على مدى أكثر من قرن، أحدثت العلوم الحديثة ثورة في فهمنا للكون. ففي عام 1929، أثبت الفلكي الأمريكي إدوين هابل أنّ المجرات تبتعد عن بعضها البعض، كاشفًا أن الكون في حالة توسّع مستمر. لكن قبل أكثر من 1300 عام، جاء في آية قرآنية وصف لهذه الحقيقة بصياغة تثير الدهشة بدقّتها. القرآن، الذي أُنزل في القرن السابع على رجل أميّ يعيش في صحراء الجزيرة العربية، لا يقدّم نفسه كتابًا في العلوم، بل كتاب هداية. ومع ذلك، تحتوي بعض آياته على تعابير لم تتمكّن العلوم من تأكيدها إلا مؤخرًا، إحداها تتعلق مباشرة بتمدّد الكون. الآية المعنية وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (سورة الذاريات – 51:47) كلمة "لَمُوسِعُونَ" المشتقة من الجذر و س ع تعني التوسيع، التمديد، أو جعل الشيء فسيحًا. وبصيغة المضارع المستمر، فهي تدل على فعل متواصل: "نحن بصدد التوسيع". قراءة لغوية وتفسيرات * التفسير التقليدي (التفاسير القديمة): قبل ظهور المعارف الكونية الحديثة، رأى المفسّرون في هذه الآية إشارة إلى عظمة السماء وجلالها. * القراءة المعاصرة: مع تطوّر علم الفلك، ربط العلماء هذه الصياغة بمفهوم التمدّد الكوني الذي تتبناه العلوم الحديثة. اللافت أن النص لا يتحدث عن سماء ثابتة، بل عن سماء في حالة تمدّد مستمر، وهي دقّة لم يكن بالإمكان معرفتها في القرن السابع دون أدوات رصد فلكية. توافق مع العلم الحديث * 1912: فيستو سليفر يرصد انزياحًا طيفيًا نحو الأحمر في ضوء المجرات، ما يعني أنها تبتعد. * 1922: ألكسندر فريدمان يقترح نموذجًا نظريًا لكون متمدّد بالاستناد إلى النسبية العامة لأينشتاين. * 1929: إدوين هابل يبرهن أن المجرات الأبعد تبتعد بسرعة أكبر، ما يعدّ دليلًا رصديًا على تمدّد الفضاء نفسه. * اليوم: تؤكد المراصد الفلكية الحديثة ليس فقط التمدّد، بل تسارعه، وهو ما يُعزى إلى الطاقة المظلمة. واللافت أن القرآن يستخدم صيغة المضارع المستمر ("نوسّع")، ما يتوافق تمامًا مع توصيف علم الكونيات المعاصر. آراء علمية الطبيب والكاتب الفرنسي موريس بوكاي (1920 – 1998)، صاحب كتاب "التوراة والإنجيل والقرآن والعلم"، درس مطولًا الإشارات العلمية في القرآن، واعتبر أن آية الذاريات (51:47) تحمل صياغة منسجمة بشكل مدهش مع علم الفلك الحديث، مستبعدًا أن يكون إنسان في القرن السابع قادرًا على صياغة مثل هذه الدقة من محض الخيال. أما البروفيسور الكندي كيث ل. مور (1925 – 2019)، المتخصص عالميًا في علم التشريح والأجنة، فقد اهتم خصوصًا بالوصف القرآني لمراحل الجنين. ورغم أنه ليس مختصًا في علم الكونيات، فقد صرّح في محاضراته أن عددًا من الآيات القرآنية، بما فيها المتعلقة بالفلك، جاءت بصياغات مدهشة الدقة مقارنة بالمعارف العلمية الحديثة. سر الدقة في النص تنبع دقة هذه الآية من عنصرين أساسيين: 1. توصيف السماء بطابع ديناميكي واضح. 2. استخدام فعل مضارع مستمر، ما يعكس عملية متواصلة الحدوث. فإذا كانت هذه الجملة تُفهم في القرن السابع على نحو بلاغي، فإنها اليوم تكتسب بُعدًا علميًا مدهشًا. لا يمكن لأي بدوي أمي في الصحراء أن يدرك بمجرد الملاحظة أن الكون بأسره يتمدد في جميع الاتجاهات. معجزة دائمة كثير من منتقدي الإسلام يعتمدون على ما يسمعونه أو يقرؤونه من مصادر غير مباشرة دون الرجوع إلى القرآن. لكن من يقرأ النص ويدرسه يغيّر نظرته، فيكتشف كتابًا ظل متماسكًا على مدى أربعة عشر قرنًا، وتتكشف بعض حقائقه مع تقدّم المعرفة العلمية. تكمن قوة الإسلام في أن معجزته ما زالت في متناول البشر: القرآن نفسه، نص ثابت، يكشف في كل عصر، ومع تطوّر العلوم، عن حقائق جديدة لمن أراد التأمل فيها. هذا النص يمثّل بداية سلسلة مقالات تُنشر كل يوم جمعة، تسلط الضوء على مسارات مشاهير اعتنقوا الإسلام والأسباب التي قادتهم إلى ذلك — وغالبًا ما يكون الاكتشاف العلمي أحد هذه الأسباب. تعليقات