إنها القصة المحزنة و المؤلمة لريان فخفاخ، الطالب التونسي المتفوق في سنته الخامسة بكلية الطب. مؤهلاته نادرة و فرنسا التي تتجه نحو الشيخوخة في أمسّ الحاجة إلى شاب مثله، خاصةً و أنها هي من تكفلت بتكوينه. و مع ذلك، كاد أن يُرحّل من البلاد بسبب رفضه القاطع – و المحق – للامتثال لأمر مغادرة التراب الفرنسي (OQTF). معاناته تعكس ما يعيشه آلاف الطلبة الأجانب المتفوقين في الجامعات الفرنسية، ممن تفتك بهم الإدارة الفرنسية ببرود و رفض للتغيير و سوء تقدير فادح... ريان فخفاخ هو واحد من هؤلاء الطلبة الأجانب الذين يمثلون 6% من طلبة الطب و الذين كان من الأجدر بفرنسا أن تحتضنهم، في ظلّ النقص الحاد في الأطباء... لكن العكس حصل. هذا الشاب المولود في صفاقس، قدم إلى فرنسا في سن الثانية عشرة و تحصل على البكالوريا العلمية و عمره 16 سنة بملاحظة "جيّد". التحق كمساعد طبيب خارجي بمستشفى بول-بروس (AP-HP) و برز أكاديميًا، كما تولى منصب أمين مال لجمعية "الدعم الطبي بباريس-ساكلاي"، لمساعدة زملائه في التحضير لامتحانات PASS و LAS. و لم تقتصر إنجازاته على المجال الأكاديمي، فقد لمع أيضًا كمدرب لكرة السلة. يعشق العزف على الغيتار و انضم إلى جمعية موسيقية و شارك في مشاريع إنسانية على غرار بناء مدرسة في توغو (إفريقيا) ، رغم العراقيل الإدارية التي لا تزال تلاحقه. «أرغب في أن أصبح جراحًا عظاميًا و أن أخدم فرنسا، هذا البلد الذي كوّنني»، يقول و هو يتجاوز بصعوبة محنته. في مارس 2025، و بعد ليالٍ مرهقة من المناوبات، صعقته محافظة سين-سان-دوني بقرار مغادرة التراب الفرنسي، بحجة أنه «لا يثبت أي إدماج مهني و لا يملك أي آفاق عمل»، ولا تربطه أي علاقات عائلية في فرنسا، متجاهلة وجود شقيقيه المقيمين في البلاد. «قدمت ملفًا كاملاً مع جميع الأدلة على إدماجي. أشعر حقًا أن أحدًا لم يقرأه»، صرخ بحسرة. و في نهاية مارس 2025، جاءت أول استجابة رسمية. بمساعدة جمعية «شبكة التعليم بلا حدود»، قدّم ريان طلبًا عاجلًا لوقف تنفيذ القرار. و خلال جلسة قضائية كانت أشبه بالتعذيب، أصدرت قاضية قرارًا بتعليق أمر الترحيل في غضون ساعات و منحته إقامة مؤقتة حتى 8 نوفمبر 2025. استعاد ريان أنفاسه مؤقتًا و تمكّن من مواصلة تدريبه. وصفت القاضية قرار المحافظة بأنه «سطحي و نمطي»، و نددت بعدم وجود أي نقاش حقيقي مع محامي الإدارة الذي دافع بشراسة عن ترحيل الشاب. لكن الأمور بدأت تتغير لصالح ريان في بداية جوان 2025، بفضل حملة غير مسبوقة على شبكات التواصل الاجتماعي. ففي 5 جوان، نشر الدكتور جيروم مارتي، رئيس اتحاد أطباء فرنسا (UFML-S)، تغريدة على منصة X قال فيها : «نطرد طالب طب يريد خدمة فرنسا ؟ هذا جنون !». تجاوز عدد قراء هذه الرسالة 625 ألفًا في أقل من 24 ساعة و تفاعل معها كبار الأطباء في فرنسا مثل الدكتور ماتياس واغون، طبيب الطوارئ، و الدكتور ميكائيل روشوا، أحد أبرز المدافعين عن الصحة العامّة. و انضم الطلبة و الداخليون و المرضى إلى الحملة، ونشروا رسائل دعم و عرائض إلكترونية. و مع تصاعد الضغط، تراجعت المحافظة... في 6 جوان 2025، حصل ريان على بطاقة إقامة لمدة عام واحد، على أساس حياته الخاصة و العائلية و هو ما كانت السلطات تنكره عليه في البداية. هذا القرار المثير، الذي تناقلته صحيفة «لو كوتيديان دو ميدسان» في اليوم ذاته، شكّل خاتمةً لمعاناة إدارية ما كان لها أن توجد أصلاً، لو أن الموظفين عالجوا ملفه كما ينبغي. و يبدو أن ريان قد نجا أخيرًا : «أشعر بالارتياح، الآن يمكنني التحضير لامتحانات EDN بأريحية»، قال و هو يركّز أنظاره على اختبارات أكتوبر 2025. لكن هذا الشاب ليس سوى الشجرة التي تخفي الغابة. فهناك ما بين 1500 و 2000 طالب طب أجنبي، أي 6% من العدد الإجمالي، يواجهون صعوبات مماثلة. و تتراوح نسبة المتضررين من مشاكل الإقامة بين 10 و 15% من الطلبة الأجانب في جميع الاختصاصات. و يحدث كل هذا في بلد لا يضم سوى 3.36 طبيب لكل 1000 ساكن، حيث تعاني 70% من البلديات من نقص في أطباء الأسرة و يبلغ عمر 66% من الممارسين أكثر من 55 عامًا، في مجتمع يتقدم في السن و تزداد حاجته إلى الرعاية الصحية. في العام الماضي، نجح 3800 طبيب متخرج من خارج الاتحاد الأوروبي في اجتياز اختبارات معادلة الشهادات. و النقص اليوم يشمل أوروبا كلها. ما عاشه ريان فخفاخ، الطالب النابغ و الطبيب المستقبلي، لا يستند إلى أي منطق. لا شيء يبرّر المعاناة التي تكبّدها، في حين تسعى فرنسا، في مفارقة غريبة، إلى استقطاب كفاءات أجنبية من الخارج و تسهّل حصولهم على التأشيرات لملء فراغ مستشفياتها العمومية التي بات المواطنون الفرنسيون ينفرون منها لفائدة القطاع الخاص. هذا التفاني لا يُكافأ دائمًا كما ينبغي و يشرح لماذا يتطلع الكثير من الأطباء المهاجرين إلى العودة إلى أرضهم الأم : تونس.