الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير تقدم بطلب رسمي قبل يومين فقط، وما إن تقدّم بالطلب حتى تمت الاستجابة له. وإن كان من المرجّح أن المفاوضات كانت قد بدأت منذ فترة طويلة في كتمان شديد، فمثل هذه القضايا لا تُحلّ في بضع ساعات. ففي الدبلوماسية لا وجود للمعجزات. المهم أن الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال، الذي أثارت إدانته بالسجن خمس سنوات أزمة حادة مع باريس، قد نال العفو و سيُنقل إلى ألمانيا لتلقي العلاج الطبي. و جاء في البيان الرسمي الصادر اليوم الأربعاء 12 نوفمبر أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون «استجاب إيجابيًا» لطلب نظيره الألماني «بمنح عفو لبوعلام صنصال». و أضافت الرئاسة الجزائرية أن «هذا الطلب لقي اهتمام الرئيس نظرًا لطبيعته و دوافعه الإنسانية»، مؤكدة أن «الدولة الألمانية ستتكفل بعملية نقل السيد صنصال و علاجه». في فرنسا، استُقبل الخبر بارتياح واسع، واعتُبر إشارة إضافية إلى انفراج العلاقات مع الجزائر بعد أشهر من التوترات المتبادلة. و أعرب رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، خلال مداخلته أمام البرلمان، عن «ارتياحه الكبير»، فيما عبّر محامو صنصال الفرنسيون عن «سعادتهم لأن الإنسانية غلبت أي اعتبارات أخرى»، مؤكدين أن «قضيته كان ينبغي فصلها عن التقلبات الدبلوماسية». و كان بالإمكان طيّ هذه القضية منذ أسابيع، بل منذ أشهر. ففي ماي 2025، دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شخصيًا عن قضية الكاتب لدى نظيره الجزائري، بكلمات قوية كان من المفترض أن تفتح باب التهدئة. غير أن «مشعل النار» – وزير الداخلية السابق برونو ريتايو – بذل كل جهده لإفشال التقارب الهش بين البلدين. لكن العلاقات بين الجزائر و فرنسا تحسنت بشكل ملحوظ منذ أن تولّى لوران نونييز، المحافظ السابق لشرطة باريس، حقيبة وزارة الداخلية خلفًا لريتايو. و من شأن الإفراج عن صنصال، بعد عام من الاعتقال، أن يسرّع وتيرة الانفراج الكامل. أما أولئك الذين كانوا يسكبون الزيت على النار، فسيتعين عليهم الآن البحث عن قضية أخرى لإثارة الجدل. يُذكر أن لويس ساركوزي، نجل الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، كان قد وصل به الأمر إلى حد الدعوة لإحراق سفارة الجزائر في باريس إن لم يُفرج عن صنصال فورًا. بل واقترح لاحقًا اللجوء إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للضغط على الجزائر. أما التصريحات المثيرة للجدل لوزيرة العدل السابقة نوال لونوار، رئيسة لجنة دعم الكاتب الفرنسي الجزائري، فقد أضافت مزيدًا من التوتر إلى المشهد. لكن كل ذلك أصبح الآن من الماضي. فصوت العقل – وأيضًا صوت المصلحة العليا – هو الذي غلب في النهاية، وهو ما يبعث على الارتياح. و قد عبّر لوكورنو عن أمله في أن «يتمكن صنصال من الانضمام إلى عائلته في أقرب وقت ممكن»، موجّهًا «شكرًا صادقًا لكل من ساهم في هذا الإفراج الذي تحقق بفضل منهج يقوم على الهدوء والاحترام». تجدر الإشارة إلى أن محكمة الاستئناف بالجزائر كانت قد أيدت، في 1 جويلية الماضي، الحكم الصادر في 27 مارس 2025 بسجن الكاتب خمس سنوات نافذة بتهمة «المساس بالوحدة الوطنية». و قد جاءت هذه الإدانة على خلفية تصريحاته المثيرة في أكتوبر 2024 خلال مقابلة مع وسيلة الإعلام اليمينية المتطرفة الفرنسية Frontières، حيث قال إن الجزائر «ورثت» خلال فترة الاستعمار الفرنسي أراضي – مثل وهران ومعسكر – كانت، بحسب زعمه، تابعة سابقًا للمغرب. و بعد صدور الحكم، اختار صنصال بحكمة عدم الطعن أمام محكمة النقض، حفاظًا على فرصه في نيل عفو رئاسي، وهو ما سمح للرئيس الألماني بانتزاع حلّ وسط يُنهي الأزمة بشكل مشرف للطرفين. وهكذا خرج الجميع رابحين. و أكد شتاينماير أن «مثل هذه اللفتة تمثل تعبيرًا عن موقف إنساني ورؤية سياسية بعيدة المدى (...) كما تعكس العلاقة الشخصية الطويلة التي تجمعني بالرئيس تبون والعلاقات الجيدة بين بلدينا». مما يعني أن لهذا الملف تداعيات مستقبلية، ليس فقط على العلاقات مع باريس، بل أيضًا مع ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي. و في مقابلة مطوّلة في سبتمبر الماضي، أعلن الرئيس تبون عن زيارة مرتقبة إلى برلين في نهاية العام الحالي أو مطلع 2026، لكن لم يُحدد أي موعد رسمي بعد. كما تُترقب في المقابل تطورات جديدة في العلاقات مع فرنسا... اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح. يرجى ترك هذا الحقل فارغا تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك. تعليقات