لا يشك طرف منصف بأن المعارضة التونسية لا تنفك تحاول بكل ما سمحت لها ظروفها الموضوعية والذاتية وفهمها لآليات العمل المعارض من التثبت بوجودها ورفع صوتها وإثبات تواجدها في مشهد سياسي محدود ومحدد. لا نشك أن هناك مسارا معارضا صاعدا انطلق من الهمس والحديث البسيط والمشي حذو الحائط، إلى ميدان الكلمة الجريئة والفعل الشجاع والموقف الحازم، وليست مبادرة 18 أكتوبر إلا العينة الكبرى لهذا التململ الساعي إلى الفعل الجاد و البروز والتحدي والبناء. وفي هذا الإطار الباحث على الحراك والحياة والتجاوز جاء ماصطلح على تسميته بإعلان تونس بمثابة رفع الغشاوة عن محاولة ضمنية لتطور المعارضة نحو البحث عن إطار وفعل وبرنامج عمل مشترك وفاعل. لا يجب أن نقف مترددين أو منهذلين أو حتى صامتين لهذا الإعلان، لا يجب استصغار الحدث وتهميش عواقبه وتحقير نتائجه، ولا النفخ في أرجائه واعتباره اكتشاف العصر ومهديه المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلا وصفاء، ولكن يجب استجلاء مواعيده وكنه أحواله وفهم آماله ومطالبه، ومعرفة حدوده وآفاقه، وتبين مجالات القصور والتحدي في ثناياه وأطرافه. لن ندلف من باب التغني على الأطلال والوقوف جامدين في صومعتنا، و لكن اعتبار أن ما حدث نقلة نوعية في تعامل المعارضة مع واقعها إذ تبين لنا أن قصورا قد حدث منذ زمان في تفاعل المعارضة مع واقعها، في بقاءها على الربوة أحيانا، ترتقب وتأمل وتنتظر، بعضه إحباط وبعضه يأس وضعف أمل، أو دخولها من الباب الخلفي في التقرب إلى السلطة واندماج بعضها في خطابها ومسارها حتى أصبحت جزء من الديكور المحيط بصولات النظام وجولاته، أو قفز البعض الآخر من سماء عالية على أرض جدباء، صحراء قاحلة لم يطلها تحضير لتربتها ولا استقراء لماضيها ولا استشفاف واع بمستقبلها، فلم تنفتح المظلة الأساسية ولا مظلة النجاة فكان السقوط أليما ومعيقا، وانتهى الحلم إلى كابوس وسواد وإحباط! نعم يمكن أن نرى في إعلان تونس بداية يقظة المعارضة على أنها مجموعة تشقها الاختلافات الأيديولوجية، والمرجعيات والأطروحات السياسية المتباينة ولا شك، وهذا من بديهيات المشاهد السياسية والحراك الفكري، ولكنها يقظة تكريس الوعي الذي بدأت نسج خيوطه ولو على حياء مبادرة 18 أكتوبر، في اعتبار أن العمل المعارض الفاعل في هذه المرحلة والذي تأخر الوعي بها، هو في وحدتها أولا وفي التقاء أطرافها على مجموعة مطالب جامعة وتشكيل نواة جبهة معارضة متناسقة. لقد كانت مقولة "أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض" صائبة في حال المعارضة وتعاملها مع بعضها، فكانت الرهانات المغلوطة والحسابات السياسية المغشوشة والنرجسية المفرطة والطموحات الشخصية المرتفعة، قد هيمنت على خطاب المعارضة وفعلها السياسي في حقبة طويلة، فظن البعض أنه مدعو إلى الوليمة، لكن لم يتفطن إلا متأخرا أنه كان جزء من ثريدها ومرقها. وظن البعض الآخر بمثالية مفرطة ومراهقة سياسية بادية أن لا يظن إلا خيرا شاملا جامعا بالضفة المقابلة، ونسي أن للسياسة كرها وفرها وحساباتها الضيقة والموسعة، ومصالحها الخاصة والعامة، ومطالبها الداخلية والخارجية. ولم يفقه البعض الآخر أن المشهد السياسي ليس قرآنا منزلا وواقعا جامدا ولكن السياسة إجمالا تقف على رمال متحركة، ولم تحمل الضفتان سوادا شاملا أو بياضا ناصعا، فغابت النسبية في الرأي، واختلطت المرونة بالتسيب والشدة مع الحزم، فوقف حيث وجبت الهرولة وأسرع حيث وجب التأني وعدم العجلة. أزمة المعارضة التونسية ليست جديدة، ومأزقها التاريخي لم يعد خافيا، والعديد من أسباب ضمورها وضعفها قد لاكته الألسن حد القرف أحيانا، حتى أنك لا تجد في كتابات المعارضة في بعض ثناياها وهي تحاول تحليل وفهم حالتها، إلا تكرارا لاعترافات سابقة تحدد مجددا نقاط ضعفها وأبواب خلاصها، ولذلك لم يعد مجديا في بعض الأحوال الحديث عن هذه التضاريس إلا من باب التذكير حتى لا يمل المتابع والملاحظ وينتفي النفع والإفادة. إعلان تونس ومجالات التفعيل لقد عقلت المعارضة أن ضعفها وهامشيتها يعود أساسا إلى ذاتها، وحتى لا نبخس الناس أشياءهم لن نهون من الواقع الموضوعي الرافض والمستبد المحيط بفعلها، غير أننا نرى ولا نزال أن قوة الضفة الأخرى ليس هيكليا ونابعا ذاتيا ولكنه يعود في الكثير منه إلى ضعف المعارضة وتشتت جمعها، ومن هذا الباب كانت الاستفاقة الأولى عبر مبادرة 18 أكتوبر، رغم وقوف التواصل أو تعثره، في محاولة تجسير هذه الهوة التي تفرق أطراف المعارضة. غير أن هناك نوافذ أخرى متعددة لهذا الضعف لا تزال مغلقة وتشكل حسب ظني إحدى مداخل الريح والعواصف التي ساهمت في اجتثاث فعلها أو تهميشه، نذكر منها مسالة الزعامة والطموحات الشخصية، والخلط المتواصل بين السياسي والفكري، وعدم بلورة الوحدة المرجوة إلى برنامج وأسماء وجبهة سياسية موحدة. لا نريد جميعا أن يكون هذا الإعلان حبرا على ورق، حتى وإن كان الورق سميكا والحبر غير سري، لا نريد أن يضاف هذا الإعلان إلى أكداس العرائض والبيانات والنداءات التي ملتها رفوفنا قبل أن تضيق منها صدورنا، لا نبغي أن تكون الجدران التي رسم هذا الاعلان داخلها مسقط رأسها ومقبرة فعلها، ومن بين الشعاب التي نرى لها دورا مهما في الخلوص بهذا النداء إلى ميدان الفعل والخلاص والتغيير وإعطاء دور حقيقي وجاد للمعارضة، يمكن إدراج هذه العناوين : 1 / يمثل التركيز على باب المطالب والدعوات الجانب الأوفى من هذا الإعلان، وهو باب لا نخاله خائبا، ولكنه كثيرا ما يضفي طابع السكون والانتظار والتعويل على الآخر في الاستجابة والتفعيل، وهذا ينبع من طابع عدم التوازن بين الضفتين. لذلك فإن حسم القوة التفاوضية لصالح المعارضة يجب أن يكون أوليا وحاسما، ومن بين ركائز هذا الحسم وحدتها السليمة والحاسمة والتي لا تشوبها نقاط استفهام أو خفايا أو مبطنات. فسياسة المطالب، حتى وإن كانت من أبجديات العمل السياسي المعارض ومن طبيعياته، فالسلطة تبقى الماسكة بناصية المشهد وناصية الحراك، ولكنه لا يجب أن ينسينا واقعنا الداخلي ومحاولة بنائه وتأطيره، حتى ننطلق من إطار مطلبي يوحي بعدم التوازن إلى إطار تفاوضي يسعى إلى تثبيت التوازن ويدعمه، وهذا يستلزم بناء داخليا سليما وجريئا ، وثقة صلبة في النفس وتكريس عقلية الندية في البرامج والمواقف، دون السقوط في منهجية رفع السقوف واللعب في الهامش والتعويل على غير المعقول وغير الممكن سياسيا. 2 / تفعيل مباشر لهذا الإعلان عبر بلورة سريعة لهذا اللقاء وهذا النداء إلى جبهة سياسية واضحة المعالم والأفق والقيادة. حيث لا يجب الركون إلى الراحة بعد هذه القفزة النوعية واعتبارها شفاء للصدور ونهاية مسار وتطمينا مغشوشا للفعل والنوايا. كنت أنتظر في الحقيقة أن يكون هذا اللقاء أكثر جرأة في تأكيد المسار الجديد للمعارضة بتركيز هذه الجبهة السياسية الحاملة للواء التغيير، ولا يقع انتظار محفل آخر وموعد جديد للم الشمل وإعلان جديد. كان يجب اغتنام هذه الفرصة "غير الطبيعية" من السلطة بعد المضايقات والمنع لكل اجتماع ولقاء، في المرور إلى ما هو أبعد من هذا الإعلان الذي ركز في النهاية على مطالب ودعوات شبه قديمة، فكان الأجدر والأسلم إعلانا نوعيا يؤكد إنشاء هذه الجبهة الفاعلة. 3 / الحسم الواضح والنهائي في عدم الخلط بين اللقاء السياسي واللقاء الفكري، فلقاءنا سياسي بحت، ولا يعني هذا اللقاء أبدا أن نخفي في جعابنا تبايننا الفكري والمرجعياتي، ولا أن نجعله مطية عند البعض للتشتت والفراق وإشهار سهام التنابز والإقصاء والتخوين، ولا أن نبتسم على مضض ونكشر الأسنان وراء الظهور. ولذلك لا أرى شخصيا ولا "اللقاء الإصلاحي الديمقراطي" الذي أنتمي إليه داع وجدوى إلى حوارات فكرية بين أطراف المعارضة لتقريب وجهات نظر حول مسائل يُعَدُّ التباين فيها وليد اختلاف المرجعيات وليس منبثقا من قراءة واقع معين. وقد أثبت مجرد ملامسة بعض هذه القضايا الحساسة سبيلا إلى التشتت والإضمار والتوجس المتبادل، قد يساهم في إسقاط كل البناء، فلا التقارب الفكري حصل ولا العمل السياسي المشترك المنشود يمكن أن يثبت أمام هذه العواصف الفكرية المغلوطة. فجدوى الحوارات الفكرية حاصل، ولكن خارج الإطار السياسي حتى لا يفقد موضوعيته ويتلبس الصراع الفكري السليم بالصراع السياسي المتلبد غالبا بغيوم اللحظة والحسابات الضيقة والمعقدة. 4 / العمل السياسي عمل جماهيري وليس نخبوي، وإن كان دور النخبة مصيريا في الإنشاء والدفع، فإن للجماهير الدور النهائي والأساسي في نجاح مسعى مدني وحضاري للتغيير. ووجود الجماهير لا يجب أن يختفي في محطات المسار كلها، ولا يجب أن يخفى عن النخبة أن هذا التغيير المرجو هو من أجل الجماهير ومع الجماهير وفي ظل الجماهير. والمتابع للعمل المعارض في تونس ولعله في بقاع أخرى شبيهة، يلاحظ أن المعارضة قد فشلت في كسب تدافع الجماهير نحو مطالبها والالتزام بصفها، حتى لو اعتبرنا أن هناك تململا أو عدم إفصاح وخوف من الجماهير تجاه تبني مطالبها بكل جرأة وشجاعة، فإن الحاصل أن المعارضة قد فقدت هذه الجولة في صراعها المصيري للتغيير. وبقي الصراع بين نخبة معارضة من جهة، وطبقة حاكمة من جهة أخرى، في ظل شراكة صمت أو حياد من طرف الجماهير. وهذه الحيادية التي تلتزم بها هذه القاعدة الصامتة، حتى وإن كان هناك نارا خافتة تحت الرماد، تعتبر فشلا للمعارضة، وهزيمة لمنهج وخطاب أثبتا عدم جدواه وفعاليته. وحتى لا يبقى الإعلان حبيس الجدران التي انطلق من داخلها، كان الأسلم والأجدى على المعارضة أن تطرح هذا السؤال الجوهري في مسارها : "أين الجماهير التونسية؟" قبل أن تبث في منهج وخطاب للتغيير وتخط مساره. وسأعود لاحقا في كتابات أخرى إلى مزيد التعمق في هذه الزاوية الخطيرة والمصيرية لانطلاق مسار التغيير ونحاحه، في غياب الجماهير و عدم تبنيها الواضح والملتزم لمطالب المعارضة وعدم استعدادها لمرافقتها العلنية في كل مراحل التغيير المنشود. 08 / 07 / 2007 المصدر: مراسلة من الكاتب التونسي د.خالد الطراولي .