تمرّ هيئة تحرير الأسبوعية الفرنسية لوبوان بمرحلة اضطراب. ففي 23 أبريل 2025، أعلنت إدارة الصحيفة رسميًا عن خطة للحفاظ على الوظائف (PSE) تتضمن إلغاء 58 منصبًا. وتشمل هذه الخسائر 32 موظفًا بعقود دائمة (CDI) من إجمالي 200 عامل في المؤسسة، بالإضافة إلى 26 متعاونًا حرًا. وقد أثار هذا القرار موجة من القلق العميق داخل هيئة التحرير وفي قطاع الإعلام بأسره. تفكيك قسم التصحيح… وتوظيف مشرفين على الذكاء الاصطناعي تقدّم الإدارة هذه الخطة الاجتماعية كاستراتيجية لإعادة الإقلاع، وتترافق مع إعادة تنظيم داخلي للمهام، خاصة في قسم المراجعة اللغوية والتصحيح. وقد تم تفكيك هذا القسم بالكامل: 18 مصححًا لغويًا تم الاستغناء عنهم، ما يعني القضاء التام على هذا الفريق. في المقابل، تخطط الإدارة لتوظيف ثلاثة مختصين جدد يحملون صفة «مراجعين خبراء – مشرفين على الذكاء الاصطناعي»، وتتمثل مهامهم في الإشراف على العمل التحريري بالتعاون مع أدوات الذكاء الاصطناعي. انتقادات من داخل المؤسسة: انتقال قسري وغامض نحو الذكاء الاصطناعي لم تمر هذه التحولات نحو الذكاء الاصطناعي دون إثارة ردود فعل. ففي مقالة نُشرت على مدوّنة جماعية تستضيفها ميديا بارت، أعرب عدد من موظفي لوبوان عن رفضهم للطريقة التي يتم بها تنفيذ هذا الانتقال. وندّدوا بما وصفوه بقرارات "متسرعة، عمودية، وسرية"، معتبرين أن هذه التحولات تتجاوز بكثير الدوافع الاقتصادية الصرفة. كما تساءلوا حول الدور الذي ستلعبه أدوات الذكاء الاصطناعي في سلسلة الإنتاج التحريري: «هذا الأمر يهمّنا جميعًا، لأنه يؤثّر على الجميع». تحليل: بين مكاسب الإنتاجية وفقدان الثقة التحريرية يعكس خيار إدارة لوبوان توجّهًا متناميًا في قطاع الصحافة، يتمثل في الاعتماد المتزايد على الأتمتة في إنتاج المحتوى، مدفوعًا بصعود الذكاء الاصطناعي التوليدي. من خلال دمج أدوات الذكاء الاصطناعي لتصحيح النصوص وتعديلها ومراجعتها داخليًا، تهدف الإدارة إلى تحقيق مكاسب كبيرة على مستوى الإنتاجية وتقليص التكاليف، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة تمر بها الصحافة التقليدية. غير أن هذا التحوّل يطرح تحديات رئيسية: * فقدان المهارات البشرية: إلغاء قسم التصحيح بأكمله يعني خسارة جزء محوري من الخبرة التحريرية. * خطر تراجع الجودة التحريرية: رغم تطوّر أدوات الذكاء الاصطناعي اللغوية، فإن الإشراف البشري لا يزال ضروريًا لتفادي الأخطاء في السياق، وسوء فهم الدلالات، والانزلاقات الأسلوبية. * أزمة ثقة داخلية: القرارات التي يُنظر إليها على أنها فوقية تُضعف مناخ العمل، وقد تؤثّر سلبًا على معنويات الفريق المتبقي. * الصورة أمام القراء: الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي قد يضرّ بمصداقية الوسيلة الإعلامية، خصوصًا في نظر القرّاء الحريصين على دقة المعايير الصحفية التقليدية. قد تشكّل تجربة لوبوان نموذجًا تحتذيه مؤسسات إعلامية أخرى تبحث عن سبل التحديث. لكنها تطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن التوفيق بين التحول نحو الذكاء الاصطناعي، وتحقيق الكفاءة، والحفاظ على القيم الإنسانية في مهنة الصحافة؟ تحدٍّ قد تواجهه الصحافة التونسية بدورها تحدٍّ قد تجد الصحافة التونسية نفسها مضطرة لمواجهته أيضًا، في سياق بحثها عن نماذج اقتصادية مستدامة. وفي هذا الإطار، تمثّل الكفاءات التونسية في مجالات التحرير والتصحيح والذكاء الاصطناعي رصيدًا استراتيجيًا يمكن للمؤسسات الإعلامية المحلية استثماره، دون الارتهان للحلول الأجنبية أو التضحية بالخبرة البشرية. تعليقات