أثبت خيار التعويل على الذات وتمويل الميزانية من الموارد الداخلية نجاعته خلال العامين الماضيين، وهو ما نتج عنه تحسين تصنيف البلاد من قبل وكالات التصنيف الدولية حيث أظهرت مراجعة التصنيف من قبل وكالات مثل "فيتش" و"موديز" اتجاهًا إيجابيًا للاقتصاد الوطني، مدفوعا بالتحسن في التصرف الديون الخارجية وتقلص العجز الجاري واستقرار احتياطيات النقد الأجنبي. في نفس السياق، بين القطاع المالي صلابة دعائمه وقدرته على تلبية حاجيات الميزانية بأريحية ملحوظة، وسط تحقيق نتائج جيدة، من جهة وتوفير الموارد الكافية للخزينة، من جهة اخرى. الحد من مخاطر الأسواق الخارجية تتجه سلط الاشراف في مشروع قانون المالية لسنة 2026 إلى الاعتماد بشكل متزايد على التمويل الداخلي بما يشمل ايرادات الجباية لتغطية احتياجات الميزانية، في إطار خطة لتقليص الاقتراض الخارجي الذي اثقل طيلة سنوات كاهل المالية العمومية وتسبب في اعتمادها على تداين مكلف لدى المؤسسات المالية الدولية. في هذا الاطار، تخطط الحكومة خلال العام القادم لتعبئة الجزء الأكبر من حاجيات التمويل عبر مداخيل الجباية بما قدره 47.773 مليار دينار اضافة الى السوق المالية المحلية، من خلال إصدار رقاع خزينة ودعم البنوك وصناديق التأمين والمؤسسات العمومية للمساهمة بحوالي 19.056 مليار دينار. ويأتي هذا التوجه في سياق سياسة التعويل على الذات التي تهدف إلى الحد من المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسواق الخارجية وشروط الإقراض الصارمة التي يفرضها المقرضون الدوليون، من ناحية وفي سياق حزمة إصلاحات مالية، أعلنت الحكومة عن عزمها تنفيذها عقب مجلس وزاري من خلال إدراجها في مشروع قانون المالية لسنة 2026، من ناحية اخرى. استقلال القرار الوطني وقالت الحكومة، وفق بيان رسمي، إن الإصلاحات الهيكلية سترتكز على تكريس مبدأ التعويل على الذات واستقلال القرار الوطني من خلال تعبئة الموارد الوطنية وحسن توظيفها وضمان الإيفاء بكل التزامات الدولة الداخلية والخارجية. وحسب بيانات رسمية لوزارة المالية، نجحت البلاد هذا العام في السيطرة على الدين الخارجي وخفض نسبته ضمن تركيبة الدين العام إلى 50% مقابل 70% سنة 2019. هذا ويعكس توجه السلطات نحو مواصلة التعويل على الموارد الداخلية لتمويل الميزانية رغبة الدولة في الحفاظ على سيادتها الاقتصادية، خصوصًا بعد تعثر مفاوضات مالية في السنوات الماضية بسبب الخلاف حول شروط الاقراض. ومن المؤكد، في هذا الصدد، ان يوفّر الاعتماد على الموارد المالية الداخلية للدولة مرونة أكبر في حوكمة المالية العمومية بما يحفز الاقتصاد الوطني لتحسين تغطية السوق بالمواد المصنعة محليًا وتقليص الواردات المستنزفة للعملة الاجنبية. وأظهرت بيانات البنك المركزي التونسي أن البنوك سجلت خلال السنة الحالية تسارعًا ملحوظًا في وتيرة تمويلها للدولة، حيث بلغت القروض المسندة للقطاع العمومي إلى غاية نهاية أوت 2025 زيادة سنوية بنسبة 37.5% مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2024. هذا التوسع في التمويل البنكي لفائدة الدولة انعكس بوضوح على هيكلة الموازنات البنكية، حيث أصبحت القروض الموجهة للدولة تمثل 17.9% من إجمالي أصول البنوك نهاية شهر أوت الماضي مقابل 14.3% في التاريخ نفسه من العام الماضي، و12.3% عام 2021. يشار الى انه وفقا للتوقعات الواردة بتقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" الصادر، الثلاثاء الفارط، عن صندوق النقد الدولي، فان نسبة نمو الاقتصاد التونسي ستكون، في حدود 2.5 بالمائة، خلال سنة 2025، و2.1 بالمائة، خلال سنة 2026. وحسب التوقعات ذاتها، فإنّه من المنتظر أن يبلغ معدل التضخم في تونس، مستوى 5.9 بالمائة في 2025 و6.1 بالمائة، خلال سنة 2026. تعليقات