمر ثمان سنوات .. وهذه الطفلة تنفرد عن الجميع بكونها يتيمة قادمة من دار الرعاية .. هادئة .. تبتسم لكل من ينظر إليها .. فى أعماق عينيها حزن يحتاج الى ألف ديوان لشرح مفرداته .. تمتمت فى أذنها ببعض العبارات فى محاولة لإستدراجها فى الكلام .. ولكن يبدو أن صخب المكان جعلها تكتفي بإبتسامة صغيرة .. أعترف بأن قصتها هزتني بقوة .. وأن الدنيا قد قست عليها كثيراً .. ولو لم يحقن البلغار والطبيب الفلسطيني غير هذه الطفلة لكان حكم الإعدام قليل فى حقهم .. وأنا أدعو السيدة " دارين لحجوج" لزيارة الضحايا لتعرف حجم الجرم الذى إرتكبه شقيقها .. ولتطلع على أوراقهم الطبية بعناية ففيها ما يكفي لجعلها تتحدث بشئ من المنطق بدلاً من الهراء الذى تنشره عبر الإعلام .. وربما من الأجدر بها أن تأتي الى حيث يرقد الضحايا وتطلب منهم العفو والغفران لشقيقها .. فهم أناس طيبون يا سيدة دارين .. وربما أسهم وجودك بينهم فى ترقيق قلوبهم ونيل عفوهم .
وفى ذات اليوم صافحت " جليلة محمد الدرسي " (19) سنة .. و" سعاد مصطفى العقوري " (17) سنة .. ولم أتمكن من زيارة " رشيد السنوسي الوسيع " (21) سنة .. و " خلود عبدالرازق البهلول " (12) سنة لإقامتهم فى مكان بعيد خارج روما .
هكذا يبدو المشهد العام لقضية الأيدز .. أطفال .. وشباب .. وشابات يقاومون المرض بإرادة كالحديد .. يتمسكون بحقهم فى الحياة .. وينظرون الى المستقبل من ثقب الأمل .. الأمل فى قدرة الله على الشفاء .. الأمل فى سعي البشرية لإيجاد حل للغموض الذي يغلف المرض .. الأمل فى غدٍ أفضل .. وينظرون الى عدالة تنصفهم .. والى مجتمع يمد إليهم يد الحب والحنان قبل يد الواجبات .. ولو توقف المشهد عند هذا الحد لكان فيه ما يكفي من الألم والعذاب .. ولكن ليس هذا كل شيء .. فهناك ما يمكن أن نتحدث عنه فى القضية .. فماذا عن الهمس الذى يدور حول عزل العائلات إجتماعياً دون تدخل مؤسسات الدولة ؟!.. وماذا عن الكولسة ؟!! .. وماذا عن سرقة مستحقات الضحايا ؟!.. ماذا عن معاناة أولياء الأمور التى باتت تضاهي معاناة الضحايا أنفسهم ؟!.. وماذا عن السفارة الليبية فى روما .. التى سألت بعض المرضى ممن تكاد مدتهم تصل الى التسع أشهر : هل زاركم السفير الليبي .. أو القنصل ؟! .. فكان الجواب : لا .. وصمتوا لأنهم يعرفون أن الحديث عن الوحوش الكاسرة قد يهيجها .. مما قد يفقدهم فرصة علاجهم بجرة قلم.. إذن للحديث بقية .. فللفساد والفاسدين وكر فى روما .
والسلام
:
منذ أن كشف الغطاء عن قضية ما عرف بمستشفى " الأطفال ببنغازي " .. إستمعت الى الكثير من المعلومات .. فى لندن .. باريس .. وروما .. وقرأت أكثر عن القضية .. من أوراق النيابة .. الى أوراق الدفاع .. الى تحاليل الصحافة .. وأخيراً عندما وقفت أمام أحد عجائب الدنيا السبع " برج بيزا المائل " تساءلت : هل هذا الشيء الوحيد المائل حتى يعتبر " أعجوبة " ؟!.. لن أذهب بعيداً.. وسأبدأ القصة من دخول مجموعة من أولياء الأمور على العقيد القذافي شخصياً فى خيمته .. حيث قالوا له حرفياً .. نحن لم نأتي للهتاف .. أو للمبايعات السياسية .. نحن جئنا من أجل قضية الأطفال .. فإستمع إليهم بإهتمام .. وتقول الرواية .. أنهم خرجوا من عنده بوعد أرضاهم جميعاً .. ترجم فيما بعد الى قرار اللجنة الشعبية العامة الصادر فى شهر 72005 .. الذى ينص على رصد مبلغ وقدره ( 5.5 ) خمسة ونصف مليون دولار .. " للعلاج الكامل " .. وللعلم فهذا المبلغ فقط لمجموعة ايطاليا .. على أن تمنح باقي المجموعات (سويسرا وفرنسا ) مبالغ مماثلة .. ودائما تحت بند " العلاج الكامل " الذى وعد به العقيد القذافي .. الى هنا لا يمكن لأي منصف أو عاقل إلا أن يعتبر ذلك شيئا إيجابياً .. هذه نقطة أولى .
النقطة الثانية تمثلت فى ظهور تصريحات أوربية تؤكد بأن ضحايا مرض نقص المناعة المكتسبة " الإيدز " يعالجون على حساب أوربا .. وفى المقابل ظهرت تأكيدات ليبية تصر على أن الضحايا يعالجون على حساب المجتمع الليبي .. وهنا يكمن اللغز.. فالقرار الليبي يؤكد أن الدولة والمجتمع متكفل بمصاريف ما وصفه القرار ب " العلاج الكامل " .. وما يجري على الأرض شيء أخر مخجل .. مذهل .. ومريب .. يجعل من التصريحات الأوربية حقيقة لا يمكن جحدها بالمطلق .. وللاسف فلدى الأوربيين وثائق تثبت ذلك .
يا سادة يا كرام.. هل تعلمون أن الكثير من الحالات تفاجأت بأن العقود التى أبرمت بين السيد الدكتور " خريص بالقاسم خريص " ممثل الطرف الليبي .. ومن يوصف برجل البزنس الكبير الدكتور " كستيلي " .. عبر مستشفى " البنبينو جيسو روما " هي فقط للتحاليل وليس للعلاج .. وأن الضحايا وذويهم يطردون بشكل سافر عقب إنتهاء التحاليل .. ونفس الأمر يحدث فى مستشفى " الماير فرانسيا " .. بين الطرف الليبي والمتعاقد البرفسور " ساقالي " كجهة إدارية .. والبرفسور " قالي " كجهة طبية .. فهل تعلم اللجنة الشعبية العامة .. وهل يعلم الدكتور البغدادي .. وقبلهما هل تعلم القيادة الليبية .. وهل تعلم " مؤسسة القذافي للتنمية " بصفتها المكلف من طرف الضحايا بمتابعة قضيتهم .. هل يعلم كل هؤلاء بأن الملايين التى رصدت لم تذهب كلها للعلاج .. وان العقود التى وقعت غالبيتها للتحاليل والكشوفات العامة.. أو ربما وقعت عقود وهمية سرّبت الى ليبيا .. وعقود ثانية تم بموجبها ما نلمسه على الأرض .. أو ربما تكون العقود لم تغطي وتشمل كل الحالات .. وتم قضم الجزء الأكبر منها .. لأن ما نلمسه على الأرض يشير الى وجود لغز يحتاج الى حل .. وهنا قد يقول قائل .. وماذا عن العمليات الجراحية التى نسمع عنها ؟!..وماذا عن الأشخاص الذين تحدثت عنهم بأنهم نزلاء بعض المستشفيات ؟!! .. الجواب فضيحة أخرى تحتاج الى تحقيقات مستقلة .. على إعتبار أننا دولة نفطية غنية .. ونزعم بأننا نوزع ثروتنا بشكل عادل .. ولدينا قرار من أعلى الجهات التشريعية والتنفيذية فى الدولة يأمر برصد مبلغ وقدره " للعلاج الكامل " !!.
يا سادة ما عرفته عن بعض هذه المستشفيات أنها مستشفيات خيرية.. تعالج بالمجان تحت برنامج يسمى " الاس . تي . بي ".. أو ما يشبه نظام الضمان الإجتماعي .. بل وضع مستشفى " الماير " مثلا على لافتته الخارجية عبارة تقول " أن المستشفى يعالج الأطفال اللقطاء والمهجرين " !! .. أما مستشفى " البنبينو جيسو " .. فمن اسمه " أبناء المسيح " تعرف أنه ملجأ كنسي خيري .. تابع " للفاتيكان " ويقدم خدماته مجاناً .. فهذا بلاغ الى السيد النائب العام .. أو المدعي العام .. إن ما يحدث فى روما عار على الدولة الليبية .. فالناس.. أو بعض الناس .. يعالجون بالفعل على حساب المجتمع الأوربي .. واذا ما أخرجت لكم أوربا ذات يوم مستندات تثبت معالجة أطفالكم بالمجان فلا تستغربوا من ذلك .. ولا تستحضروا نظرية المؤامرة !!.. أنا هنا لا أتهم أحداً .. فقط أؤكد وجود تسريب " ما " فى الخطوط الواصلة ما بين لجنة متابعة ملف الأطفال "السيد عبدالحفيظ بوظهير " .. وبين السيد الدكتور " خريص بالقاسم خريص ".. وبين السفارة الليبية فى روما .. وبالتأكيد من واجبي كليبي أن أطرح هواجسي بشفافية.. ومن صميم صلاحياتك سيدي النائب العام .. أن تؤكد ذلك أو تنفيه .
وحتى تتضح لك الصورة أكثر فالطفل " محمد عبدالهادي " على سبيل المثال الذى إنتشرت صورته فى الإعلام العربي .. توفى بمستشفى " البنبينو جيسو " التابع للكنيسة .. وعلى سريره رفع " العلم الإيطالي " !!! .. وبما أن " مؤسسة القذافي للتنمية " ممثلة فى السيد / سيف الإسلام مخولة بصفة رسمية من طرف أولياء الأمور بمتابعة القضية .. فأرجو أن تعتبر هذا البلاغ ايضا موجه إليها للنظر فيه ولتتأكد من المعلومات على الأرض .
السفارة الليبية هل تسكنها القطط السمان :
هذا العنوان لن أستطيع أن أغادر قبل أن أعرّج عليه .. فسفيرنا هناك على ما يبدو ليس لديه الوقت لمتابعة أخطر قضايا بلاده .. سفيرنا قيل أنه يمتلك ثلاثة عربات " مرسيدس " من أجل إنجاز مهامه التى لم يثبت أن من بينها الإعتناء بملف قضية الإيدز .. القضية الأخطر حالياً والتى تعتبر أوربا طرفاً فيها .. سيدي السفير " حافظ قدور " إن التيه الذى شاهدته فى عيون الناس الواقفين أمام باب سفارتك غير مبرر .. هؤلاء الأباء يعانون معاناة نفسية كبيرة .. قسم من رفعها يجب أن تقوم به كجزء من وظيفتك التى خولك بها المجتمع .. والقسم الثاني مطلوب منك كإنسان .. وكشاهد على فصول مأساة كبيرة .. ولكن للأسف ما يجري على رصيف السفارة الليبية بروما شيء يدفع للكفر بالوطن .. وهنا أكرر إستفهامي هل يعلم رئيس وزرائنا ما يجري لأناس بسطاء إختارتهم يد المؤامرة ليكونوا ضحاياها دون سبق معرفة .. هل يعلم أن كرامة المواطن الليبي الذى يراد له أن يشكل المجتمع الجماهيري السعيد تهدر أمام مكتب السفارة .. وكمواطن ليبي أحمّل سعادة السفير بصفته الشخصية والإعتبارية مسئولية أي خروقات قد تضر بقضية الأطفال .. مثل تسجيلهم فى مستشفيات خيرية غير متخصصة .. ودفعهم للعلاج المجاني .. مما يعزز موقف أوربا فى تصريحها بأن الأطفال يعالجون داخل أراضيها دون مقابل .. ولن أتحدث عن صمت سفارته تجاه قضية إلحاق الأطفال بالمدرسة الليبية فى روما .. التى سعت لإبعاد الأطفال عنها بفرض مبالغ كبيرة على ذويهم .. ولن أتحدث عن المنح الهزيلة التى تمنح للضحايا مما إضطرهم للسكن فى أماكن ضيقة جداً .. وبعيدة جداً عن المستشفيات .. ولعل الكشف المرفق يوضح التلاعب .. ففيه تجد أن قيمة إقامة عائلة للعلاج فى روما ولمدة ثلاثة أشهر تتراوح ما بين ( 2000 الى 3000 يورو ) .. فهل هناك مهزلة أكبر من هذه .. والعجيب أنك تجد أن منحة من سيبقى ثلاثة أشهر تساوي تماماً منحة من سيبقى شهراً واحداً .. ومنحة الأسرة الكبيرة تساوي منحة الفرد .. ومنحة من جاء لمعالجة أمراض مضافة الى مرض الإيدز تساوي منحة من جاء للكشف العام .. مما يعني أننا أمام قسمة قسمة ضيزى .. ولا علاقة لها بملف القضية بقدر ما لها علاقة بقصة الفواتير المطلوبة لتغطية العجوزات مثلا !! .. فوجدت من بين العائلات من غادر بيته للسكن فى غرفة واحدة فقط .. ووجدت من طرد من المستشفى صبيحة يوم موعد إجراء أشعة أو تحليل أو المنظار .. وغالباً ما يرفق الطرد بعبارة " هذا خارج المتفق عليه فى العقد ".. فيلجأ الناس الى المستشفيات المجانية .. وجدت الهم والقلق يرافق هؤلاء الناس .. فإذا لم تنجح يا سعادة السفير فى رعاية من يفترض أنك جئت لرعايتهم .. فهذا يعني أنك وبكل أسف ومرارة ممثل فاشل للشعب الليبي على الأراضي الإيطالية .. فالسفارات كما قيل لنا قد تحولت الى " مكاتب شعبية " مما يعني توسيع قاعدة خدماتها وإنفتاحها على الجمهور .. ومع هذا فآخر محطة تسمح لليبيين بالوقوف أمامها هي رصيف سفارتك .. مما يجعلنا نترحم على سفراء العهود الماضية الذين كانوا يلحقون بيوتهم بسفاراتهم كمضافات لليبيين .. سادتي الكرام لن أطيل عليكم فيبدو أن لديكم قطط سمينة فى روما أيضا .
أولياء الأمور جناح اخر يوشك أن ينكسر :
من خلال العيش مع أو بالقرب من القضية تتكشف أمامك معاناة أخرى .. لا تقل خطورة وألم عن معاناة المرض ذاته .. إنها معاناة أولياء الأمور .. فهذه الشريحة من المجتمع الليبي التى إختارها القدر لهذا الإبتلاء .. تعاني بين المطرقة والسندان .. بين مطرقة الأبناء المحقونين ومشوار علاجهم .. وبين سندان بقية الأسرة التى باتت بلا راعي يرعى شئونها فى ظل غياب مؤسسات المجتمع المدني التى كان يمكن أن تسد هذا الباب .. فتراهم مشتتين بين هنا وهناك .. ومنهم من لديه أطفال يحتاجون الى علاج من مشاكل صحية اخرى .. ومنهم من يعاني هو نفسه من مشاكل صحية .. وربما أغلبهم بات رفيق أمراض كالسكري وضغط الدم .. والكثير منهم باع ما يمتلك وباتت الديون تتراكم عليه .. وإذا ما أضفنا الى كل ذلك مشاكل العزل الإجتماعي .. وتخوفات مجتمع لا يعلم شيئاً عن ثقافة التعاطي مع مرضى الإيدز .. فإن القصة ستتفاقم .. خاصة مع الأمهات .. ومع البنات اللاتي دخلنا سن الشباب .. أين سيتجه كل هؤلاء ؟!!.. كيف سيقضون بقية أعمارهم ؟!!.. ما هي المؤسسات التى سترعى وستهتم بقضاياهم الإجتماعية ؟!!.. وماذا عن دراستهم .. وربما شغلهم ؟!!.. سادتي الكرام هنا تكمن مشكلة اجتماعية خطيرة .. فالأسر التى لن تجد من يعينها سيضطر الأب الى توجيه جل إهتمامه بالطفل أو الشاب المصاب .. وسيترك بقية أفراد الأسرة فى مهب الريح .. وربما سيفيق المجتمع والدولة على شريحة عانت العزل والفقر والإزدراء والظلم الإجتماعي .. وبالتالي فهي مرشحة للذهاب فى كل الإتجاهات بما فيها تلك التى لا نرغب فى سماع أخبارها .. فهل ستلتفت الدولة ومؤسساتها لهذا الموضوع للتخفيف من أثاره ؟!!. شخصياً أمل ذلك .. بل وأذهب أبعد من ذلك .. أذهب الى الدعوة لتكوين جمعيات " أصدقاء المريض " وفتح قنوات إتصال مع الأطفال والشباب بشكل مباشر لإشعارهم بأنهم ليسوا وحدهم وسط هذا التيه .. وأيضا لإشعار أوربا وشركاتها العابرة للحدود أن القضية قضية " رأي عام " ولن يسمح بأن تمر مرور الكرام .. وأن قصة الإتجار بها لن تقبل .. وربما سيولد حلها بطريقة قصرية مضاعفات أكبر مما تتصوره الدولة والغرب على حد سواء .
النداء الأخير :
عندما سألت أحدهم : ماذا تريدون بالضبط ؟!!.. أجاب : نريد ما وعد به العقيد القذافي فى خيمته .. عندما أوصى بضرورة رصد ما يكفي لعلاج الأطفال علاجاً كاملاً .. نريد ما يثبت أن ذلك حقيقة .. نريد متابعته من جهات عليا .. من " مؤسسة القذافي للتنمية " .. أو من مكتب أمين اللجنة الشعبية العامة ( رئاسة الوزراء ) بشكل مباشر .. فلم تعد الوعود تفيد فى شيء .. نحن وأطفالنا وعائلاتنا نعاني .. وما يمنح لنا لا يكاد يغطي مصاريف الأكل والشرب وإيجار السكن .. أما العلاج فيبدو أنه قد دخل سوق السمسرة .. والله يعوض علينا .
غادرت يوم الجمعة مطار " بيزا " متجهاً الى مطار " ليفربول " .. وأنا أكثر إعتقاداً بأننا نسير فى إتجاه مشتت .. فالقضية تزداد كل يوم خطورة.. خاصة بعد أن قرأت صبيحة اليوم عن موقف الإتحاد الأوربي .. سادتي الكرام نحتاج الى تكاتف الجميع فى بعض مستويات القضية .. ولنترك المستويات التى نختلف حولها لحينها .. لنتكاتف فى شد أزر هذه العائلات .. فقد لمست نوعاً من الأنفة وعزة النفس عندهم .. وبالتالي سأقول نيابة عنهم كما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " من كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له " .. أقول لرجال الأعمال .. وللخيّرين داخل ليبيا وخارجها .. إدعموا هذه الأسر قبل أن تنهار .. وأدعموا صوتهم المتمثل فى " جمعية أولياء أمور الضحايا " .. وأبحثوا عن صمامات أمن إجتماعية للقضية .. فحق هؤلاء الأطفال والشباب فى أعناقنا جميعاً فإذا ضاع فأنا أول من سيبصق على كثير من اللافتات .. وسأكفر علناً بكثير من الشعارات .. وسأدوس أمام الجميع ما يعتبرونه ثوابت .
والسلام


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.